الاستشارة(24)
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته نحن نحاول في هذا البحث أن نكون محددين بأمرين أو لنقل محورين، الأول: العلاقة بين الدرس البلاغي القديم ممثلًا في نظرية النظم عند عبد القاهر الجرجاني التي أقامت جسرًا رابطًا بين المعنى واللفظ من جانب عندما أشارت إلى سلطة المعنى وأثره في اختيار الصياغة التركيبية الملائمة له هذه النظرية لدى الجرجاني تأخذنا إلى حقل الدرس النقدي الثقافي الذي يفتش في سياق الخارج المحيط بالنص عن فاعل مضمر يمثل السلطة الفاعلة في صياغته على نحو معين. وعندما نتحدث عن نظرية النظم وإشارتها إلى ارتباط معنى اللفظة بسياقها فإننا نقترب كثيرًا من درس نقدي يقوم على أن الألفاظ تنتظم في علاقات، وحضورها معتمد على علاقة السابق منها باللاحق، ولا شك في أن الدرس البنيوي أشار إلى هذا. المحور الثاني: يمكننا فيه أن نركز على علم المعاني وبعض قضاياه التي اتصلت بالدرس الأسلوبي الحديث الذي يشكل أحد محاور عمل النقد في مرحلة الحداثة، ففي علم المعاني على سبيل المثال قضيتان أو لنقل مبحثين يتصلان بهذا الدرس النقدي الحداثي يمكننا الحديث عنهما تفصيلًا: الأول: محور الإيجاز والإطناب ففي الإيجاز نجدنا ذاهبين إلى قضية الحذف أو ظاهرة الحذف بوصفها محور عمل الدارس الأسلوبي .. أما القضية الثانية فهي قضية التقديم والتأخير في الدرس البلاغي واتصالها بهذا النشاط أيضًا للدارس الأسلوبي في عصرنا الحديث . إذًا مرة ثانية نركز في علاقة البلاغة بالنقد على محورين الأول: نظرية النظم عند عبد القاهر وارتباط بعض مضمونها بالدرس النقدي الذي يقع تحت عنوان (النقد الثقافي). وإنك إذا نظرت إلى تعريف البلاغة نفسه مطابقة الكلام لمقتضى الحال تجده ينسجم تمامًا ومجال انشغال الناقد الثقافي، بل إن عبد القاهر عندما تحدث عن المعنى الأول في الكلام والمعنى الثاني أو معنى المعنى فإن إشارته هذه تطابق تمامًا مدار عمل النقد الثقافي، وحديثه عن الفاعل المضمر. أما المحور الثاني: فهو الذي ذكرناه آنفًا . بالتوفيق إن شاء الله
أ.د أحمد يحيى علي