وإنّك لتعجب لهذه اللغة التي اختارها الله وعاءً لكتابه، وكيف توائم بين الألفاظ ودلالاتها في إحكام يشهد بأن الله أسبغ عليها ما يؤهلها لاستيعاب أسرار الإعجاز في القرآن المجيد. والدليل على ذلك أنها اختارت اللفظ الأقصر صوتًا، والأسرع نطقًا ليدل على سرعة تعاقب الأحداث، كما هو شأن الفاء، المكونة من حرف واحد، يمرّ بظاهر الشفة همسًا، وكأن ما عبّر عنه من الأحداث يمرّ بسرعة صوته. ثم اختارت اللفظ المطول نطقًا، بما ضمّه من حروف ثلاثة، وما صاحبه من تضعيف أثقل حركته على اللسان، ليدل على بطء حركة الأحداث، وتثاقل خطوات الزمن، إنها بحق لغة شاعرة، كما أسماها الأستاذ الكبير عباس محمود العقّاد. وهي حقيقة بأن تكون لغة الكتاب المعجز.
وإذا كان حرفا التعقيب والمهلة يمثلان حركة الزمن، ويجسدان خطواته في بطئها وإسراعها، فإن مقياس الزمن في لغتنا الشاعرة إحساس قبل أن يكون حركة عقارب، وخفقات شعور قبل أن يكون دقات ساعة، فكم يقصر زمن في عين هو طويل في عين سواها!! وكم يضمر الزمن في لحظات الأنس والسعادة، ويتمطّى في ساعات الألم والشدائد، ولحظات الترقّب والانتظار!!
أترى الأيام والليالي قد طالت وقصرت حقيقة على النحو الذي أتاح لشاعر أن يقول:
في ليل صُولٍ تناهى العرض والطول * * كأنما ليله بالحشر موصولُ
ولآخر أن يقول:
ويومٍ كأبهامِ القطاة محبَّبٌ * * إليّ صباه غالب لي باطلُه
أم أنه فيض إحساس عكسه كلٌّ منهما على وجه الزمن؟!
لقد كان العربي غاية في الصدق حين ينقل إلينا إحساسه بالزمن، فلا يطلق الليل والنهار، وإنما يقيدهما بما يلقي في نفسك أنه يعبّر عن إحساسه لا عن حقيقة الزمن، كما تراه في إضافة الليل إلى المكان في البيت الأول، وكأن لهذه المدينة ليل خاص ليس لسواها من المدائن. وفي البيت الثاني جاء "محبَّب إليّ" قيدًا لليوم؛ ليشعرك بأنّ حبَّه هو الذي أضمر الزمن، وقصر لحظاته.
وهكذا تجد امرأ القيس حين يستطيل الليل يضيفه إلى نفسه:
تطاولَ ليلُك بالإثمد * * ونام الخليُّ ولم ترقد
فأراك ليله طويلًا بطيء الخطا، يقبض على أنفاسه، وهو غير ليل الخالي المستغرق في نومه. فكانت إضافة الليل إلى المخاطب إشارة إلى أنه ينقل إليك إحساسه، ولا يعبر عن حقيقة عقارب الساعة.
إنّ هناك فرقًا بين التعبير عن حقيقة الزمن المتمثل في المعاني الوضعية للفاء وثمّ، وبين نقل الإحساس بالزمن حين يكتسي معه الحرفان رداء المجاز، فيضمر فيهما الزمن أو يتمدد.
ألا ترى كيف عبّر القرآن عن حقيقة الزمن في قصة أهل الكهف، فجاء حرف المهلة ليومئ إلى ثلاثمائة سنة أو تزيد في قوله: {فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عددًا (11) ثمّ بعثناهم لنعلم أيُّ الحزبين أحصى لما لبثوا أمدًا} [الكهف: 11،12] ثم ترى الزمن الطويل الذي جسّده حرف المهلة بحقيقة التراخي فيه ضمر وانكمش في تعبير أهل الكهف عن إحساسهم {قالوا لبثنا يومًا أوبعضَ يوم} [الكهف: 19] فصدقوا فيما نقلوه من إحساسهم بالزمن، وإن خالف ذلك حقيقته.
لقد كانت لفتة ذكية تلك التي أومأ بها صاحب الفرائد إلى اعتبارات تختلف معها نظرات المتكلمين إلى الزمن، حين قال في عبارة دقيقة كاشفة: "ثم إنه يُستقصر الزمان بين شيئين تارة لاعتبار مناسب، فيؤتى بالفاء، ويُستطال ذلك الزمان بعينه بين ذينك الشيئين أخرى، لاعتبار آخر، فيؤتى بثُمّ".
فالزمان الواحد يُرى طويلًا باعتبار، وقصيرًا باعتبار آخر، وما ذلك إلا بأنه فيض إحساس تجسّده الكلمات في بعد حسّي، وتعكسه على مرآة الزمن.
المرجع: (من أسرار حروف العطف في الذكر الحكيم "الفاء وثمّ") للدكتور محمد الأمين الخضري، الطبعة الثانية، مكتبة وهبة،، القاهرة،1427هـ، ص18- 20.