مُنَمْنَماتٌ عَلى جُدْرانِ الْمَجالِسِ الْعَربيَّةِ=6
انْتَزَعَها الدُّكْتورُ مُحَمَّدْ جَمالْ صَقْرْ
1
وَصيَّةُ سَيِّدِنا عَليٍّ
" ما رَأَيْتُ - وَلا رَوَيْتُ - مِثْلَ وَصيَّةٍ لِعَليٍّ بْنِ أَبي طالِبٍ - رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ ! - وَصّى بِها كاتِبًا لَه ، يَقولُ فيها :
أَلِقْ دواتَكَ ، وَاجْمَعْ أَداتَكَ ، وَأَرْهِفْ حَدَّيْ قَلَمِكَ إِرْهافًا ، وَاحْتَرِسْ عِنْدَ شَقِّه احْتِراسًا - فَإِنَّكَ إِنْ لَمْ تُتائِمْ لِسانَه ، كَدَّرْتَ بَيانَه - وَاسْتَصْلِبِ الْمَقَطَّ ، وَحَرِّفِ الْقَطَّ ، فَإِنْ لَمْ تَسْمَعْ لِقَطَّتِكَ طَنينًا غَيْرَ خَفيٍّ ، وَتَنْظُرْ لَها حَرْفًا كَذُبابِ الْمَشْرَفيِّ ، وَإِلّا أَعِدْ - هكذا ، ولعلها " فَأَعِد " - الْقَطَّةَ ؛ فَالْقَلَمُ حَفٍ .
وَقَرِّبْ بَيْنَ الْحُروفِ ، وَباعِدْ بَيْنَ الصُّفوفِ ، وَتَصَفَّحْ ما كَتَبْتَه ، وَكَرِّرِ النَّظَرَ فيما حَبَّرْتَه ، لِيَظْهَرَ لَكَ رَأْيُكَ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ عَنْكَ كِتابُكَ .
فَالْحَظْ - هَداكَ اللّهُ ! - ما اخْتَصَّ اللّهُ - سُبْحانَه ! - هؤُلاءِ الْقَوْمَ مِنَ الْخَصائِصِ الَّتي أَطْلَعَهُمْ - هكذا ، ولعلها " أَطْلَعَتْهُمْ " - عَلى عُلومٍ لَيْسَتْ عُلومَهُمْ ، وَإِلى - هكذا ، ولعلها " وَأَوْصَلَتْهُمْ إِلى " - ما لَمْ يَهْتَدِ إْلَيْهِ أَرْبابُ تِلْكَ الْعُلومِ ، وَلَمْ يُدْرِكْها - هكذا ، ولعلها " يُدْرِكْهُ " - فَهْمُ حاذِقٍ مِنْ أَرْبابِ الْفُهومِ ، حَتّى صارَتْ كَلِماتُ أَحَدِهِمْ قُدْوَةً يَقْتدي بِها أَرْبابُ الْمَعارِفِ مِنَ الْكُتّابِ ، وَعَلَمًا يَهْتَدي بِه مَنْ ضَلَّ مِنْ أولي الْأَلْبابِ " !
عن ابن أبي الإصبع في " تحرير التحبير "
2
وَصيَّةُ بِشْرِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ
" مَرَّ بِشْرُ بْنُ الْمُعْتَمِرِ بِإِبْراهيمَ بْنِ جَبَلَةَ بْنِ مَخْرَمَةَ السَّكونيِّ الْخَطيبِ ، وَهُوَ يُعَلِّمُ فِتْيانَهُمُ الْخَطابَةَ ، فَوَقَفَ بِشْرٌ ؛ فَظَنَّ إِبْراهيمُ أَنَّه إِنَّما وَقَفَ لِيَسْتَفيدَ ، أَوْ لِيَكونَ رَجُلًا مِنَ النَّظّارَةِ ؛ فَقالَ بِشْرٌ :
اضْرِبوا عَمّا قالَ صَفْحًا ، وَاطْووا عَنْهُ كَشْحًا !
ثُمَّ دَفَعَ إِلَيْهِمْ صَحيفَةً مِنْ تَحْبيرِه وَتَنْميقِه ، وَكانَ أَوَّلَ ذلِكَ الْكَلامِ :
خُذْ مِنْ نَفْسِكَ ساعَةَ نَشاطِكَ وَفَراغِ بالِكَ وَإِجابَتِها إِيّاكَ ؛ فَإِنَّ قَليلَ تِلْكَ السّاعَةِ أَكْرَمُ جَوْهَرًا ، وَأَشْرَفُ حَسَبًا ، وَأَحْسَنُ في الْأَسْماعِ ، وَأَحْلى في الصُّدورِ ، وَأَسْلَمُ مِنْ فاحِشِ الْخَطاءِ ، وَأَجْلَبُ لِكُلِّ عَيْنٍ وَغُرَّةٍ مِنْ لَفْظٍ شَريفٍ وَمَعْنًى بَديعٍ . وَاعْلَمْ أَنَّ ذلِكَ أَجْدى عَلَيْكَ مِمّا يُعْطيكَ يَوْمُكَ الْأَطْوَلُ بِالْكَدِّ وَالْمُطاوَلَةِ وَالْمُجاهَدَةِ ، وَبِالتَّكَلُّفِ وَالْمُعاوَدَةِ . وَمَهْما أَخْطَأَكَ لَمْ يُخْطِئْكَ أَنْ يَكونَ مَقْبولًا قَصْدًا ، وَخَفيفًا عَلى اللِّسانِ سَهْلًا ، وَكَما خَرَجَ مِنْ يَنْبوعِه وَنَجَمَ مِنْ مَعْدِنِه . وَإِيّاكَ وَالتَّوَعُّرَ ؛ فَإِنَّ التَّوَعُّرَ يُسْلِمُكَ إِلى التَّعْقيدِ ، وَالتَّعْقيدُ هُوَ الَّذي يَسْتَهْلِكُ مَعانِيَكَ ، وَيَشينُ أَلْفاظَكَ .
وَمَنْ أَراغَ مَعْنًى كَريمًا فَلْيَلْتَمِسْ لَه لَفْظًا كَريمًا ؛ فَإِنَّ حَقَّ الْمَعْنى الشَّريفِ اللَّفْظُ الشَّريفُ ، وَمِنْ حَقِّهِما أَنْ تَصونَهُما عَمّا يُفْسِدُهُما وَيُهَجِّنُهُما ، وَعَمّا تَعودُ مِنْ أَجْلِه أَنْ تَكونَ أَسْوَأَ حالًا مِنْكَ قَبْلَ أَنْ تَلْتَمِسَ إِظْهارَهُما وَتَرْتَهِنَ نَفْسَكَ بِمُلابَسَتِهِما وَقَضاءِ حَقِّهِما .
فَكُنْ في ثَلاثِ مَنازِلَ :
فَإِنَّ أولى الثَّلاثِ أَنْ يَكونَ لَفْظُكَ رَشيقًا عَذْبًا وَفَخْمًا سَهْلًا ، وَيَكونَ مَعْناكَ ظاهِرًا مَكْشوفًا وَقَريبًا مَعْروفًا ، إِمّا عِنْدَ الْخاصَّةِ - إِنْ كُنْتَ لِلْخاصَّةِ قَصَدْتَ - وَإِمّا عِنْدَ الْعامَّةِ ، إِنْ كُنْتَ لِلْعامَّةِ أَرَدْتَ . وَالْمَعْنى لَيْسَ يَشْرُفُ بِأَنْ يَكونَ مِنْ مَعاني الْخاصَّةِ ، وَكَذلِكَ لَيْسَ يَتَّضِعُ بِأَنْ يَكونَ مِنْ مَعاني الْعامَّةِ ؛ وَإِنَّما مَدارُ الشَّرَفِ عَلى الصَّوابِ وَإِحْرازِ الْمَنْفَعَةِ ، مَعَ مُوافَقَةِ الْحالِ ، وَما يَجِبُ لِكُلِّ مَقامٍ مِنَ الْمَقالِ . وَكَذلِكَ اللَّفْظُ الْعاميُّ وَالْخاصيُّ . فَإِنْ أَمْكَنَكَ أَنْ تَبْلُغَ مِنْ بَيانِ لِسانِكَ ، وَبَلاغَةِ قَلَمِكَ ، وَلُطْفِ مَداخِلِكَ ، وَاقْتِدارِكَ عَلى نَفْسِكَ ، إِلى أَنْ تُفْهِمَ الْعامَّةَ مَعانِيَ الْخاصَّةِ ، وَتَكْسُوَها الْأَلْفاظَ الْواسِطَةَ الَّتي لا تَلْطُفُ عَنِ الدَّهْماءِ ، وَلا تَجْفو عَنِ الْأَكْفاءِ - فَأَنْتَ الْبَليغُ التّامُّ .
فَإِنْ كانَتِ الْمَنْزِلَةُ الْأولى لا تُواتيكَ ، وَلا تَعْتريكَ ، وَلا تَسْمَحُ لَكَ عِنْدَ أَوَّلِ نَظَرِكَ وَفي أَوَّلِ تَكَلُّفِكَ ، وَتَجِدُ اللَّفْظَةَ لَمْ تَقَعْ مَوْقِعَها وَلَمْ تَصِرْ إِلى قَرارِها وَإِلى حَقِّها مِنْ أَماكِنِها الْمَقْسومَةِ لَها ، وَالْقافِيَةَ لَمْ تَحُلَّ في مَرْكَزِها وَفي نِصابِها وَلَمْ تَتَّصِلْ بِشَكْلِها ، وَكانَتْ قَلِقَةً في مَكانِها نافِرَةً مِنْ مَوْضِعِها - فَلا تُكْرِهْها عَلى اغْتِصابِ الْأَماكِنِ ، وَالنُّزولِ في غَيْرِ أَوْطانِها ؛ فَإِنَّكَ إِذا لَمْ تَتَعاطَ قَرْضَ الشِّعْرِ الْمَوْزونِ ، وَلَمْ تَتَكَلَّفِ اخْتِيارَ الْكَلامِ الْمَنْثورِ ، لَمْ يَعِبْكَ بِتَرْكِ ذلِكَ أَحَدٌ - فَإِنْ أَنْتَ تَكَلَّفْتَهُما وَلَمْ تَكُنْ حاذِقًا مَطْبوعًا وَلا مُحْكِمًا لِشَأْنِكَ بَصيرًا بِما عَلَيْكَ وَما لَكَ ، عابَكَ مَنْ أَنْتَ أَقَلُّ عَيْبًا مِنْهُ ، وَرَأى مَنْ هُوَ دونَكَ أَنَّه فَوْقَكَ . فَإِنِ ابْتُليتَ بِأَنْ تَتَكَلَّفَ الْقَوْلَ ، وَتَتَعاطى الصَّنْعَةَ ، وَلَمْ تَسْمَحْ لَكَ الطِّباعُ في أَوَّلِ وَهْلَةٍ ، وَتَعاصى عَلَيْكَ بَعْدَ إِجالَةِ الْفِكْرَةِ ، فَلا تَعْجَلْ ، وَلا تَضْجَرْ ، وَدَعْهُ بَياضَ يَوْمِكَ وَسَوادَ لَيْلَتِكَ ، وَعاوِدْهُ عِنْدَ نَشاطِكَ وَفَراغِ بالِكَ ؛ فَإِنَّكَ لا تَعْدَمُ الْإِجابَةَ وَالْمُواتاةَ ، إِنْ كانَتْ هُناكَ طَبيعَةٌ ، أَوْ جَرَيْتَ مِنَ الصِّناعَةِ عَلى عِرْقٍ .
فَإِنْ تَمَنَّعَ عَلَيْكَ بَعْدَ ذلِكَ مِنْ غَيْرِ حادِثِ شُغْلٍ عَرَضَ ، وَمِنْ غَيْرِ طولِ إِهْمالٍ ، فَالْمَنْزِلَةُ الثّالِثَةُ أَنْ تَتَحَوَّلَ مِنْ هذِه الصِّناعَةِ إِلى أَشْهى الصِّناعاتِ إِلَيْكَ ، وَأَخَفِّها عَلَيْكَ ؛ فَإِنَّكَ لَمْ تَشْتَهِه وَلَمْ تُنازِعْ إِلَيْهِ ، إِلّا وَبَيْنَكُما نَسَبٌ ؛ وَالشَّيْءُ لا يَحِنُّ إِلّا إِلى ما يُشاكِلُه ، وَإِنْ كانَتِ الْمُشاكَلَةُ قَدْ تَكونُ في طَبَقاتٍ ، لِأَنَّ النُّفوسَ لا تَجودُ بِمَكْنونِها مَعَ الرَّغْبَةِ ، وَلا تَسْمَحُ بِمَخْزونِها مَعَ الرَّهْبَةِ - كَما تَجودُ بِه مَعَ الشَّهْوَةِ وَالْمَحَبَّةِ .
فَهذا هذا " .
عن الجاحظ في " البيان والتبيين "
3
وَصيَّةُ أَبي تَمّامٍ
" عَنْ أَبي عُبادَةَ الْبُحْتُريِّ الشّاعِرِ أَنَّه قالَ :
كُنْتُ في حَداثَتي أَرومُ الشِّعْرَ ، وَكُنْتُ أَرْجِعُ فيهِ إِلى طَبْعٍ سَليمٍ ، وَلَمْ أَكُنْ وَقَفْتُ عَلى تَسْهيلِ مَأْخَذِه ، وَوُجوهِ اقْتِضائِه ، حَتّى قَصَدْتُ أَبا تَمّامٍ ، وَانْقَطَعْتُ إِلَيْهِ ، وَاتَّكَلْتُ في تَعْريفِه عَلَيْهِ ؛ فَكانَ أَوَّلَ ما قالَ لي :
يا أَبا عُبادَةَ ، تَخَيَّرِ الْأَوْقاتَ وَأَنْتَ قَليلُ الْهُمومِ وَصِفْرٌ مِنَ الْغُمومِ . وَاعْلَمْ أَنَّ الْعادَةَ في الْأَوْقاتِ ، إِذا قَصَدَ الْإِنْسانُ تَأْليفَ شَيْءٍ أَوْ حِفْظَه ، قَصَدَ وَقْتَ السَّحَرِ ؛ وَذلِكَ أَنَّ النَّفْسَ تَكونُ قَدْ أَخَذَتْ حَظَّها مِنَ الرّاحَةِ ، وَقِسْطَها مِنَ النَّوْمِ ، وَخَفَّ عَنْها ثِقَلُ الْغِذاءِ ، وَصَفا مِنْ أَكْثَرِ الْأَبْخِرَةِ وَالْأَدْخِنَةِ جِسْمُ الْهَواءِ ، وَسَكَنَتِ الْغَمائِمُ ، وَرَقَّتِ النَّسائِمُ ، وَتَغَنَّتِ الْحَمائِمُ .
وَتَغَنَّ بِالشِّعْرِ ؛ فَإِنَّ الْغِناءَ مِضْمارُه الَّذي يَجْري فيهِ . وَاجْتَهِدْ في إيضاحِ مَعانيهِ :
فَإِنْ أَرَدْتَ النَّسيبَ ، فَاجْعَلِ اللَّفْظَ رَقيقًا ، وَالْمَعْنى رَشيقًا ، وَأَكْثِرْ فيهِ مِنْ بَيانِ الصَّبابَةِ ، وَتَوَجُّعِ الْكَآبَةِ ، وَقَلَقِ الْأَشْواقِ ، وَلَوْعَةِ الْفِراقِ ، وَالتَّعَلُّلِ بِاسْتِنْشاقِ النَّسائِمِ ، وَغِناءِ الْحَمائِمِ ، وَالْبُروقِ اللّامِعَةِ ، وَالنُّجومِ الطّالِعَةِ ، وَالتَّبَرُّمِ بِالْعُذّالِ وَالْعَواذِلِ ، وَالْوُقوفِ عَلى الطَّلَلِ الْماحِلِ .
وَإِذا أَخَذْتَ في مَدْحِ سَيِّدٍ ذي أَيادٍ ، فَاشْهَرْ مَناقِبَه ، وَأَظْهِرْ مَناسِبَه ، وَأَبِنْ مَعالِمَه ، وَشَرِّفْ مَقاوِمَه ، وَأَرْهِفْ مِنْ عَزائِمِه ، وَرَغِّبْ في مَكارِمِه .
وَتَقاصَّ الْمَعانِيَ ، وَاحْذَرِ الْمَجْهولَ مِنْها . وَإيّاكَ أَنْ تَشينَ شِعْرَكَ بِالْعِبارَةِ الزَّريَّةِ ، وَالْأَلْفاظِ الْوَحْشيَّةِ ! وَناسِبْ بَيْنَ الْأَلْفاظِ وَالْمَعاني في تَأْليفِ الْكَلامِ . وَكُنْ كَأَنَّكَ خَيّاطٌ يُقَدِّرُ الثِّيابَ عَلى مَقاديرِ الْأَجْسامِ ! وَإِذا عارَضَكَ الضَّجَرُ ، فَأَرِحْ نَفْسَكَ ، وَلا تَعْمَلْ إِلّا وَأَنْتَ فارِغُ الْقَلْبِ ، وَاجْعَلْ شَهْوَتَكَ لِقَوْلِ الشِّعْرِ الذَّريعَةَ إِلى حُسْنِ نَظْمِه ؛ فَإِنَّ الشَّهْوَةَ نِعْمَ الْمُعينُ .
وَجُمْلَةُ الْحالِ أَنْ تَعْتَبِرَ شِعْرَكَ بِما سَلَفَ مِنْ أَشْعارِ الْماضينَ ؛ فَما اسْتَحْسَنَ الْعُلَماءُ ، فَاقْصِدْهُ ، وَما اسْتَقْبَحوهُ ، فَاجْتَنِبْهُ تَرْشُدْ ، إِنْ شاءَ اللّهُ ، تَعالى " !
عن ابن أبي الإصبع في " تحرير التحبير "