هل يجوز لحوق ألف الندبة لصفة المندوب؟
د. مصطفى شعبان
هذه المسألة وقع فيها النزاع بين المدرستين البصـرية والكوفية ، وتَبِعَ الكوفيين فيها بعضُ البصريين؛ كيونس، وبعض الذين لديهم نزعة الجمع بين المذهبين كأبي الحسن بن كيسان .
وفي هذه القضية ذهب الكوفيون ويمثلهم الفراء(1 ) إلى أنه يجوز أن تُلقى علامة الندبة على صفة المندوب، نحو قولك : (وازَيْدُ الظَّرِيْفَاهْ) ، وإليه ذهب يونس بن حبيب البصـري ، وأبو الحسن بن كيسان، وذهب البصريون إلى أنه لا يجوز(2 )، وإنما تقع ألف الندبة عندهم على الموصوف لا على الوصف.
قال سيبويه : «والموصوف إنما تقع ألف الندبة عليه لا على الوصف ، وأما يونس فيُلحق الصفةَ الألفَ فيقول: (وازيدُ الظَّرِيْفَاهْ) ، (واجُمْجُمَتَيَّ الشَّامِيَّتَيْنَاهْ)، وزعم الخليل أن هذا خطأ»(3 ).
وقال المبرد : «وكان يونس يجيز أن يلقى علامة الندب على النعت ، فيقول : (وازيدُ الظَّرِيْفَاهْ)، (وازيْدَاهُ أنتَ الفارِسُ البَطَلاهْ) ، وهذا عند جميع النحويين خطأ؛ لأن العلامة إنما تلحق ما لحقه تنبيه النداء لمدِّ الصوت والنعت خارج من ذا»(4 ).
والكوفيون قاسوا الموصوف مع صفته على المضاف مع المضاف إليه؛ فإن علامة الندبة تُلقى على المضاف إليه إجماعًا ، فيقال : (واعبدَ زَيْدَاهْ، واغُلامَ عَمْرَاهْ)؛ لأن الصفة مع الموصوف بمنزلة المضاف مع المضاف إليه، فإذا جاز أن تُلْقى علامة الندبة على المضاف إليه، فكذلك يجوز أن تلقى على الصفة، واستدلوا لقولهم بما روي عن بعض العرب أنه ضاع منه جُمْجُمتان – أي قَدَحان – فقال: (واجُمْجُمَتَيَّ الشَّامِيَّتَيْنَاهْ) وألقى علامة الندبة على الصفة(5).
وقد نقض أبو علي هذا القياس الذي استند إليه يونس والكوفيون عن طريق إبطال العلة التي استنبطوها من أن الصفة مع موصوفها بمنزلة المضاف مع المضاف إليه، فقال : «الدليل على انفصال الصفة من الموصوف في المعنى وإن كانت تجري عليه في إعرابه قولهم في النداء : (يا زيدُ العاقلُ) ، ألا ترى أن الموصوف مبني ، والصفة معربة ، فاختلافهما في الإعراب والبناء دلالة على أنهما ليسا بجاريين مجرى الشيء الواحد ، فإذا كان كذلك لم يجز قول يونس في إلحاق علامة الندبة الصفة ؛ لأن الصفة منفصلة من الموصوف ، وليست بداخلة في النداء»(6 ).
ويجلي الفارسي اختصاص علامة الندبة بأن علامة الندبة من شأنها «أن تلحق المنادى دون ما لا ينادى ؛ لأن الندبة ضَرْبٌ من النداء ، فلو جاز أن تَلْحقَ الصفةَ علامةُ النُّدبة لجاز أن يدخل في حكم النداء، فيكون معمول النداء كالموصوف، فإذا لم يكن الوصف معمولًا للنداء ولا داخلًا في حكمه من حيث كان معربًا لم يجز لحاق علامة الندبة فيه»(7 ).
ويفسرتقريرَ الفارسيِّ أن علامة الندبة الأصل فيها أن تلقى على ما يلحقه تنبيه الصوت لمدِّ الصوت ، وليس ذلك موجودًا في الصفة ؛ لأنها لا يلزم ذكرها مع الموصوف ، فوجب أن لا يجوز(8).
وإن كان المجيزون يحتجون لذلك بأن الصفة قد تلزم في بعض المواضع للموصوف ، كصفة (أي) في باب النداء ، نحو قولك : يا أيُّها الرجلُ ، والجما ء الغفير ، وصفة (من) و (ما) النكرتين، فجرت الصفة مجرى المضاف إليه، ولأنها توضح كما يوضح(9 ) ،ولاسيما أن التفجع والتوجع والتأسف قد تقع على صفات المندوب كما تقع على ذاته ، فلا يمتنع أن تلحقها العلامة(10 ).
وقد احتج الخليل لبطلان ندبة الصفة ببطلان ندبة الخبر؛ لأن الخبر وصف للمبتدأ معنىً، إذ لو جاز دخول ألف الندبة في الصفة لجاز دخولها في قولك : (وازيْدَاهْ أنْتَ الفارسُ البَطَلَاهْ) ، فالصفة والخبر عند الخليل خارجان عن النداء ، فقد اتفقا في خروجهما وإن اختلفا في المعنى ، وإنما الندبة للمنادى ولا تدخل في غيره ، فما كان خارجًا عن النداء فالندبة مفارقة له ، وهو ما وافقه عليه السيرافي( 11) والفارسي؛ حيث قال :
«ووجه الجمع بينهما – أي بين الصفة والخبر – أن (البطلاه) هو المدعو في المعنى وليس بداخل في النداء ، كما أن الوصف هو المدعو في المعنى وليس بداخل، ولو جاز دخول علامة الندبة في الوصف لجاز دخولها في (البطلاه) في هذه المسألة لاجتماعهما في أنهما المدعوان في المعنى ، ولم يعمل النداء فيهما ، هذا جمع الخليل ، وإلزامه صحيح ، وجمع بَيِّن»(12 ).
وقد احتُج ليونس ردًّا على الخليل بأنه ليس الخبر مثل الصفة، فلذلك لم يجز (أنتَ الفَارِسُ البَطَلاهْ)؛ لأن الخبر منقطع عن المندوب ، والصفة من تمامه»(13 ).
وسلم البصريون بأن الصفة من تمام الموصوف ، ولكنهم لم يسلموا للكوفيين أن الصفة مع الموصوف بمنزلة المضاف مع المضاف إليه ، فإن المضاف لا يتم بدون ذكر المضاف إليه ، بخلاف الموصوف مع الصفة ، فإن الموصوف يتم بدون ذكر الصفة، فلو أنك قلت : (عبد) في قولك: (عبد زيد) ، أو (غلام) في قولك: (غلام عمرو) لم يتم إلا بذكر المضاف إليه ، ولو قلت: (زيد) في قولك: (هذا زيدُ الظَّرِيْفُ) يتم الموصوف بدون ذكر الصفة ، وكنت في ذكرها مخيرًا إن شئت ذكرتها وإن شئت لم تذكرها ، فبان بذلك الفرق بين الصفة والمضاف إليه(14 ).
واحتج بعض من وافق يونس له بأن اتصال الموصوف بصفته لفظًا وإن كان أقل من اتصال المضاف بالمضاف إليه والموصول بصلته ، إلا أن الموصوف متصل بصفته على الجملة لفظًا ، واتصاله بها في المعنى أتمُّ من اتصال الموصول بصلته، والمضاف بالمضاف إليه وإن كان في اللفظ أنقص، وذلك لأنه يطلق اسم الصفة على موصوفها ولا يطلق المضاف إليه على المضاف ، ولا الصلة على موصولها(15 ).
وأجاب البصريون عن المروي عن العرب من قولهم : (وَاجُمْجُمَتَيَّ الشَّامِيَّتَيْنَاهْ) بأنه يحتمل أن يكون إلحاق علامة الندبة من قياس يونس ، وهو على كل حال من الشاذ الذي لا يُعبأ به ولا يُقاس عليه عندهم(16 ).
ويطرح أبو علي جوابًا افتراضيًّا على التفريق بين الموصوف والمضاف إليه، ثم يجيب عليه قائلًا: «فإن قلت: إن الصفة جُعلت بمنزلة الموصوف في قولك : (هذا زيدُ بنُ عمروٍ) حين جعلا بمنزلة اسم واحد نحو : امرئٍ وابْنُمٍ ، وكذلك : (لا غُلامَ ظَرِيْفَ لك)، وكذلك قول من قال : (مَا مَرَرْتُ بأحدٍ إلا زيدًا خيرٍ مِنْكَ) ، فيُنْصبُ لما تأخرت الصفة كما كان يُنصَبُ لو تأخر الموصوف وتقدم المستثنى ، فإذا كان قد صارا بمنزلة اسم واحد فهلا جاز أن يلحق الصفة علامة الندبة كما جاز أن يلحق المضاف إليه علامة الندبة ، لاجتماعهما في أنهما بمنزلة اسم واحد؟
قيل : لا يدل جعلهم (زيدًا) مع (ابن) بمنزلة اسم واحد على أن الصفة والموصوف بمنزلة اسم واحد، لما ذكرنا من افتراق الصفة والموصوف ، وإنما فُعل هذا مع العلم خاصة، لكثرته في كلامهم، ومخالفتهم به للأصل في هذا كما غيروا في أشياء أخرى نحو : مَنْ زيدًا ، ألا ترى أنه إذا زايل(17 ) هذا الموضع لم يكن مثله في هذا الموضع ، فإذا كان كذلك دلَّك أن الصفة ليست في حكم الموصوف في هذا»(18 ).
وقد تابع أبا علي في استدلاله واحتجاجه لمذهب الخليل وسيبويه والبصـريين في عدم جواز إلحاق ألف الندبة لصفة المندوب غالبُ النحاة بعد ذلك ؛كالصيمري(19 )، وابن الأنباري( 20)، وابن خروف(21 )، والعكبري(22 )، وابن يعيش(23 )، وابن الحاجب(24)، وأبو حيان(25 )، وابن الفخار(26 )، والسيوطي(27 )، وتبع ابنُ مالك قولَ يونس والكوفيين في الجواز مؤيدًا إياه بقول القائل:(28 )
ألا يَا عَمْرُو عَمْـرَاهْ *** وعَمْـرُو بنَ الزُّبَيُرَاهْ
حيث لحقت ألف الندبة (عمراه) وهو توكيد مندوب ، ولحقت في (الزبيراه) وهو مضاف إليه نعت معطوف على مندوب .
ولحاقها نعت المندوب، كقول القائل( 29):
كَمْ قَائلٍ يَا أسْعَدُ بن سَعْدَاهْ *** كُلُّ امْرِئٍ بَاكٍ عَلَيْكَ أراه
وقد تبع ابنُ مالك في ذلك: أبا علي الشلوبين(30 )، وابن عصفور( 31)، وتبعه على ذلك بعض النحاة؛ كابنه(32)، والرضي الاستراباذي(33)، وابن عقيل(34 )، والشاطبي(35 )، والأشموني(36)، والصبان(37 ).
ونقل خالد الأزهري عن ابن الخباز، أنه لا خلاف في جواز لحاقها آخر الصفة إذا كانت بين علمين نحو: وازيدُ بنُ عَمْرَا ، وأما البدل والبيان والتوكيد فقياس قول سيبويه والخليل أن لا تلحق البيان والتوكيد ،واختار ابن الخباز أنها تدخل آخر البدل ؛ لأنه قائم مقام المبدل منه ، فنقول: واغُلامَنَا زَيْدَاهْ، وتدخل على العطف النَّسَقِيَّ نحو : وازيدُ وعَمْرَاهْ، وأيده الأزهري في دخولها التوكيد اللفظي(38 ).
والرأي الذي يعضده السماع، وتؤيده الأدلة ، وتنسجم معه الأقيسة هو رأي الجمهور الذي احتج له أبو علي وانتصر له ودلل عليه .
---------------------------
(1 ) ارتشاف الضرب 5/2216 ، المساعد 2/537 .
(2 ) الإنصاف في مسائل الخلاف 1/364 ، أسرار العربية 244-245 .
(3 ) الكتاب 1/323-324 بولاق ، 2/225-226 هارون .
(4 ) المقتضب 4/275 ، الأصول لابن السراج 1/358 .
(5 ) الإنصاف 1/364-365 ، اللباب 1/343-344 .
( 6) المسائل البصريات 1/513-514 .
(7 ) المسائل البصريات 1/514 .
(8 ) الإنصاف 1/365 .
(9 ) اللباب 1/344 ، المقاصد الشافية 5/387 .
(10 ) المقاصد الشافية 5/387 .
(11 ) النكت للشنتمري 2/172 .
(12 ) المسائل البصريات 1/514 .
(13) النكت 2/173 .
(14 ) الإنصاف 1/365 ، أسرار العربية 244 ، شرح المفصل لابن يعيش 2/14 .
(15 ) شرح كافية ابن الحاجب للرضي 1/422 .
(16 ) الإنصاف 1/365 ، الأسرار 245 ، شرح جمل الزجاجي لابن خروف 2/782 ، الإيضاح شرح المفصل لابن الحاجب 2/286 .
(17 ) أي : بارحه وفارقه .
(18 ) المسائل البصريات 1/515-517 ، ونقل الشاطبي عن أبي علي هذا الاحتجاج في كتابه المقاصد الشافية شرح الألفية 5/388 ، وعزاه إلى التذكرة لأبي علي، وذكر أنه بسط فيها الاحتجاج للمذهبين .
(19 ) التبصرة والتذكرة 1/364 .
(20 ) الإنصاف 1/364-365 ، أسرار العربية 244-245 .
(21 ) شرح جمل الزجاجي 2/782 .
(22 ) اللباب في علل البناء والإعراب 1/343 .
(23 ) شرح المفصل 2/14 .
(24 ) الإيضاح شرح المفصل 2/285-286 .
(25 ) ارتشاف الضرب 5/2216 .
( 26) شرح جمل الزجاجي 2/750 .
( 27) همع الهوامع 3/69-70 .
( 28) البيت لا يعلم قائله ، وهو من شواهد: المقرب 1/184 ، و شرح التسهيل 3/416 ، و المساعد 2/538 ، و المقاصد الشافية 5/387 ، و الأشموني 3/253 .
(29 ) البيت لا يعلم قائله، وهو من شواهد شرح التسهيل 3/416 .
(30 ) التوطئة 296 .
(31 ) المقرب 1/184 .
(32 ) شرح الألفية لابن الناظم 421 .
(33 ) شرح الكافية 1/422 .
(34 ) المساعد 2/537 .
(35 ) المقاصد الشافية 5/386 .
(36 ) شرح الألفية 3/250 .
(37 ) حاشية الصبان 3/251 .
(38 ) شرح التصريح 2/248 .