المعاني النحوية والدلالات لعلامات الوقف في المصحف الشريف
د. جمال عبدالعزيز أحمد
في المصحف الشريف علاماتٌ للوقف، مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالمعاني النحوية والمعاني الدلالية، وكلُّها يدور حول مراعاة تمام المعنى وصحته، ودفع اللَّبْس، والتمييز بين المعاني المتداخلة وجهات الكلام.
وسوف نورد - فيما يأتي - تعريفًا بكل رمزٍ من رموز الوقف، ونعقبه بدراسة نحوية لكلٍّ منها:
أولاً: الوقف اللازم ورمزه "م".
وهو الوقفُ على كلمةٍ لو وصلت بما بعدها لأوهَمَ وصلُها معنًى غير المراد، ويكون هذا الوقف في وسط الآية، وفي آخرها، وسمِّي الوقفُ على هذه المواضع وما شاكلها لازمًا؛ للزومِه وتحتُّمِه، من أجل سلامةِ المعنى، وحُسن التلاوة، وإحكام الأداء[1].
ويأتي هذا الوقفُ للتمييز بين أشكال الكلام المختلفة، ولإزالة اللَّبس بينها، والفصل بين جهات الكلام؛ كالتمييز بين كلام الله - عز وجل - وكلامِ الكفار؛ كقوله - تعالى -: ﴿ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًاۘ يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ ﴾ [البقرة: 26].
فالوقفُ اللازم على ﴿ مَثَلاً ﴾ ليفصلَ بين كلام الكفار، وكلام الله - عز وجل - وتكون جملة: ﴿ يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا ﴾ جملة مستأنفة، ولو وُصِل الكلامُ لكانت صفة لـ: ﴿ مَثَلاً ﴾، ولأفادَتْ أنه مِن كلامِ الكفَّار، وهو غيرُ صحيح[2].
ومنه قوله - تعالى -: ﴿ لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍۘ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ ﴾ [المائدة: 73].
فالوقف اللازم على ﴿ ثَلاَثَةٍ ﴾ يميِّز بين قول النصارى القائلين بالتثليثِ، وقول اللهِ - سبحانه وتعالى - ردًّا لقولهم، ولو وصل الكلام لأوهم أن يكونَ ذلك مِن كلامهم، فيؤدي إلى التناقض، والواو على الوقفِ اللازم تُشعِر بالاستدراك؛ لأن ما بعدها عكس حُكْمِ ما قبلها.
ومن ذلك قوله - تعالى -: ﴿ وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِۘ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ ﴾ [الأنعام: 124].
فالوقف اللازم على ﴿ رُسُلُ اللَّهِ ﴾ يفصِلُ بين كلامينِ؛ كلام الكافرين (كفَّار قريش)، وكلام الله عز وجل، وجملة:﴿ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ ﴾ [الأنعام: 124] تُعَدُّ ابتدائية، ولو وصل الكلام لكان هذا من تتمَّةِ قولهم، فيؤدي إلى فساد المعنى، وهو الجمعُ بين ما يدلُّ على الكفر، وما يدل على الإيمان.
ومنه قوله - تعالى -: ﴿ وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْۘ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾ [يونس: 65].
فالوقف اللازم على ﴿ قَوْلُهُمْ ﴾ يدفعُ إيهامَ أن ما بعده مِن قولهم، وإنما الصحيح أنه من قول الله - سبحانه وتعالى - وعليه فجملة: ﴿ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا ﴾ ابتدائيةٌ، ولو وصل الكلام لكانت الجملةُ في محل نصب مفعول به للقول، فيترتب عليه الجمعُ بين متناقضين، وهما الكفر والإيمان[3].
ومنه قوله - تعالى -: ﴿ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُۘ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا ﴾ [آل عمران: 7].
فالوقفُ اللازم على لفظ الجلالة ﴿ اللَّهُ ﴾ يمنَعُ وهم أن الراسخين في العلم يعلمون تأويلَه، وهو رأي الجمهور[4]، وعليه فالواو استئنافية، ﴿ الرَّاسِخُونَ ﴾ مبتدأ، مخبَرٌ عنه بـ: ﴿ يَقُولُونَ ﴾، وعلى الوصل تكونُ الواو عاطفةً، و﴿ الرَّاسِخُونَ ﴾ معطوفًا على لفظ الجلالة، وجملة ﴿ يَقُولُونَ ﴾ حالاً منهم، وقد ذهب إلى هذا قلةٌ مِن أهل العلم[5].
ومنه قوله - تعالى -: ﴿ الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْۘ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ ﴾ [المائدة: 5].
فالوقف اللازم - في بعض طبعات المصحف - يمنع اللَّبسَ الواقع من عطف ﴿ الْمُحْصَنَاتُ ﴾ على ﴿ طَعَامُكُمْ ﴾؛ لأنه يؤدي إلى مخالفة الحُكم الشرعي، وهو تحليلُ المحصنات من المؤمنات لأهل الكتاب، ولكن الوقفَ يجعل الجملة مستأنَفة، ويكون خبرُ ﴿ وَالْمُحْصَنَاتُ ﴾ محذوفًا، تقديره: "حلٌّ لكم كذلك إذا آتيتموهن أجورهن...."، أو يكون قوله: ﴿ وَالْمُحْصَنَاتُ ﴾ معطوفًا على قوله: ﴿ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ ﴾، وتكون جملة ﴿ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ ﴾ مقحَمة بين المتعاطفين، وقيل: ﴿ الْمُحْصَنَاتُ ﴾ معطوفٌ على ﴿ الطَّيِّبَاتُ ﴾؛ فهو من عطف المفردات، من عطف الخاصِّ على العام، وهو وجه حسَنٌ أيضًا[6].
ومن الوقف اللازم أيضًا - واللَّبس فيه واقع في حرفٍ مثل الواو، فلا يتميز كونُها استئنافية أو عاطفة إلا به - قولُهُ تعالى: ﴿ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُواۘ وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾ [البقرة: 212].
فاللَّبس واقع في الواو؛ حيث يتطرَّقُ إلى القارئ وهمُ أنها عاطفة إذا وصلها، ويؤدي إلى الفساد في المعنى بتقييد سخرية الكافرين مِن الذين آمنوا والذين اتقوا بالحال ﴿ فَوْقَهُمْ ﴾، وبالظرف ﴿ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾، وليس هذا هو المرادَ، بل المرادُ أنهم يَسخَرون منهم في الحياة الدنيا، وأن الذين اتَّقوا فوقهم يوم القيامة، فالوقف اللازم على ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ يترتَّبُ عليه أن تكونَ الواو استئنافيةً لا عاطفة[7].
وقد يكون الوقفُ اللازم لإزالة اللبس، ولدفع الوهم الحاصل في موقع الجملة؛ ففي قوله - تعالى -: ﴿ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌۘ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ﴾ [النساء: 171].
الوقف اللازم على ﴿ وَلَدٌ ﴾ يمنع إيهامَ أن الولد الذي نُزِّه عنه - عز وجل - موصوفٌ بأن له ما في السموات وما في الأرض، ويثبت أن هذه الصفةَ لله - سبحانه وتعالى - وحده، والجملة على هذا استئنافيةٌ لا محلَّ لها من الإعراب، ولو وصل الكلام لكانت الجملةُ في محل رفع لـ: ﴿ وَلَدٌ ﴾، ويؤول هذا إلى اختلال المعنى، ووقوع اللَّبْس، وإثبات ولدٍ ليس له ما في السموات وما في الأرض[8].
وقد يكون الوقفُ اللازم لإزالة اللَّبس الحاصل في الفاعل؛ فمن ذلك قوله - تعالى -: ﴿ فَآمَنَ لَهُ لُوطٌۘ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ [العنكبوت: 26].
فالوقف اللازم على ﴿ لُوطٌ ﴾ يزيل اللَّبس في الفاعل بين ﴿ آمَنَ ﴾ و﴿ قَالَ ﴾، فيجعل لكل فعلٍ فاعلاً مستقلاًّ؛ فالذي ﴿ آمَنَ ﴾ هو ﴿ لُوطٌ ﴾، والذي قال: ﴿ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي ﴾ هو إبراهيمُ - عليه السلام - والوصلُ يوهم أن الفاعلَ واحدٌ، وخاصة أن الفاعل في ﴿ قَالَ ﴾ ضميرٌ مستتر، والأصل أن "الضمير يعود على أقرب مذكور".
ومنه قوله - تعالى -: ﴿ إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَۘ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ ﴾ [الأنعام: 36].
فالوقف اللازم على ﴿ يَسْمَعُونَ ﴾ يدفع وهم أن الواو بعده عاطفة؛ لأن هذا يؤدي إلى التناقض، وهو التسوية بين الأحياء والموتى في الاستجابة، أما الوقف، فيجعل الواو استئنافية، ويكون ﴿ الْمَوْتَى ﴾ مبتدأ مخبَرًا عنه بقوله: ﴿ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ﴾، وهو المراد[9].
وقد يكون اللَّبس في التركيب واقعًا في صيغة الفعل، فيختلط على القارئ كونه للأمر أو للمضارع، ومن ذلك قوله - تعالى -: ﴿ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُواۘ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ﴾ [المائدة: 2].
فالوقف على ﴿ تَعْتَدُوا ﴾ يدفع إيهام عطف فعل الأمر ﴿ تَعَاوَنُوا ﴾ على المضارع ﴿ تَعْتَدُوا ﴾؛ بل هو معطوفٌ على النهيِ المتقدِّم في صدر الآية.
وقد يكون اللَّبسُ واقعًا في الجملة بين كونها صفةً، وكونها استئنافية؛ كما في قوله - تعالى -: ﴿ أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَۘ يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ ﴾ [هود: 20].
فالوقف اللازم على ﴿ أَوْلِيَاءَ ﴾ يمنع إيهامَ أن جملة ﴿ يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ ﴾ صفةٌ لقوله: ﴿ أَوْلِيَاءَ ﴾، ويفيد نفي الأولياء مطلقًا، وأن جملة ﴿ يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ ﴾ استئنافية مستقلَّة عما قبلها.
وهكذا يتبين أن الوقفَ اللازم يميز بين المعاني الملتبسة، والصور المتداخلة، كما أنه يحقق سلامة المعنى وحسن الأداء، وهو مرتبط في كل ذلك بالمعاني النحوية، والتوجيهات الإعرابية.
ثانيًا: الوقف الممتنع أو القبيح، ورمزه "لا":
ويعني الوقف الذي لا يفهم السامعُ منه معنى، ولا يستفيد منه فائدةً يحسُن سكوتُه عليها؛ لشدة تعلُّقه بما بعده من جهتي اللفظ والمعنى معًا.
ويلاحظ أن هذا الرمز "لا" يأتي غالبًا في المواضع التي تكونُ فيها الجمل مكتملة الأركان من حيث الظاهر، ولكنها ليست في الحقيقة مستقلةً في المعنى، وإنما متعلقة بما بعدها، ومن ثم يأتي هذا الوقفُ لمنع الفصل بين القَسَم وجوابه مثلاً؛ كما في قوله - تعالى -: ﴿ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ ﴾ [البقرة: 145].
فلا يجوز الوقفُ على ﴿ الْعِلْمِ ﴾؛ لأنه يؤدي إلى الفصل بين القَسَم وجوابه، فهذا من نوع الوقف القبيح، وإنما نص العلماء على هذه الكلمة دون غيرها؛ لأن القارئَ قد يستسيغ الوقف هنا لطول التركيب، أو لاستيفاء الجملة الصغرى أركانَها النَّحْوية، فيأتي هذا الرمزُ بمثابة التنبيه له إلى مراعاة عدم الوقف.
ومنه قوله - تعالى -: ﴿ وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ ﴾ [النحل: 38].
فالرمز "لا "على ﴿ أَيْمَانِهِمْ ﴾ ينبِّه القارئ إلى مجيء الجواب بعده.
وقد يكون الرمز "لا" موضوعًا لمنع الفصل بين الصفة والموصوف، كما في قوله - تعالى -: ﴿ وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا ﴾ [الأعراف: 164].