mic لمتابعة إذاعة مجمع اللغة العربية اضغط هنا

id card مجمع اللغة العربية بمكة يطلق عضوياته الجديدة
لطلب العضوية:
اضغط هنا

youtube لمتابعة قناة المجمع على اليوتيوب اضغط هنا

 


الانتقال للخلف   منتدى مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية > القسم العام > مقالات مختارة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
رقم المشاركة : ( 1 )
 
العقاد
عضو جديد

العقاد غير موجود حالياً

       
رقم العضوية : 442
تاريخ التسجيل : Mar 2013
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 16
عدد النقاط : 10
قوة التقييم :
جهات الاتصال :
افتراضي النجاح "عباس العقاد (2)

كُتب : [ 04-18-2013 - 09:09 PM ]


وكما استثنى نورد النساء من مدرسته كذلك استثنى منها أشباههن من الرجال أصحاب القامة المديدة، والسبال المفتولة، والطلعة الوسيمة، والهياكل الجسيمة، وهم شبيهون بالنساء في أن نجاحهم عند غير جنسهم. فكما أن المرأة لا تعول على رأي النساء فيها كذلك لا حاجة لخلب النساء إلى التفاهم مع أبناء جنسه أو التعويل على رأيهم فيه. نجاح تلك الوسائل إنما هو عليها. وإلى تمحل أسباب النجاح وابتغاء الوسائل
وكذلك استثنى من مدرسته رجال العبقرية لأنهم شواذ الناس وإنما تشاد المعاهد للأوساط والأنداد. وإن رجلاً - كما يقول - مثل بيتهوفن كان يبلغ ما بلغه في فن الألحان حضر مدرسة الموسيقى أو لم يحضر. فأما الذين حرموا من المزايا ولم يحرموا نفساً تواقة إلى الامتياز على الناس بطنطنة الأبهة وفخامة الألقاب فأولئك الذين أفتح لهم أبواب مدرستي وأوصى رئيسها أن يقول لمن يضع ابنه في كفالته: تعال يا صاح! ألا تفصح لي عن باطن نيتك وما أنت مختارة لولدك؟ - فإن كان قصدك أن يقضي ولدك حياته في عالم وهمي، يلبس فيه أكاليل الفلج ذوو الكفاءة وأولو المقدرة، ويبحث فيه الناس عن الفضيلة العاكفة في خدرها فيجزونها، وعن البلادة والغرور والخسة فلا يجدونها، وينقبون فلا يرون فيه محلاً لغير الخير والجمال، ولا موضعاً لسوى الحق والكمال - أو كنت تختار لولدك أن يتمسك باحترام نفسه ويؤثره على إطراء الناس له. يصغي إلى ما يمليه عليه ضميره ويعرض عما يتمدح به الكافة من السوقة والغوغاء، ويغتبط بقضاء واجبه ومحاسبة ذمته أكثر من اغتباطه برضى الناس عنه، فاعلم أن لا محل له في مدرستي، وأولى لك أن تأخذ بيده إلى المدارس العتيقة فيرتل هناك ما يشاء من قصائد الشعراء الأقدمين والمحدثين، ويتلهى بما يشاء من العلوم والمعارف، ويسلم بما يفرغه في أذنيه معلموه وأساتذته، وأما أن تختار لولدك أن يكون رجلاً من أولئك الرجال الذين يحييهم الناس في الطرقات، الذين يسافرون في المركبات المحجوزة، وينزلون في أفخر النزلات، ويصيبون من العقدة والجاه ما يسول لهم استحقار العظمة المغمورة، والزراية على الفضيلة المجهولة، فهاته إلى فأنا الزعيم له بذلك - فأما أنه يذكر بين سير فلو طرخس فذلك مالا أضمنه لك، ولكني أضمن لك أن يدون اسمه يوماً ما بين أعظم الأسماء في سجل الحكومة.
ثم قال أنه سيرتب مدرسته درجات حسب درجات حسب درجات المدارس المعهودة لأن أكثر الناس لا يتطلعون من التعليم المدرسي إلى الانتظام في سلك الجامعات، أو يطمعون في درجة الأستاذية. وطلاب النجاح منهم من يقنع بما دون الوزارة في السياسة، ودون الملايين في الغنى والثروة، فلا حاجة لهؤلاء بما هو أعلى من المبادئ الأولية في علم النجاح. فلهذا أعددت في المدرسة قسماً عاماً لمن لا يبتغون أكثر من النجاح في الحرف الصغيرة والمكاسب الوضيعة ونصيحتي إلى هؤلاء الصدق والأمانة - قال وقد يظهر أن في هذه النصيحة شيئاً من خبث ماكيافللي ولكن الواقع والمشاهد أن الصدق نافع لطلاب القسم الأول من علم النجاح - لأن الناس كلهم على بصيرة بتمييز الجيد والرديء من صنعتهم - إذا أتقن الإسكاف صنع حذائه وباع البدال السكر نقياً ولم يبعه على الناس رملاً. فكلاهما على ثقة من نفاق بضاعته، والبركة في رزقه، وإن أجهل الناس يشعر بضيق الرداء أو سعته ويتعذر عليه أن يلحظ عيب السرير إذا كان معيباً، فاعلم أنه لا ينفع هؤلاء الصناع إلا تجويد الصنعة، والصدق في المعاملة.
فأما الطامحون إلى عظيم المراتب، المغامرون في جليل المطالب، الراغبون فيما هو أسمى وأسمق من معقول الناس فنصيحته إليهم أن يتجنبوا الحياء ما استطاعوا. فقد يكون الرجل على قدم راسخة في العلم. وعلى قسط وافر من التفوق في الفكر، مليئاً بإنجاز العظائم، مضطلعاً بكبريات العزائم فإذا كان مع هذا حيياً وقوراً فأنذره بسوء العقبى وأيئسه من الإقرار بفضله والاعتراف بحسناته، إلى أن قال: ولا يغرنك قول من قال: لا تتكلم عن نفسك فهذا هذر وهذيان. ولكن ليكن كلامك كله عن نفسك أولاً لأن الكلام عنها يطربك، وثانياً لأنك تصرف المجلس عن التحدث بغيرك - وقد يكون من أندادك - ما دام المجلس يصغي إليك. وثالثاً لأن إثارة من كلامك ستبقى في ذاكرة أشد مبغضيك. وليكن لك من الحزم ما يفهمك بالبداهة أن لا تذكر نفسك إلا بخير. ولا تقف في هذا عند حد بل عظم نفسك وترنم بالثناء عليها وسرد مناقبها ومآثرها واستعمل لذلك جهدك في الفصاحة والخلابة، وأضف إلى نفسك أفخم الصفات وأربع أعمالك إلى السماء السابعة وقل إنها أحسن مستخرجات العصر وأعجب محدثاته. وأكد لسامعيك أن العالم بأسره يعجب بها ولا تنس إذا لزم الأمر أن تنقل بعض أقوال المعجبين بك والمقرظين لك، فإذا لم يكن قد تناهي إليك منها ما تنقله فاختلقها للتو والساعة. وسترى أن نجاح نصيب إذا انتصحت بنصيحتي نعم إن من العقلاء من يسخر منك أو يستوقحك ولكن أين هم العقلاء؟؟ إن هم إلا فئة صغيرة وليست هذه الفئة هي التي تقتسم بين الناس جوائز الحياة. . فإذا دعيت يوماً إلى وليمة قالت ربة الدار هذا رجل صاحب دعاوى عريضة لا يقنع بالقليل من الحفاوة ولا يرضى إلا بأن أجلسه إلى يميني وأخصه بالمحل الأول على المائدة وإلا فقد يسوئه أن يتقدم عليه سواه ويبرح الدار محنقاً وقد يكون بين المدعوين رجل من أولى الكفاءة الصحيحة فلا تزيد ربة الدار على أن تقول له لا أخالك تمانع في إيثاره بذلك المكان؟ إنك ولا شك أرفع من هذه السفاسف ثم ينتهي الأمر بأن تحفظ لنفسك المكان الأول في كل وليمة، ويألف الناس تقديمك والترحيب بك حتى لا يخالج صدورهم تردد في ذلك قال ولا تنبذ الحياء كل النبذ ولكن أدخره لتعود إليه متى وجدت من المادحين ما يغنيك عن مدح نفسك.
وانتقل نوردو من ذلك إلى معاملة الأنداد والقرناء فقال: إياك والإصاخة إلي نصح الناصحين لك بتجميل رأي أمثالك فيك، فإنها خرافة فاشية بين الأغمار وما أمثالك إلا مزاحموك - كلهم من أربة النجاح الذي هو من أربك، فكلما اتسع حيزك ضاق حيزهم، وانتقص قدرك من أقدارهم فلا تنتظر منهم إنصافاً ولا ترج من لدنهم إخلاصاً وإنهم ليجسمون أغلاطك ولا يأتلون سعياً في طمس مزاياك فاقصر همك على فريقين الفريق إلا على الذين بيدهم رفعتك ونباهتك والفريق الأدنى الذين هم تحتك من الدهماء والعامة واحرص على أن تبدوا للأولين صغيراً جداً وللآخرين كبير جداً كأن الفريقين ينظران إليك من طرفي مجهر. وليس هذا بالعلم السهل ولكنك حرى أن تتمكن منه بالمزاولة والتجربة.
قال: فإذا بلغت المدى وخلفت أندادك وراءك وتبوأت المكانة التي يرجى خيرها ويخشى شرها هنالك تشعر بالسرور الذي يداخلك من سرعة انتقال المذمة الشائعة إلى محمدة رائعة، والجفوة إلى المحبة، والأغضاء إلى الإعجاب والثناء ثم قال وإنك أشد ما تكون فقراً أحوج ما تكون إلى تجميل بزتك والظهور بمظهر أصحاب الضياع والكور. وربما أعوزك ذلك إلى المال وقد لا يتيسر لديك الكفاية منه. فماذا أنت صانع؟؟ إذن فافترض يا بني. اقترض ولا يكرثك أمر الوفاء - إنك إن عشت عيشة الأوفياء فسكنت السطوح وأكلت الخبز القفار لا تأمن بعد قليل أن تنبحك الكلاب وتتجه إليك شبه الشحنة ويوصد الكبراء أبوابهم دونك ولا يعبأ بك حتى البدال الذي تشتري منه ميرتك الساعة التي تسدد فيها دينه عليك. أما إذا أفرطت في الاقتراض وأسرفت في الاستعارة فإنك تعيش عيش المترفين ويكلأوك الدائنون كما يكلأ والد ولده. رغبة في بقائك وإشفاقاً على أموالهم المرهونة بحياتك، ثم يتمنون لك الغنى ويسعون لك في اليسار.
وكان ختام المقالة هذه النصيحة الجامعة: لا تحتفل غاية الاحتفال بعمل ولا تبهظ نفسك في تجويده معتمداً على أن عملك يعلن عن نفسه فإن صوت الأعمال خافت يغطي عليه صلق الأوساط الحاسدين. ولغة الأعمال غريبة لا يسمعها الزعانف ولا يفقهون معانيها، وقل أن يعرفك أو يقدر عملك إلا النخبة المعدودون، والخاصة المنصفون. على أنهم مع عرفانهم قدرك وتقديرهم عملك لا يخفون إلى مسعدتك من قبل أنفسهم ما لم تعترض أعينهم غصباً. فما بالك يا بني تبدد عمرك في الأمانة والاجتهاد إنما عليك أن تدرس أطوار الجمهور وتتعرف مواطن غفلته فتستخدمها فيما يفيدك واعلم أن الناس لا طاقة لهم بالتمييز والحكم فاحكم لهم أنت، وليس لهم فكر ممحص أو نظر بعيد فإياك وما يكدر أذهانهم، ويعضل على أدمغتهم، وأن الناس بلداء الإحساس، ثقال السمع فليكن ظهورك بينهم بجلبة يسمعها الأصم ويبصرها الأعمى، وإن الناس لا يفهمون التورية والمزاح، ولا يتأولون الحروف والألفاظ فكن لهم واضحاً في مخاطبتك، سهلاً في عبارتك، وعدد لهم بلهجة ظاهرة يفهمونها ولا يرتابون فيها، كل ما هو بشين في أعدائك وكل ما هو حسن فيك، وأن الناس ضعاف الذاكرة فاهتبل هذه الغرة فيهم ولا تحجم عن طريق تؤديك إلى غرضك فإنك متى أدركته لم يذكر أحد كيف وصلت إليه فبهذه المبادئ الأساسية تصبح غنياً وعظيماً وتستتب لك الأمور في هذه الدنيا. بتلخيص وتصرف.
عباس محمود العقاد


رد مع اقتباس
إضافة رد


ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على الموضوعات
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

الموضوعات المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى الردود آخر مشاركة
"عباس العقاد".. فيلسوف وشاعر وسياسي ومؤرخ وصحفي مُحِبّ الضاد أخبار ومناسبات لغوية 0 03-14-2015 07:06 AM
خواطر وصور " للأستاذ عباس محمود العقاد العقاد مقالات مختارة 1 07-02-2013 11:47 AM
"النجاح "عباس محمود العقاد(1) العقاد مقالات مختارة 0 04-14-2013 02:10 PM
"الكتب " عباس محمود العقاد العقاد مقالات مختارة 0 03-18-2013 11:51 PM


الساعة الآن 09:02 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc. Trans by