مُنَمْنَماتٌ عَلى جُدْرانِ الْمَجالِسِ الْعَربيَّةِ=8
انْتَزَعَها الدُّكْتورُ مُحَمَّدْ جَمالْ صَقْرْ
1
حَظْوَةُ الْفَنِّ عِنْدَ الْعُلَماءِ
" النّاسُ قَديمًا وَحَديثًا يَتَوَهَّمونَ أَنَّ النُّحاةَ بِمَعْزِلٍ عَنْ عِلْمِ الشِّعْرِ وَرِوايَتِه . وَإِذا صَحَّ هذا في زَمَنٍ مُتَأَخِّرٍ ، فَإِنَّ ذلِكَ الزَّمانَ الْأَوَّلَ الْمُتَقَدِّمَ قاضٍ عَلى النُّحاةِ بِأَنْ يَكونوا بِالْمَنْزِلَةِ الْعالِيَةِ مِنْ عِلْمِ الشِّعْرِ وَمِنْ رِوايَتِه .
فَإِنَّهُمْ حينَ أَرادوا أَنْ يَضعوا لِلْعَربيَّةِ نَحْوًا جامِعًا عَلى غَيْرِ مِثالٍ سابِقٍ ، لَمْ يَكُنْ لَهُمْ إِلى ذلِكَ سَبيلٌ إِلّا بِتَتَبُّعِ كَلامِ الْعَرَبِ جَميعًا عَلى اخْتِلافِ مَنازِلِهِمْ ، وَاخْتِلافِ لَهَجاتِهِمْ ، وَاخْتِلافِ لُغاتِهِمْ ، وَاخْتِلافِ أَزْمِنَتِهِمْ مُنْذُ الْجاهِليَّةِ الْقَديمَةِ إِلى زَمانِهِمُ الَّذي هُمْ فيهِ . وَلا سَبيلَ إِلى ذلِكَ إِلّا بِاسْتِقْصاءِ كَلامِهِمْ ، وَأَهَمُّ كَلامِهِمْ كُلِّه كانَ هُوَ الشِّعْرَ .
فَلِذلِكَ كانَ هَمُّ جَميعِ مَنْ ذَكَرَهُمُ ابْنُ سَلّامٍ مُنْذُ أَبي الْأَسْوَدِ الدُّؤَليِّ إِلى الْخَليلِ ، أَنْ يَتَتَبَّعوا الشِّعْرَ مَعَ التَّوَثُّقِ مِنْ صِحَّتِه ، وَأَنْ يَسْتَقْصوا ذلِكَ اسْتِقْصاءً تامًّا ما اسْتَطاعوا ، وَأَنْ يَنْظُروا فيهِ نَظَرًا فاحِصًا يَجْمَعُ النَّظائِرَ في كُلِّ بابٍ مِنْ أَبْوابِ أَساليبِ الْكَلامِ وَأَبْنِيَتِها وَتَصاريفِها ، لِكَيْ يَسْتَطيعوا أَنْ يُؤَسِّسوا الْعِلْمَ عَلى أُصولٍ لا تَخْتَلِفُ وَلا تَضْطَرِبُ . وَقَدْ بَلَغَ جَميعُهُمْ عَلى اخْتِلافِ أَزْمِنَتِهِمْ ، غايَةً لَيْسَ لَها مَثيلٌ في تاريخِ لُغاتِ الْبَشَرِ إِلى يَوْمِنا هذا .
وَالْأَصْلُ الَّذي بَنَوْا عَلَيْهِ هُوَ الشِّعْرُ ، وَلَوْلاهُ لَما اسْتَطاعوا أَنْ يَفْعَلوا ما فَعَلوا ، وَلَما كانَ النَّحْوُ الَّذي نَعْرِفُه الْيَوْمَ ، وَلَضاعَتِ اللُّغَةُ ، وَلَذَهَبَ كُلُّ عِلْمٍ بِلُغاتِ الْعَرَبِ وَغَريبِ كَلامِها في أَساليبِها وَفي تَصاريفِ أَلْفاظِها . وَأَيْسَرُ مُراجَعَةٍ لِكِتابِ سيبَوَيْهِ الَّذي عَقَدَ لَه الْخَليلُ بْنُ أَحْمَدَ عَقْدَه الَّذي لا يَخْتَلُّ ، دالَّةٌ عَلى أَنَّ الشِّعْرَ كانَ هُوَ مَصْدَرَ هذا الْعِلْمِ كُلِّه " .
عن شاكر في " قضية الشعر الجاهلي "
2
خِدْمَةُ الْعُلَماءِ لِلْفَنّانينَ
" رُوِيَ عَنِ الْأَصْمَعيِّ أَنَّه قالَ :
كُنْتُ أَشْدو مِنْ أَبي عَمْرو بْنِ الْعَلاءِ وَخَلَفٍ الْأَحْمَرِ ، وَكانا يَأْتِيانِ بَشّارًا ، فَيُسَلِّمانِ عَلَيْهِ بِغايَةِ الْإِعْظامِ ، ثُمَّ يَقولانِ :
يا أَبا مُعاذٍ ، ما أَحْدَثْتَ ؟
فَيُخْبِرُهُما ، وَيُنْشِدُهُما ، وَيَسْأَلانِه ، وَيَكْتُبانِ عَنْهُ مُتَواضِعَيْنِ لَه ، حَتّى يَأْتِيَ وَقْتُ الزَّوالِ ، ثُمَّ يَنْصَرِفانِ . وَأَتياهُ مَرَّةً ، فَقالا :
ما هذِه الْقَصيدَةُ الَّتي أَحْدَثْتَها في سَلْمِ بْنِ قُتَيْبَةَ ؟
قالَ : هِيَ الَّتي بَلَغَتْكُمْ .
قالوا : بَلَغَنا أَنَّكَ أَكْثَرْتَ فيها مِنَ الْغَريبِ !
قالَ : نَعَمْ ؛ بَلَغَني أَنَّ سَلْمَ بْنَ قُتَيْبَةَ يَتَباصَرُ بِالْغَريبِ ؛ فَأَحْبَبْتُ أَنْ أورِدَ عَلَيْهِ ما لا يَعْرِفُ !
قالوا : فَأَنْشِدْناها ، يا أَبا مُعاذٍ .
فَأَنْشَدَهُما :
بَكِّرا صاحِبَيَّ قَبْلَ الْهَجيرِ إِنَّ ذاكَ النَّجاحَ في التَّبْكيرِ
حَتّى فَرَغَ مِنْها .
فَقالَ خَلَفٌ : لَوْ قُلْتَ - يا أَبا مُعاذٍ - مَكانَ " إِنَّ ذاكَ النَّجاحَ في التَّبْكيرِ " : " بَكِّرا فَالنَّجاحُ في التَّبْكيرِ " ، كانَ أَحْسَنَ .
فَقالَ بَشّارٌ : إِنَّما بَنَيْتُها أَعْرابيَّةً وَحْشيَّةً ، فَقُلْتُ : " إِنَّ ذاكَ النَّجاحَ في التَّبْكيرِ " ، كَما يَقولُ الْأَعْرابُ الْبَدَويّونَ ، وَلَوْ قُلْتُ : " بَكِّرا فَالنَّجاحُ ... " ، كانَ هذا مِنْ كَلامِ الْمُوَلَّدينَ ، وَلا يُشْبِهُ ذاكَ الْكَلامَ ، وَلا يَدْخُلُ في مَعْنى الْقَصيدَةِ .
قالَ : فَقامَ خَلَفٌ فَقَبَّلَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ " .
عن الجرجاني في " دلائل الإعجاز "
3
فَخْرُ الْفَنّانينَ عَلى الْعُلَماءِ !
" حَكى الصّاحِبُ بْنُ عَبّادٍ في صَدْرِ رِسالَةٍ صَنَعَها عَلى أَبي الطَّيِّبِ ، قالَ :
حَدَّثني مُحَمَّدُ بْنُ يوسُفَ الْحَمّاديُّ ، قالَ :
حَضَرْتُ بِمَجْلِسِ عُبَيْدِ اللّهِ بْنِ عَبْدِ اللّهِ بْنِ طاهِرٍ ، وَقَدْ حَضَرَه الْبُحْتُريُّ ، فَقالَ :
يا أَبا عُبادَةَ ، أَمُسْلِمٌ أَشْعَرُ أَمْ أَبو نُواسٍ ؟
فَقالَ : بَلْ أَبو نُواسٍ ، لِأَنَّه يَتَصَرَّفُ في كُلِّ طَريقٍ ، وَيَبْرَعُ في كُلِّ مَذْهَبٍ : إِنْ شاءَ جَدَّ ، وَإِنْ شاءَ هَزَلَ ، وَمُسْلِمٌ يَلْزَمُ طَريقًا واحِدًا لا يَتَعَدّاهُ ، وَيَتَحَقَّقُ بِمَذْهَبٍ لا يَتَخَطّاهُ .
فَقالَ لَه عُبَيْدُ اللّهِ : إِنَّ أَحْمَدَ بْنَ يَحْيى ثَعْلَبًا لا يُوافِقُكَ عَلى هذا .
فَقالَ : أَيُّها الْأَميرُ ، لَيْسَ هذا مِنْ عِلْمِ ثَعْلَبٍ وَأَضْرابِه مِمَّنْ يَحْفَظُ الشِّعْرَ وَلا يَقولُه ؛ فَإِنَّما يَعْرِفُ الشِّعْرَ مَنْ دُفِعَ إِلى مَضايِقِه .
فَقالَ : وَرِيَتْ بِكَ زِنادي ، يا أَبا عُبادَةَ ! إِنَّ حُكْمَكَ في عَمَّيْكَ أَبي نُواسٍ وَمُسْلِمٍ ، وافَقَ حُكْمَ أَبي نُواسٍ في عَمَّيْهِ جَريرٍ وَالْفَرَزْدَقِ ؛ فَإِنَّه سُئِلَ عَنْهُما ، فَفَضَّلَ جَريرًا ، فَقيلَ لَه : إِنَّ أَبا عُبَيْدَةَ لا يُوافِقُكَ عَلى هذا ، فَقالَ : لَيْسَ هذا مِنْ عِلْمِ أَبي عُبَيْدَةَ ؛ فَإِنَّما يَعْرِفُه مَنْ دُفِعَ إِلى مَضايِقِ الشِّعْرِ " .
عن ابن رشيق في " العمدة "
4
حَظْوَةُ الْعُلَماءِ الْفَنّانينَ عِنْدَ النّاسِ
" قالَ ابْنُ عَتّابٍ :
يَكونُ الرَّجُلُ نَحْويًّا عَروضيًّا ، وَقَسّامًا فَرَضيًّا ، وَحَسَنَ الْكِتابِ جَيِّدَ الْحِسابِ حافِظًا لِلْقُرْآنِ راوِيَةً لِلشِّعْرِ ، وَهُوَ يَرْضى أَنْ يُعَلِّمَ أَوْلادَنا بِسِتّينَ دِرْهَمًا !
وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا كانَ حَسَنَ الْبَيانِ حَسَنَ التَّخْريجِ لِلْمَعاني لَيْسَ عِنْدَه غَيْرُ ذلِكَ ، لَمْ يَرْضَ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ ، لِأَنَّ النَّحْويَّ الَّذي لَيْسَ عِنْدَه إِمْتاعٌ ، كَالنَّجّارِ الَّذي يُدْعى لِيُعَلِّقَ بابًا ، ثَمُّ يَفْرُغُ مِنْ تَعْليقِه ذلِكَ الْبابَ ؛ فَيُقالُ لَه : انْصَرِفْ !
وَصاحِبُ الْإِمْتاعِ يُرادُ في الْحلالاتِ كُلِّها " !
عن الجاحظ في " البيان والتبيين "