إسطنبول.. قِبلة لطلّاب الخط العربي
أ. ياسر عاشور
لا تكاد تخلو زاوية في مدينة إسطنبول التركية من نقوش كُتبت بأحرف الخط العربي، يلاحظ ذلك كل مَن يزورها ويصلّي في مساجدها أو يجول في متاحفها المتعددة.
إسطنبول التي تعتبر حاضنة الخط العربي في العالم تحتوي على 25 مركزًا لتعلّم الخط العربي وفنونه مجانًا برعاية بلدية المدينة، إضافة للعديد من الأوقاف والمدارس الخاصة التي تعلن عن دوراتها بأسعار رمزية على مدار العام.
يقصد محبّو الخط العربي وهواته إسطنبول من دول العالم العربي والإسلامي، باحثين عن مدرس للخط يتبعون خط يده لتعلم جمال رسمه، الأساتذةُ المنتشرون في المدينة يحمل بعضهم سندًا في الخط، وهم بدورهم يجيزون طلابهم إجازة في تعليم الخط العربي، التي قد تحتاج من سبعة إلى عشرة أعوام، وعندما تلتقي بأحد هؤلاء المدرسين أو الطلاب سرعان ما يخبرك المقولة الشهيرة: "نزل القرآن الكريم في مكة، وقُرئ في مصر، وكُتب في إسطنبول".
خطّ لكل محبيه
ما يميّز الخط العربي أنّ كل من يعمل فيه يكون طالبًا له حتى وإن كان يُدرّسه للطلّاب، هذا ما قاله مُدرس الخط العربي حاتم عرفة، الذي يُدرّس الخط الديواني للطلاب المبتدئين ويَدرسه على يد أستاذه أفضل الدين كليدش، تلميذ حسن شلبي شيخ الخطاطين الأتراك.
عرفة الذي بدأ دراسة الخط قبل سنوات في الإسكندرية، ثم انتقل للقاهرة لتحطّ رحاله في إسطنبول طالبًا لتعلم الخط، يقول: "الخط الجميل والمعرفة باللغة العربية ليسا شرطين لتعلّم الخط العربي، بإمكان أيّ شخص يستهويه جمال الخط أن يبدأ بتعلّمه، فمثلاً أستاذي هنا لا يتقن العربية مثلنا، لكن يأتيه التلاميذ من كلّ مكان لتعلّم رسم يده".
أما عن علاقة إسطنبول بالخط فيقول: "الاهتمام بالخط بدأ مع بداية العرب تدوين العِلم والقرآن والسنة في الجزيرة العربية، ثم انتقل مع انتقال الخلافات الإسلامية إلى أن انتهى به المطاف في الدولة العثمانية، وبقي على حاله حين انتهت"، مضيفًا أن الدولة التركية ما تزال تهتم بالخط حتى الآن، وتقيم له معارض سنوية ومسابقات دائمة، تحضرها شخصيات مهمة عدة في الدولة.
ما تزال الدولة التركية تُزيّن المساجد حديثة البناء بآيات قرآنية وأحاديث تُكتَب بخط عربي يُدهش من يراه.
الأدوات
تنتشر في أزقة المدينة القديمة العديد من المحال التجارية التي تهتم ببيع مستلزمات الخط العربي، يعمل الشاب التركي من أصول فلسطينية إسماعيل حقي في إحداها، ويتعلّم الخط منذ عام 2010، يأتيه الزبائن من دول متعددة طالبين أدوات الخط ومستلزماته، يقول: "تأتي غالبية الأدوات كالبوص والقصب والحبر من إيران، وبعضها تتمّ صناعته محليًّا في تركيا، أما الورق المُقهر الذي يصنّع يدويًّا وتكتب عليه آيات القرآن الكريم وتعلّق في البراويز، تتمّ صناعته في تركيا بطريقة ابتكرها العثمانيون لحماية الأوراق وحفظها من تغيّرات الجو، ولتستمر لفترة أطول".
يشير حقي إلى أنّ الطلب على هذه المستلزمات يزداد يومًا بعد يوم، ومع التطور التكنولوجي صاروا يبيعون الأدوات عبر متجر إلكتروني بمساعدة وسائل التواصل الاجتماعي لخطاطين من دول متعددة كالسعودية والإمارات وفلسطين.
طالبة لجمال الحرف
تحمل أسيل كوجان أقلامها ومحبرتها وأوراقها عابرة شوارع وأزقة المدينة، قاصدة تعلّم وإتقان الخط العربي على أيدي أساتذته، بدأت تعلّم أساسيات الخط على يد خطاط عراقي في شعبة الفنون بجامعة بغداد، حيث درست فيها اللغة العربية، ثم انتقلت للإقامة في إسطنبول.
أسيل التي وصفت إسطنبول بقبلة الخطاطين وموطنهم، تتحدّث عن علاقتها مع الخط قائلة: "هنا تجلى لي الفرق بين أن تكون هاويًا وأن تكون خطاطًا، الهاوي يتعلّم رسم أشكال الحروف ليخطها في أوقات فراغه، أما الخطاط فيدور في فلك الحروف وعشقها كدوران الصوفي حول نفسه، متحليًا ومتمسكًا بثلاثة أشياء: أولها الهمة عالية، وثانيها الصبر، وثالثها المَشق، وهو التدريب اليومي المستمر".
وكما يُقال: "الخط مخفيّ في تعليم الأستاذ، وقوامه ودوامه في كثرة المشق"، وقديمًا قالوا: "الفنون الجميلة عالم، الموسيقى لسانه، والتصوير جسمانه، والغناء وجدانه، والخط لسانه وجسمانه ووجدانه".
.