عالم الجموع(8)
نسمع كل حين جموعًا قد لا نلاحظ مفرداتها ولا نتكلف البحث عنها نظرًا لاستعمالها مجموعةً بصفة غالبة، فهي مما غلب جمعها مفردها، حتى إن المعجمات قد تسكت عنها إما لعدم شهرتها، وإما لموت استعمالها، وقد تذكرها المعاجم وترد في الاستعمال الفصيح قرآنًا وسنةً وشعرًا ونثرًا ولكن يُميتها الاستعمال المعاصر،ومن تلك الجموع:
(المَنُونُ)
اختلف اللغويون في (المنون) هل هو جمع أو مفرد، وهل هو مذكر أو مؤنث؟
فقال الأصمعي: المنون واحدٌ لا جمع له، وهو عنده بمعنى الدهر(1).
وتعني أيضًا الموت أنْشد الْأَصْمَعِي:
(تَمَخَّضَتِ المَنُون لَهُ بِيَوْمٍ ... أَنَى وَلِكُلِّ حَامِلَةٍ تِمَامُ)
يَعْنِي: المنيَّةُ تَهَيَّأَتْ لأَنْ تَلِدَ لَهُ الموتَ، يَعْني النُّعْمَان بْنَ الْمُنْذِرِ أَو كِسْرَى(2).
وقال الأخفش: المَنُون جمعٌ لا واحد له(3).
وذهب الفراء إلى أنه يكون المنون واحداً وجمعاً، وهي عنده مؤنثة(4).
وتبعه الفارسي في ذلك حيث جاء في المخصص: ((قَالَ أَبُو علي: المَنُون أُنْثَى فَأَما قَوْله أَمِن المَنُون وَرِيْبِه تَتَوَجَّع فَإِنَّهُ حمله على مَعْنى الجِنْس. ابْن السّكيت يُعْنى بِهِ الموتُ أَو الدهرُ))(5)
وقال أبو بكر الأنباري: ((قال أبو بكر: المنية مؤنثة، وقد تحمل على معنى الزمان والدهر فتُذكَّر، وقد تُحمل على معنى " المنايا " فتعبر عن الجمع..ويُروى بيت أبي ذؤيب على وجهين :
(أَمِنَ المنونِ وريِبها تتوجَّعُ ... والدهرُ ليسَ بمعتبٍ مَنْ يَجْزَعُ)
ويروى: أمِنَ المنون وريِبِه . فالتأنيث والتذكير على ما مضى من التفسير))(6).
ولذلك قال ابن سيده :((وهو يذكر ويؤنث فمن أنث حمل على المَنِيَّةِ ومن ذكَّر حمل على الموت))(7).
وخلاصة القول: أن (المَنُون) يحتمل أن يكون مفردًا لا جمع له حملًا على معنى الموت أو الدهر، أو جمعًا لا واحد له حملًا على معنى المنايا، ويجوز تذكيره على معنى الموت أو الدهر وتأنيثه على معنى المنية.
والله أعلم.
------------
(1)غريب الحديث للخطابي93/1.
(2) تهذيب اللغة57/7.
(3)شمس العلوم6189/9.
(4)الصحاح2207/6.
(5)المخصص71/2.
(6) الزاهر في معاني كلمات الناس226/2.
(7) المحكم والمحيط الأعظم 469/10.