المصدر المؤول
بحث في التركيب والدلالة (1)
د. طه محمد الجندي
حمدًا لله كما يَليق بكمالِه، وصلاةً وسلامًا على محمَّد وآله.
وبعدُ:
فرأيي أنَّ أيَّة دراسة جادَّة ينبغي أن تعتمدَ في تفسيرها للمتغيرات اللغوية على ظواهرَ لغويَّة محضة؛ ولذا يجب على الباحِث أن ينطلقَ مِن المعطيات اللُّغوية التي تُقدِّمها له مفردات اللغة؛ لاقتناعه بأنَّ لكلِّ عنصرٍ لُغويٍّ معنًى دَلاليًّا خاصًّا به، وعليه أن يُجهدَ نفسَه لإبراز هذا المعنى، وربْطه بشكله التعبيري الخاصِّ به.وإذا لاحَظ الباحثُ أنَّ اللغة قد اصطنعتْ - للتعبير عن الباب الواحِد - صِيغًا متعدِّدة، فإنَّ عليه أن يَقتنع بأنَّ لكلِّ صيغة من تلك الصِّيغ معنًى يُراد منها، وهدفًا دَلاليًّا مقصودًا فيها، وسرًّا وراءها، ومطلبًا تسعَى إليه، هذا المعنى وذاك السرُّ مرتبطٌ بشكلِ الصيغة نفسها دون سواها، مع الإقرار سلفًا بوجودِ نوع مِن القربى بيْن الصِّيَغ المشترَكة في أداء المعنى الواحد.إنَّ الإقرارَ بوجود هذه القُربى بيْن الصيغ المشتركة لاحظَه النحاةُ العرب القُدامى، وهو الاتجاه نفسُه الذي تُنادِي به النظرية التوليديَّة والتحويليَّة Transformational Generative Theory مِن أنَّ الإحساسَ بوجود صِلة بين هذه الجملة وتلك هو حدسٌ يجب تقعيدُه، وقد قادَهم ذلك - كما نعلم - إلى الحاجةِ إلى مفهومِ التحويل الذي يقرُّ بإمكان تحويل جملة - أو أكثر - مِن جملةٍ أخرى، وهو ما يُسمِّيه النحاةُ العرب بالعدولِ عن الأصل، وهذا المصطلح بخاصَّة كانتْ له مكانةٌ ملحوظة عندَهم، وهو بلا شكٍّ يتوافق مع القواعد التحويليَّة في النظرية التوليديَّة والتحويليَّة؛ إذ تنظر تلك النظرية إلى اللُّغة على أنَّها مكوَّنة مِن نوعين مِن الجُمل:
النوع الأول:
ما يُسمَّى بالجملة النَّواة، وهذه تَعمل على إيجادِها مجموعةٌ مِن القواعد التوليديَّة.
النوع الثاني:
الجُمل المحوَّلة التي تَعمل على إيجادِها قواعدُ المكوِّن التحويلي التي تعمَل على شكلِ الجُملة النواة؛ إمَّا بالزيادة عليها، أو بحذْفِ بعضِ عناصرها، أو بتغيير ترتيبها، ولا يتمُّ ذلك كلُّه إلا لهدفٍ دلاليٍّ يكون مِن وراء هذا التحويل.وفي هذا الصَّدَد لا يَنبغي أن نتناسى ما أقرَّه نحويُّونا القُدامى مِن أنَّ خروج التركيب عن معهودِ لفظه مصاحبٌ لخروج المعنى عن معهودِ حاله، ومِن هذا المنطَلق شرعتُ أعمل في هذا البحث: "المصدر المؤول: بحث في الوصف التركيبي والأسرار الدَّلالية"
.ويأخذ عملي في هذا البحث منحيين:
الأول:
عرْض للحروف المصدريَّة، ووصْف تراكيبها؛ وذلك لاقتناعي المطلَق بأنَّ أكبر خِدمة يؤديها الدارسون للغة هي أن يُحلِّلوها إلى أقسامها؛ حتى تتَّضحَ مكوناتُها، فيَسهُل فَهمُها واستعمالُها.
الثاني:
كيفيةُ التحويل إلى المصادِر المؤوَّلة، وبيان العِلَّة أو الغاية مِن وراء التعبير بهذا النوعِ مِن المصادر، دون المصادِر الصريحة التي تتَّصف ببساطتِها لدَلالتها على جانب الحدَث وحْدَه، وفي هذا الصَّدد حاولتُ إبرازَ الجوانب الدلاليَّة، دون الاقتصار على وصفِ تراكيبها وصفًا آليًّا جامدًا، بل حاولتُ - إلى جانبِ وصْف الظاهِر - سَبْرَ الباطِن؛ لكشْفِ العَلاقة بيْن التراكيب في ظاهرِها، والجوانب الدلاليَّة القابِعة مِن وراء هذا الظاهِر؛ لاقتناعي التامِّ بأنَّ عزْل المعنى عنِ النحو إساءةٌ له بالِغة؛ إذ يُصبح في تلك الحالة جسمًا بلا رُوح.وقدِ اهتديتُ في بحثي هذا برافدين:أحدهما قديم، وهو منهجُ الإمام عبدالقاهر في نظريته للنَّظْم التي أفاضَ فيها في ربطِ المعاني النحْويَّة بمدلولات التراكيب اللُّغوية، والفروق بينهما "ذلك أنَّنا لا نعلم شيئًا يَبتغيه الناظمُ بنظْمه، غير أنْ ينظرَ في وجوه كلِّ باب وفُروقه"
[1].
والرافد الثاني: رافدٌ حديث تمثَّل فيما أفدتُه مِن قراءات لي متواضعة فيما كُتِب عن النظريةِ التوليديَّة والتحويليَّة التي جَعلتْ مِن صميم أهدافها "القُدْرة على تقديمِ التفسير الكافي لكلِّ البِنى التركيبيَّة المنتجة فعلاً، وَفقًا للنِّظامِ القواعديِّ للُّغة"
[2].كما قرَّرت أنَّ مِن أخصِّ وظائف الدِّراسة اللِّسانيَّة، رصْد التلازُم القائم بين المبنَى والمعنى، وفي هذا الصَّدد ميَّزتْ هذه النظرية بيْن مستويين لوصفِ البِنَى التركيبيَّة لأيَّة لُغة طبيعيَّة: "أحدهما مستوى البِنية السطحيَّة الظاهِرة التي تتمثَّل في التتابُع الكلامي الملفوظ أثناءَ الأداء الفِعلي المُنجز، والآخَر: مستوى البِنية العميقة، وهي البِنية الذِّهنيَّة المجرَّدة التي أوجَدتْ ذلك التتابعَ الكلاميَّ الملحوظَ في البنية السطحيَّة"
[3]، وقد حاولتُ في هذا البحث المزجَ بين مُعطيات تلك النظريَّة، وعطاء عُلمائِنا القُدامى، فما زلتُ أرى أنَّ أيَّ عمل جادٍّ لا يَستقيم له أمرٌ، إلاَّ إذا انبَنى على هذين الرافدين.الوصف التركيبي للمصادر المؤوَّلة في العربية:
وعرْضُنا للوصف التركيبي لهذا النَّوعِ مِن المصادر، متَّسقٌ مع ما نراه مِن أنَّ وظيفة الدِّراسةِ اللُّغويَّة هي رصْد السِّمات المميِّزة لكلِّ عنصر لُغوي على حِدَة، وتحديد أنماط ورودِه في بيئته اللُّغوية، ولا شكَّ أنَّ نظرةً عَجْلَى لهذا النوع من المصادر تُرينا أنَّها مركَّبة من عنصرين رئيسيين:
الأول:
العنصر المصدري: والعناصر المصدريَّة كما وردتْ في مطوَّلات كتُب النحو هي: (أن) المصدريَّة و(أنّ) المشدَّدة، و(ما)، و(لو)، و(كي)، واللام.
الثاني: مدخول هذا العنصر المصدري:
وطبقًا للعنصر الثاني يُمكننا تفريعُ الحروف المصدريَّة إلى صِنفين:
أ- وهو الغالِبُ في معظمِ هذه الحروفِ مُحدَّد بكونِ مدخولها المعجمي فِعلاً.ب- وتختصُّ بكون مدخولها المعجمي اسمًا، وهذا النوع خاصٌّ بالعنصر المصدري (أن) المفتوحة الهمزة؛ ثقيلةً كانت، أو خفيفةً، و(ما) في بعضِ استعمالاتها القليلة، كتلك التي أشار إليها ابنُ يَعيشَ في قوله: "يُعجبني ما أنت صانِع؛ أي: صنيعُك"
[4].وإذا ربطْنا تلك السِّمةَ المميزة لهذين العنصرين بعلامة (+) حيث تُشير علامة الإيجاب إلى قَبول العنصر لهذه السِّمة، وعلامة السَّلْب إلى عدَم قبولِه إيَّاها، نجدها كالتالي:= (أنّ) تتَّسم بسِمة (+ اسم).= (ما) تتَّسم بسِمة (+ اسم)، عِلمًا بأنَّ العنصر (أن) يتَّسم بسِمة خِلافيَّة له، هي سِمة (+ مؤثر)؛ إذ إنَّها تؤثِّر في الاسم بعدَها بتحويل حركته إلى العلامة الخاصَّة بالنَّصْبِ، بخلاف (ما) فليستْ له تلك السِّمة في الاسم.أمَّا باقي العناصر المصدريَّة المُتبقية، فكلُّها تتَّسم بسِمة (- اسم)، وهي سِمة تُثبِت نَقيضَها لهذه العناصر؛ إذ تتَّسم بسِمة (+ فعل)، ومِن ثَمَّ فإن (أنْ) المصدرية تتَّسم بسِمة (+ فعل)، ومثلها في ذلك (كي)، واللام، و(لو)، وإذا حاولْنا تفريعَ تلك الحروف المصدرية طبقًا لهذه السِّمة، تبيَّن لنا أنَّ هذه الحروفَ لا تَرِد بالضرورة ظاهرةً قبل الفِعل متَّصلة به، فمنها ما يكون كذلك، ومنها ما يأتي مضمرًا، وهذا الأخير يُمكن تفريعُه مِن حيثُ حُكمُ الإضمار إلى تفريعين: ما يَجِب إضمارُه، وما يجوز إضمارُه
[5].وليس إظهارُ الحرف وإضمارُه هو السِّمة الخلافية الوحيدة التي تَختلف تبعًا لها هذه الحروفُ المصدريَّة، وإنَّما هناك سِمة خلافيَّة أُخرى ترجِع أساسًا إلى تأثير هذه الحروف في الأفْعال التي تتَّصل بها تأثيرًا يترتَّب عليه تحوُّلٌ في العلامات الإعرابيَّة في أواخِر الأفعال، بوصْفها علامة وظيفة منسوبة إلى عُنصر لُغوي ما، ومِن هذه الناحية يُمكِننا تفريعُ تلك الحروف إلى حروفٍ مؤثِّرة في الفِعل بعدَها، وإلى أُخرى غير مؤثِّر فيه.وبربْط هذه السِّمات المميِّزة للعناصِر المصدريَّة المتَّصلة بالفِعل بعلامة (+) نجِدها تتجمَّع في الآتي:= (أنْ) سَمْتها (+ ظاهر)، (+ مؤثِّر) وقد ترِد دون أن تنصبَ الفعل "إمَّا للحمْل على (أنْ) المخفَّفة، أو على (ما) المصدرية"
[6].= (كي) سمتها (+ ظاهر)، (+ مؤثر).= اللام سَمتها (+ ظاهِر)، (+ مؤثِّر) عندَ مَن يرى أنَّ الفِعل منصوب بـ(أنْ) مضمرة.= (لو) سَمتها (+ ظاهِر)، (- مؤثِّر).= (ما) سَمتها (+ ظاهر)، (- مؤثِّر).كان هذا عَرضًا مجملاً لتلك العناصِر المصدريَّة، وأبدأ بعَرْضها مفصَّلة مُؤثِرًا في ترتيبها المنهجَ الأبجدي، بدلاً مِن ترتيبها حسبَ شيوعها في اللُّغة؛ إذ يحتِّم هذا المنهجُ قيامَ الباحِث باستقراء تامٍّ لظواهرِ المادَّة اللُّغويَّة موضوعِ الإحصاء، وقدْ مَنعني مساحة البَحْث ومحدوديته مِن ذلك والخوف مِن انصراف الوقْت والجهد في الإحْصاء عن الغايةِ التي هدفْتُ إليها مِن البحث، كما لَم أُرِدْ أن أُرتِّبها حسبَ اتِّفاق النُّحاة أو اختلافهم حولَ كونِها حروفًا مصدريَّة؛ لأنِّي رأيتُ أن أَنُصَّ على ذلك عندَ الحديثِ على كلِّ عنصر على حِدَة: