لمحة عن جهود مركز الملك عبدالله لخدمة اللغة العربية
د. محمود قدوم
شرّف الله - سبحانه وتعالى - اللغة العربيّة بعدد من الخصال الحميدة؛ إذ خصّها الله جلّ في علاه بلغة قرآنه العظيم، فقال - تعالى-: ”إنَّا أنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا“، ورسوله الكريم - صلّى الله عليه وسلّم-، قال تعالى: ”بِلِسَاٍن عَرَبِيٍّ مُبِينٍ“، وتعهد جلّ في علاه بحفظها، فقال: ”إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْر وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ “، فكانت هذه الخصال سببًا في انتشار العربية في أنحاء العالم من جانب، وإقبال الدارسين على تعلّمها وإتقانها والبحث في خصائصها ومزاياها من جانب آخر.
وتعد المملكة العربيّة السعوديّة من أنشط الدول وأبرزها في الاعتناء باللغة العربيّة سواء عالميّا أم محليّا؛ إذ أسهمت جهود الجامعات السعوديّة والمؤسسات الحكوميّة والأهليّة في نشر اللغة العربيّة، والارتقاء بتعليمها كمًّا وكيفًا للناطقين بها وبغيرها، كما كان لجهود المملكة أثر فاعل في إدخال اللغة العربيّة ضمن لغات العمل الرسميّة المعتمدة في الجمعيّة العامّة للأمم المتحدة في عام 1973.
أمّا محليًّا فتعدّ اللغة العربيّة اللغة الرسميّة للمملكة العربيّة السعوديّة، ولغة التعليم في جميع المراحل باستثناء بعض التخصصات، وأنشأت المملكة كليّات ومعاهد وأقسامًا للغة العربيّة، وكراسي بحث للارتقاء بها، ودعمت المؤسسات والمعاهد التي تُعنى بالعربيّة، وهذا ينسجم مع مسؤوليّات المملكة بوصفها مهبط الوحي، ومهد الرسالة المحمّديّة.
ويعدّ مركز الملك عبدالله بن عبدالعزيز الدولي لخدمة اللغة العربيّة من أبرز المراكز التي تمثّل المملكة العربيّة السعوديّة خير تمثيل في الانتماء الديني واللغوي، ونشر اللغة العربيّة في أنحاء العالم المختلفة، بل يحسن القول: إنّ هذا المركز يعدُ تتويجًا لجهود السعوديّة في الاهتمام بالعربيّة محليًّا وعربيًّا وعالميًّا.
المركز الذي أنشئ في عهد الملك عبدالله بن عبدالعزيز -رحمه الله- إيمانًا منه بالقيمة العليا للغة العربية، وضرورة بذل الجهود للمحافظة عليها، يقوم شعاره على رسم حرف الضاد “ض” أربع مرّات متكرّرة؛ ليرمز إلى اللغة العربيّة الشهيرة بـ”لغة الضاد”، واختار المركز اللون الأخضر لشعاره تحقيقًا لغايتيْن؛ دلالة على النضارة والحيويّة والتجدّد من جانب، وإيحاءً بالحاجة الدائمة للعناية والرعاية من جانب آخر.
ولعلّ أبرز أهداف هذا المركز: المحافظة على اللغة العربيّة، والنهوض بالجهود المبذولة من أجلها، وتطوير مجتمعها المعرفي والتربوي، وإيجاد البيئة الملائمة لترسيخها ونشرها، والمساهمة في تطوير مجالات تعليمها للناطقين بها وبغيرها، والعناية بنشر الدراسات والأبحاث والمراجع اللغويّة، ووضع المصطلحات العلمية اللغوية والأدبية، والعمل على توحيدها، وتكريم العلماء والباحثين والمختصّين في اللغة العربيّة، وتقديم الخدمات ذات العلاقة باللغة العربيّة للأفراد والمؤسسات والهيئات الحكوميّة، والتواصل مع الجامعات العالميّة والمراكز الدوليّة لتحقيق هذه الأهداف النبيلة.
وتتلخّص رؤية المركز بأن يكون”المرجعيّة الدوليّة لخدمة اللغة العربيّة”، أمّا رسالته فتتمثّل في خدمة اللغة العربيّة، ودعم نشرها، وتعزيز حضورها في السياقات الحضاريّة بمبادرات نوعيّة تقوم على التنسيق والتحفيز والتكامل والشراكات الإستراتيجيّة الوطنيّة والإقليميّة والعالميّة، ولعلّ من أهم أعمال البرنامج في هذا السياق: التخطيط والسياسة اللغويّة، وقد نظّم المركز في هذا المجال عددًا من المحاضرات العلميّة، وأصدر مجموعة من الكتب، إضافة إلى الأدلّة وقواعد البيانات، ومن أهمّها:
قاعدة بيانات مؤسسات اللغة العربيّة في المملكة العربيّة السعوديّة (بناء 1)
وقاعدة بيانات المؤسسات المعنيّة باللغة العربيّة في العالم (بناء 2)
وقاعدة بيانات مصادر تعليم اللغة العربيّة للناطقين بغيرها (بناء 3)
وقاعدة بيانات المواقع الحاسوبيّة الخادمة للغة العربيّة (دليل مواقع اللغة العربيّة)
ودليل القرارات واللوائح والأنظمة الرسميّة الخاصّة باللغة العربيّة
ودليل توصيات مؤتمرات اللغة العربية
وموسوعة الحرف العربي.
ومن أهمّ أعمال المركز أيضًا: نشر الكتب والأبحاث المحكّمة والدراسات العلميّة التي تتضمّن: الكتب المؤلَّفة والرسائل العلميّة، والمعاجم اللغويّة العامّة والمتخصّصة، والأعمال المترجمة، وتحقيق النصوص اللغويّة، والدوريّات والمجلاّت، وكتب الأطفال، والمواد التعليميّة، ويصدر المركز عددًا من المجلّات العلميّة المحكّمة الرصينة، وهي: مجلّة اللسانيّات العربيّة، ومجلّة التخطيط والسياسة اللغويّة، ومجلة علوم العربيّة، ومجلّة تعليم العربيّة.
ويحرص المركز على إقامة اتفاقيات التعاون الدولي مع المؤسسات المهتمة باللغة العربية في أنحاء العالم المختلفة، ويحتفي بجهود هذه المؤسسات في بنده المخصّص لذلك (شهر اللغة العربيّة)؛ إذ أولى المركز لمسار تعليم العربيّة للناطقين بغيرها عنايته الخاصّة، وحرص على أن يكون لهذا المسار حضور رئيس في مناشطه المختلفة التي أبرزها: شهر اللغة العربيّة، وإصدار سلسلة الأدلة الخاصة بهذا المسار، وهي: دليل معلّم العربيّة للناطقين بغيرها، ودليل متعلّمي العربيّة الناطقين بغيرها، ودليل ثقافة اللغة العربيّة للناطقين بغير العربيّة.
كما يحتفي المركز باللغة العربيّة في يومها العالمي الذي يوافق 18 كانون الأوّل/ ديسمبر من كلّ عام.
.