نجيب محفوظ مرة أخرى!
في الحقيقة يعد نجيب محفوظ أمير الرواية العربية ، فيما سلف من عمري كنت مصدودا عنه ؛ بعض هشاشة في فكري،لما تمرست بالكتابة وجدته يمتلك سردا رائعا، لم يكن فقيها في الدين، ولا هو حاول أن يكون ، كل ما امتلكه نفس تأبى الخنوع وتعشق الحرية، وجد ضالته في القلم، عايش قصة هذا الوطن، أحزانه قبل أفراحه، تيارات عدة تنازعت زمام المبادرة؛ فرعونية وقومية وإسلامية ، تخلص في دهاء من أسر الاستلاب الخارجي، كانت بداياته بها بعض الغبش، وقف مع الإنسان في تصوره وبحثه عن موضع قدم في عالم تغتال فيه القيم، وهل الحرية إلا أسماها؟
اقترب في بعض أعماله مما ليس هو أهل له، بل في أحيان كثيرة له زلات عقيدية ، الرجل كان صادقًا مع نفسه ،لم يتلون ،بل نقد مجتمعه بما تيسر له ، عالج كل القضايا بنفس ممتلئة وطنية ، قرب الفصحى لعوام الناس ، كتاباته تحمل زادا ثوريًا ؛ قلما ينتبه إليه المنظرون ! حتى وجدت أستاذي د.الطاهر مكي يقول لي : يا بني! الأدب كله أدب ،ليس فيه إسلامي أو غير إسلامي ؛ أتحفظ على رأيه،فلابد من الفنية والخلقية !
وما أروع كتاب د.محمد حماد : الجملة القرآنية في أدب نجيب محفوظ ، نحن بحاجة إلى العودة لقراءة أعماله ، هيا نقتني رواياته ولنتمتع بها !
أعلم أن البعض سيتهجم علي ؛ يقول ارتد عن بعض فكره، وما العيب ؟!
لقد جعلنا نفورنا منه بأحكام مسبقة، أن ادعاه قوم يدينون بالتغريب والتشظي المعرفي والسلوكي!
كيف لي أن أترك عالمًا رحبًا من بنية اللغة ودلالتها؟
لقد فعلت الرواية في اللغة ما يقارب ما قدمه الشعر العربي في عصوره الذهبية ؟
حين ننفتح على الآخر نجد العوالم رحبة !
التنظير في الأدب كثيرا ما يغبش الرؤية ، لابد أن ننصف الأدب الجيد من نفوسنا !
هل كان سيد قطب حين قدم نجيب محفوظ ساذجًا ؟
الرجل امتلك الموهبة باقتدار ،البعض يقول :"أولاد حارتنا " نعم هي أضعف أعماله ، وما يضره أن تحذف من مجمل أعماله؟
بها مزالق عقيدية،وتسطيح فكري، ربما نزق وتجرؤ، كان يجاري موجة الهذيان ، ثم الرجل لم يعد لمثلها ، وهل الإسلام ينهدم بألف منها ؟!
كنت أتمنى أن يشطبها من مؤلفاته ، ولكن هي شاهدة على مرحلة من فكره وربما تفيد في التأريخ لأدبنا العربي !
قدم نجيب محفوظ للغة العربية الزاد الوفير، والبناء اللغوي المتماسك والمتميز بلمحة محفوظية، إنه يمتلك هندسة الكلمة، كأنما هو مولع بالسرد والصياغة ، خرجت به العربية من ترهل المبنى وتميعه، التزم الفصحى حتى في حوار شخصياته ذوي الخلفيات الفكرية والاجتماعية المتباينة !
الرجل هو الأسلوب ، تلك مقالة تصدق كثيرًا عليه ، يبعد عن الإغراب مثلما هو ماهر في الدلالة والجملة لديه مبتكرة ، تستطيع أن تتعرف على جمله حتى ولو عرضت عليك ضمن العديد من النصوص لغيره !
الطبقة الوسطى حاضرة بقوة في سرده البنيوي !
ومن الكتابات النقدية الطيبة ما قدمه د.محمود الربيعي : قراءة الرواية ، وكذلك ما فعله د.عبد المحسن طه بدر : الرؤية والأداة " نجيب محفوظ" ، تطور الرواية العربية الحديثة.
كل تناول الرجل وفق منطلقه الفكري!
تستطيع أن تعده إسلاميًّا ثوريًّا، أو يساريًّا فوضويًّا ، لكنك لن تتجاهله أديبًا ملتزمًا بقضايا أمته !
ربما مَنْ يتعجل بلوم الكاتب لم تتح له فرصة قراءة بعض أعماله، لم يضر نجيب محفوظ إلا من المعالجة السينمائية ، السينما بما لها من مؤثرات صوتية وحركية ركزت على لغة الجسد ، ولم تنتبه لما بين السطور ، حتى ظن البعض بالرجل السوء !
هل تستطيع أن تتجاهل نجيب محفوظ وأنت تكتب عن الطبقة الوسطى ؟
أم هل تراك لا تشعر بأنفاس عاشور الناجي والحرافيش وأنت ترصد التجبر في عالمنا المنكود ؟
ستظل أعماله :
مصر القديمة(1932)
همس الجنون(1938)
عبث الأقدار
رادوبيس (1943)
كفاح طيبة (1944)
القاهرة الجديدة (1945)
خان الخليلي (1946
زقاق المدق (1947)
السراب (1948)
بداية ونهاية (1949)
ثلاثية القاهرة:
بين القصرين (1956)
قصر الشوق (1957)
السكرية (1957)
اللص والكلاب (1961)
السمان والخريف (1962)
الطريق (1964)
الشحاذ (1965)
ثرثرة فوق النيل (1966)
ميرامار (1967)
أولاد حارتنا(1968)
المرايا (1972)
الحب تحت المطر (1973)
الكرنك (1974)
حكايات حارتنا (1975)
قلب الليل (1975)
حضرة المحترم (1975)
ملحمة الحرافيش (1977)
عصر الحب (1980)
أفراح القبة (1981)
وكالة البلح عام 1982.
ليالي ألف ليلة (1982)
الباقي من الزمن ساعة (1982)
أمام العرش (1983)
رحلة ابن فطومة (1983)
العائش في الحقيقة (1985)
يوم مقتل الزعيم (1985)
حديث الصباح والمساء (1987)
شواهد شاخصة في عالم الرواية العربية ، ربما كانت جائزة نوبل إضافة لا ريب لقيمة أدبه ، لكنها بالتأكيد ليست تكرمة تصد عنه بقدر ما تحفز الجيل الجديد بمتابعة الحوار والنقاش وتلمس النقد الأدبي الهادف، علينا أن نترك هؤلاء النقاد المعلبين بشعارات التغريب والعلمنة والسعي حثيثًا لما بيننا وبين أدبه من صلة!