قال الخبير اللغوي المغربي الدكتور عبد القادر الفاسي الفهري “إن القرار السياسي اللغوي العربي ضعيف، لأنه انعكاس لحال التقهقر الذي تعيشه الأمّة”، وأضاف في حوار أجرته معه مجلة “الآداب” اللبنانية أن “العرب لم يعوا دورَ اللغة في تشكيل الأمّة. وها نحن اليوم صرنا أمام وضعٍ أفدح، إذ زاد التهرّبُ من العربيّة، التي تحوّلتْ لدى البعض إلى عائقٍ دون التقدّم.”
وانتقد دعوة البعض إلى اعتماد اللهجة العامية في المغرب، قائلا: “لا يجوز أن يَخرج أحدُ مسؤولي المغرب، أو أحدُ المقرّبين إليهم، بمذكّرةٍ تهدّد وجودَ اللغة العربيّة وتقصيها لصالح “التلهيج.” هذه جريمة في حقّ الشعب المغربيّ، الذي اختار عن طواعية، ومنذ عصور، اللغة العربيّة لغة رسميّة، ولغةً للهويّة والحضارة. إنّنا إزاء مَن يلقي برأسماله الرمزيّ الكبير وبموارده التاريخيّة والحضاريّة في عرض البحر باحثًا عن قشّة نجاةٍ لا نعرف إلى أين ستصل به!”
واستدرك بقوله: “نحن لا ندعو إلى حلٍّ محافظٍ للمسألة اللغويّة في الوطن العربيّ، بل نطرح حلولًا عصريّة. فمثلًا، نحن لا ندعو إلى معاداة اللغات الأخرى بل إلى تقوية تعليمها وتعلّمها. أما بالنسبة إلى اللهجات فإننا لم ندعُ، البتّة، إلى إماتتها، بل إلى انتهاج تخطيطٍ يقرّب بين الفصحى والعامّيّات (المغربيّة)؛ ذلك لأنّنا نؤْمن أنّه كلّما تباعدت الفصحى عن اللهجات قويتْ حظوظُ العاميّات في أن تصبح ذاتَ يوم هي اللغةَ المهيمنة، وذلك سيتسبّب في قتل الفصحى؛ وهو ما يخطّط له بعضُ الدهاقنة في الغرب وبعض البلدان العربيّة.”
واستعرض الخبير اللغوي المغربي تصوره للأطراف المعني بتطوير اللغة العربية والحفاظ عليها على النحو التالي:
“ـ على الدولة بمسؤوليّتها، وتحسيسُها بأنّ اللحامَ الذي تمثّله العربيّةُ قد يكون اللحامَ الأخيرَ لا لهذه الأمّة فحسب، بل للدولة نفسِها. ذلك أنّ اللغة هي التي تبني الدولة، لا العكس.
ـ إنّ دور المثقفين في خدمة العربيّة، التي تمثّل الهويّة الثقافيّة والحضاريّة، أمرٌ أساسٌ في هذه المرحلة. ولا بدّ من أن تتحرّك مجالاتُ الإبداع لترقية العربيّة والرفع من مستواها. في مجال الإنتاج الشعريّ والروائيّ تحديدًا، هناك جهودٌ عديدةٌ، لكنّها تحتاج إلى دعم مؤسسات الدولة والمجتمع المدنيّ من أجل جعلها قادرةً على الصمود في وجه الزحف اللغويّ العنيف الذي تمثّله اللغاتُ الأجنبيّة.
ـ دورُ المؤسّسات حاسمٌ في تطوير اللغة. فما يُنتَج، في العموم، باللغة العربيّة، لم يصل بعدُ إلى مستوى من الدقة العلميّة يجعل من العربيّة لغةً مرجعيّة؛ وهذا يعود إلى غياب المؤسّسات ومواقعِ النشر المحكّم التي تستطيع أن تقوّم العملَ بالمهنيّة التي نجدها في المجلّات والمراكز الغربيّة.”
ومن أجل تفعيل برامج التخطيط اللغويّ، اقترح الدكتور عبد القادر الفاسي الفهري البدء بمرحلة الروض، بتلقين الأطفال العرب لغة عربيّة ميسّرة وجذّابة، يُربّون عليها مبكّرًا، وينفتحون ــــ تدريجًا ــــ على مزاياها، وعلى الحكي العربيّ، وعلى مجموعة أمورٍ لن تتاح لهم فرصةُ الاطّلاع عليها فيما بعد إنْ هم درسوا بلغاتٍ أخرى.
وأضاف قائلا: “هناك آمال متعدّدة في حوسبة اللغة، وإدخالِها في بعض المواد الترفيهيّة. وثمّة بعضُ المحْسنين وأصحابِ النيّات الحسنة الذين يقومون بهذا العمل. لكنّ السواعد قليلة، وتشجيع الدولة لهذه المبادرات أقلّ. ولذلك، أقول إنّ أيّ عملٍ إيجابيّ في سبيل نشر العربيّة وتحسينِ أوضاعها سيكون أحسنَ من أن نتقاعس حتى يدركنا الوقت.”
لغتنا