من بدائع القرآن
( تميز لغته عن لغة العرب)
د.مفرح سعفان
مع أن القرآن الكريم قد نزل بلسان العرب، مصداقًا لقوله سبحانه :"وما أرسلنا مِنْ رَسُولٍ إلا بلسانِ قومه ليُبينَ لهم" فإن القارئ لهذا الكتاب الكريم والمتدبر لآياته ينبهر من هذه الظواهر اللغوية الفريدة التي يتميز بها هذا الكتاب العظيم، والتي لا نجد لها مثيلًا في لغة العرب.
وقد أشار كثير من علماء اللغة والتفسير على مر العصور إلى كثير من هذه الظواهر الفريدة التي تتميز بها لغة القرآن الكريم. ولعل من أهمها الدقة المطلقة في التعبير و استعمال الألفاظ.
تأمل معي أخي القارئ الكريم قوله تعالى: " وإنْ طائفتانِ مِنَ المؤمنينَ اقتتلوا فأصلحوا بينهما " (الحجرات / 9)، فقد كان القياس العقلي المنطقي أن يتوحد الضمير العائد على ( الطائفتين)، فإما أن يكون مثنى على اعتبار لفظ الطائفتين المثنى، وإما أن يكون جمعًا على اعتبار المعنى، وعليه لو كان المتكلم بشرًا لكان قد راعى اعتبار المعنى فقال :وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهم.
أو راعى اعتبار اللفظ فقال: وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلتا فأصلحوا بينهما.
ولكن سياق الآية هنا قد جمع بين هذين الاعتبارين في آن واحد إشارة إلى أمرين اثنين مختلفين.
فاستعمل ضمير الجمع ( واو الجماعة) مع الفعل ( اقتتلوا) لأن القتال - عندما يحدث - يكون بين جميع أفراد الطائفتين ،واستعمل ضمير المثنى في (فأصلحوا بينهما) إشارة إلى أن الإصلاح بين الطائفتين - عندما يحدث- يكون فقط بين زعيمي الطائفتين وهما مثنى.
وتظهر دقة التعبير بصورة أكثر وضوحًا في الآيات المشتبهات التي قد يبدو للمرء أنها بمعنى واحد ولكنها في الواقع بخلاف ذلك.ومن ذلك- على سبيل المثال لا الحصر - قوله سبحانه في سورة الأنعام / 6 :" ولا تقتلوا أولادَكُمْ مِنْ إمْلاق نحن نرزقكم وإياهم ". ثم قوله سبحانه في سورة الإسراء /17 :" ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقُهُم وإياكُمْ ".فالآية الأولى تتحدث عن إملاق ( أي فقر) واقع بالفعل، فـ(مِنْ) هنا سببية، أي بسبب إملاق موجود بالفعل، فناسبها تقديم ضمير المخاطب على الغائب في قوله:"نحن نرزقكم وإياهم". لأنه في حالة وجود الفقر بالفعل يحمل الإنسان هَمَّ رزقه هو أولًا، ثم هَمَّ مَنْ يعولهم. والآية الثانية تتحدث عن إملاق يخشى وقوعه في المستقبل فناسبها تقديم ضمير الغائب على المخاطب؛ لأنه في هذه الحالة يحمل الإنسان هَمَّ رزق مَنْ يعولهم، لأن رزقه هو موجود معه بالفعل في هذه الحالة. وهذه دقة متناهية في التعبير تدعو إلى الانبهار والإجلال.
ولكن الأجمل والأعجب أن نجد القرآن الكريم يبتكر ويبتدع ظاهرة لغوية فريدة لم تعرفها العرب في كلامها، ومن ذلك تفرقته بين المعاني المختلفة للكلمة الواحدة، فقد فرق القرآن بين (أعين) و (عيون) في جمع كلمة ( عين) تفرقة لم تعرفها العرب في كلامها ولا في شعرها.
فقد وردت (الأعين) في القرآن الكريم اثنتين وعشرين مرة، و كانت كلها بمعنى واحد فقط وهو العين المبصرة. كما في قوله سبحانه: " سحروا أعين الناس" وقوله: " ولهم أعين لايبصرون بها "
وقوله : " يعلم خائنة الأعين" و قوله:" ترى أعينهم تفيض من الدمع " وقوله:" وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين " وقوله :" فأتوا به على أعين الناس " وغيرها.....
ووردت كلمة ( عيون) في القرآن الكريم عشر مرات، وكانت كلها بمعنى واحد فقط وهو عين الماء. كما في قوله تعالى: " إن المتقين في جنات وعيون " وقوله :" إن المتقين في ظلال وعيون " وقوله :" كم تركوا من جنات وعيون" وقوله :" وفجرنا الأرض عيونًا "وغيرها...
وهذه التفرقة بين هذين المعنيين في جمع كلمة (عين) هي من ابتكار لغة القرآن الكريم ، ولم تعرفها العرب في كلامها، فشعرهم - في عصوره المتعاقبة- يزخر بالأبيات التي استعملت فيها كلمة (عيون) بمعنى العين المبصرة.
فقد قال الراعي النميري :
إذا ما الغانياتُ برزنَ يوما
وزَجَّجْنَ الحَواجِب والعيونا
وقال أبو تمام :
أحاطت عُيونُ العاشقين بخصره
فهُنَّ له دون النِّطَاق نطاق
وقال المتنبي :
تفنى عيونهم دمعًا وأنفسهم
في إثر كل قبيح وجْهُهُ حسن
ومما يعجب له في هذا الشأن أنه رغم وضوح ظاهرة التفرقة بين(أعين) و(عيون) في جمع كلمة (عين) في السياق القرآني فإن أحدًا من النحاة واللغويين لم يشر إليها على حد علمي. والسبب في ذلك عندي يرجع إلى طغيان فكرة القلة والكثرة على فكر القدماء في تعليل ظاهرة تعدد الجموع للكلمة الواحدة منذ الخليل بن أحمد وحتى يومنا هذا. فقد أجمعوا جميعا على أن ( أعين) جمع قلة، و(عيون) جمع كثرة.
فهذا ابن منظور يقول في لسان العرب في مادة (عين):
" العين: حاسة البصر والرؤية، أنثى،تكون للإنسان وغيره من الحيوان... والجمع أعيان وأعين، وأعينات،والأخيرة جمع الجمع، والكثير عيون" ثم يقول :" والعين: ينبوع الماء الذي ينبع من الأرض ويجري، أنثى، والجمع: أعين وعيون "، وهكذا لم يشر ابن منظور إلى ظاهرة لغوية فريدة ابتكرها القرآن الكريم وتميز بها عن لغة العرب.
وكذلك فرق القرآن الكريم بين ( عباد) و( عبيد) في جمع (عبد) فالأولى لعباد الله خاصة الذين يؤمنون به.
قال تعالى:" وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونًا"
وقال:" وإذا سألك عبادي عني فإني قريب"، والثانية عامة لكل الخلق، قال سبحانه: "وماربك بظلام للعبيد".
وكذلك فرق القرآن بين الإخوة والإخوان في جمع كلمة (أخ) فالأولى للإخوة في النسب مثلما في قوله تعالى:" وجاء إخوة يوسف "، والثانية للإخوة في المذهب والفكر، قال تعالى: " إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين "، وصدق الحق إذيقول :" قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لايأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا ".
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.