• -ثم هل يستطيع العامي أن يفرق بدقة بين قولنا: لا تضرب زيداً وتضحكَُ ْ، بتغير حركات الفعل «تضحك» بين رفع ونصب وجزم ، فالمعلوم أنه إذا رفع الفعل تضحك فالكلام على الاستئناف، ويصير المعنى أننا منهيون عن ضرب زيد، لكن الضحك مباح لنا، وإذا جزمنا الفعل تضحك، فالنهي متوجه إلى الفعلين ويصير المعنى أننا منهيون عن ضرب زيد ومنهيون عن الضحك أيضاً وإذا نصبنا الفعل تضحك بأن المضمرة بعد واو المعية، يصير المعنى أننا منهيون عن الجمع بين ضرب زيد وضحكنا، وأننا لو فعلنا أيهما مفرداً لجاز
• -وهل يستطيع العامي أن يفرق بدقة بين قولنا «دخل الغرفةَ زيدٌ وعمراً» بالنصب على المفعول معه و«دخل الغرفة زيد وعمرو» بالعطف؟ .
لاشك أن ذلك صعب عليه،ولو سألته عن المعنى لأجابك أن زيداً وعمراً دخلا الغرفة أي: لن يدرك إلا معنى الاشتراك في الحكم،ولن يدرك أن زيداً وعمراً في الجملة الأولى دخلاً معاً في وقت واحد، في حين أن المعية في الجملة الثانية محتملة فقط.
•-ومن الأمثلة الدالة على الصلة الوثيقة بين الإعراب والمعنى قولنا: نجح المجتهدون وجميع الطلاب في الجامعة، فيجوز جعل الواو عاطفة، ولفظة جميع معطوفة على «المجتهدون» فيصير المعنى؛ نجح المجتهدون ونجح جميع الطلاب ويجوز جعل الواو استئنافية، ولفظة جميع حينئذ مبتدأ، والجار والمجرور متعلقان بالخبر فيصير المعنى نجح المجتهدون، وجميع الطلاب كائنون في الجامعة ويجوز نصب جميع على المفعول معه أيضا والمعنى نجح المجتهدون مع الطلاب جميعا متصاحبين , والمعية نص في ذلك , أما مع العطف فالمعية محتملة , وواضح أن المعنى يختلف بناءً على كل وجه إعرابي، فهل يا ترى يستطيع العامي أن يفرق بين هذين المعنيين؟ ما أظن ذلك أبداً .
•-ومثال آخر نسوقه لبيان أن العامي لا يستطيع فهم المعاني الدقيقة التي تكشف التراكيب اللغوية العربية.
فلو قلت: أريد أن أذهب إلى الحرم، ثم قلت: أريد الذهاب إلى الحرم، فهل ثمة فرق بين العبارتين عند الإنسان العامي؟
أكاد أجزم أن لا ثمة فرقاً بينهما عند العوام، فمضمونهما عندهم واحد وهو أنني أود الذهاب إلى الحرم، ولكن العربي البليغ النحوي الصناعي، يشعر بالفرق بين العبارتين، فالذهاب في الأولى يكون زمنه مستقبلاً لاشتماله على (أن) التي تمحض الزمان إلى الاستقبال، في حين أن الثانية ليس ثمة اهتمام أصلاً بفكرة الزمن، لأن الذهاب مصدر لا يدل على زمان، أما الإرادة -أي إرادة الذهاب- فزمنها واحد؛ لأنها جاءت في الجملتين بصيغة الفعل المضارع.
•-ومثال أخير وضح به ابن بابشاذ العلاقة بين الإعراب والمعنى من جهة، وأبان به أيضاً أهمية الحركات العربية في الدلالة على المعنى، وكلُّ ذلك مما يخفى على العامي فيما أعتقد، قال: « إن من قال: أشهد أن محمداً رسول الله، بنصبهما جميعاً لم يكن قد شهد له بالرسالة، لأنه لم يخبر عن محمد مع نصب الرسول بشيءٍ ولا اعترف به، قال: وكذلك لو قال: إن الله ربنا، لم يكن معترفاً بشيءٍ، فإنْ رفعَ الربَّ كان معترفاً بالربوبية وهو الصواب » .
فهل يفطن العامي إلى أن الحركة الواقعة على حرف اللام في كلمة رسول، تؤثر على المعنى؟ كم نسمع هذا اللحن من بعض المؤذنين ولا يخطر بالبال ما ذكره ابن بابشاذ؟؟
نعم إن العامي قد يفهم المعنى العام الذي يتراءى له وفق ما تختزنه ذاكرته من إرث لغوي بكل أشكاله وأنواعه، ولكن قد يكون هذا الإرث اللغوي ناقصاً أو يكون خيال المرء قاصراً أو ضيقاً، مما يجعل هذا المرء قاصراً عن الوصول إلى جمالية التعبير التي أرادها المتكلم من كلامه.
وأحسب أن هذا العامي الذي يفهم المعنى العام من الجملة شأنه شأن من يعجبه بناء محكم الأركان بديع الألوان لكنه لا يعرف من بناه ولا كيف بني، ولا المراحل التي مرّ بها حتى صار بديعاً جميلاً، ولا النظرية الهندسية التي اعتمد عليها المهندس الذي هندسه، كذلك النحو إن هناك صنعة نحوية وظيفتها ضبط اللغة، وإتقان التراكيب، وتصحيح الأغلاط، وقد تم لها ذلك كله، فبدت أمامنا تراكيب لغوية بديعة الألفاظ رشيقة المباني عميقة المعاني، والذي يعرب هذه التراكيب هو الذي يقف على أسرار هذه الصنعة وعلى هندستها، لأن الإعراب حافظ على ذلك كله، ولولاه لحصل اضطراب في المعاني والمباني اللغوية على مدى التاريخ وبعد ذلك تحصل الفوضى اللغوية التي تؤثر سلباً على حضارة هذه الأمة؛ لأن هذه الحضارة كلها -كما ذكرنا- كتبت بلغة عربية فصيحة معربة، لذا فمن الخير ومن الرشد الحفاظ على هذه الصنعة والتمسك بكل وسائلها، والاهتمام بتعاليمها وتدريسها لأجيال هذه الأمة .
ومهما يكن من أمر فمما سبق من الأمثلة الكثيرة التي سقناها للدلالة على أن العامي قد لا يدرك معاني كل التراكيب اللغوية نستطيع القول: إنه لابد من درس النحو للوقوف على الأوجة الإعرابية المختلفة التي يحتملها التركيب اللغوي لنصل إلى المعاني الدقيقة، وليست العامة فقط، وكأن الذين يحتجون بأن العامي يفهم ما نقول وما يقرأ له، يريدون تضييق المعاني، وتصغير ميدان اللغة، وكأني بهم يريدون أن تكون اللغة مقصورة على العوام، وتناسوا أن علماءنا القدماء كانوا يغوصون وراء المعاني الدقيقة التي تحتملها التراكيب اللغوية لاستخلاص الأحكام الشرعية، لأن التشريع الإسلامي قام عليها، قال أبو العباس ثعلب: لا يصح الشعر ولا الغريب ولا القرآن إلا بالنحو، النحو ميدان هذا كله، وقال: تعلموا النحو فإنه أعلى المراتب).
وقال الشافعي : من تبحر في النحو اهتدى إلى جميع العلوم
وقال الأصمعي: إن أخوف ما أخاف على الطالب إذا لم يعرف النحو، أن يدخل في جملة قول النبي : من كذب عليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار، لأنه لم يكن يلحن، فإن رويتَ عنه ولحنتَ فيه كذبتَ عليه.
ومن الجدير بالذكر أن النحاة لم يغب عنهم أن العامي قد يفهم المعنى العام من الجملة، فقد أشاروا إلى ذلك وبينوا أن المعاني الدقيقة لا يوقف عليها إلا بالإعراب، والظاهر أن الإمام الشافعي أراد ذلك حين قال: « أصحاب العربية جن الإنس يبصرون مالا يبصره غيرهم.
أما الزجاجي فقد وضح ذلك تماماً بقوله: (فأما من تكلم من العامة بالعربية بغير إعراب فيفهم عنه فإنما ذلك في المتعارف المشهور والمستعمل المألوف بالدراية، ولو التجأ أحدهم إلى الإيضاح عن معنى ملتبس بغيره من غير فهمه بالإعراب لم يمكنه ذلك وهذا أوضح من أن يحتاج إلى الإطالة فيه).
والخلاصة أن الهدف من الإعراب المفصل، هو الوصول إلى المعاني الدقيقة التي يختزنها التركيب اللغوي .
2-أما الهدف الثاني من الإعراب المفصل فهو أن الطالب حين يعرب يستذكر القواعد النحوية النظرية التي مرت عليه، فمثلاً حين أقول في: أكرمت زيداً، إن التاء ضمير بارز متصل مبني على الضم في محل رفع فاعل، هذه الصيغة الإعرابية تذكرنا بكل مباحث الضمير تقريباً فكونها ضميراً يعني أنها اسم معرفة، وكونها متصلة أي خلاف المنفصل، وكونها بارزة أي خلاف المستتر وكونها مبنية أي خلاف المعرب، وكونها في محل رفع فاعل هو بيان موقعها الإعرابي الدال على الفاعلية أي: أنا صاحب الإكرام، وهكذا كل لفظة تعربها إعراباً مفصلاً، ولا يقتصر الأمر على استذكار القواعد النحوية بل يمتد ليشمل القواعد الصرفية، فهناك كثير من الحالات يجب على المعرب أن يتذكر ويتخيل ما جرى على اللفظة من عمليات داخلية صرفية فالفعل المضارع المسند إلى ضمير الجماعة مثلاً نحو: هل تكتبون، لو أردنا توكيده بالنون الثقيلة لصارت صورته (هل تكتبون نْ نَ)، حذفنا نون الرفع لتوالي الأمثال ثم حذفنا الواو لالتقاء الساكنين فصارت الصورة هل تكتبُنَّ، وفي إعرابه نقول:
فعل مضارع مرفوع بثبوت النون المحذوفة لتوالي الأمثال، والواو المحذوفة لالتقاء الساكنين ضمير الفاعل والنون حرف لا محل له من الإعراب.
فالصيغة الإعرابية جعلتنا نتخيل ما حصل للفعل من حذف، وتلك فائدة تساعد دائماً على تنشيط الذهن مع تثبيت القاعدة النحوية والصرفية .
3-ولا ننسى أخيراً أن نذكر ما يمكن أن نعده هدفاً ثالثاً من أهداف الإعراب المفصل وهو أن الإعراب باتَ متعةً عقلية، ونزهة فكرية فيه تنشيط للعقل، ورياضة للذهن الفاتر، فانظر كيف أوصل معربو بيت ابن مالك:
بالجرِّ والتنوينِ والنِّدا وأَلْ
ومسندٍ للاسمِ تمييزٌ حصلْ
إلى أكثر من سبعين وجهاً.
وأوصلوا نحو لا رجل في الدار ولا امرأة، ونظائرها إلى نحو مائة وسبعة وأربعين وجهاً.
وأظهر الكافيجي مائة وثلاثة عشر وجهاً جائزاً في المثال المذكور المشهور في النحو وهو: زيد قائم.
وذكروا في إعراب بسم الله الرحمن الرحيم مائة وعشرين وجهاً , أما عدد صور الصفة المشبهة مع معمولها فقد بلغوا بها الغاية إذ أوصلوها إلى أربع عشرة ألف صورة ومائتين وست وخمسين صورة كما ذكر الشيخ خالد الأزهري
لاشك أن ذلك إن دلَّ على شيء فإنما يدل على حركة نحوية علمية نشيطة تدلُّ على عبقرية نحوية متألقة.
وكل ما ذكرناه ندفع زعم من يزعم أن الإعراب لا فائدة منه، ولا طائل من ورائه، وما علم هؤلاء الزاعمون أن النحو كله إعراب، وكأني بهم يريدون تفريغ حضارتنا العربية والإسلامية من جوهرها، فبالنحو قامت العلوم اللغوية والشرعية .
ونخلص من هذا كله إلى أن الإعراب هو: القدرة على تطبيق القواعد النظرية على النصوص اللغوية لبيان معانيها الدقيقة، وهذا يتطلب التحليل الدقيق للجمل وردها إلى عناصرها الأولى التي تكونت منها وبرز منها المعنى، وهذا المعنى الناتج قد يكون معنى عاماً، وقد يكون معنى دقيقاً لا يدركه إلا أصحاب الإعراب السليم.
وللحديث بقية ,,