.
نحن و اللغة مَن يخدم مَن ؟ 4/4
كنت توقفت عند السؤال الآتي: ما القوة في العربية التي تغنينا عن أن ننصب من أنفسنا خدما لها؟ وكيف؟ وللإجابة عن ذلك أقول: أولا: إن أقسام اللغة العربية توجد اليوم في كل جامعات العالم، من أمريكا إلى الصين، ويتزايد تعلم العربية والطلب عليها، ودراستها لمختلف الغايات والضرورات في العالم أجمع، وحتى الذين يأتون للبلدان العربية للطلب لا يكتفون بمعرفتها بوصفها لغة تواصل وإنما يواصلون تعليمهم العالي لها، (ومن يقف على نماذج من الطلاب تقدمهم الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة يصاب بالدهشة). ثانيا: إن القنوات العالمية الأمريكية والبريطانية والفرنسية والصينية والروسية، أصبحت توجه أخبارها بالعربية ويفزع إليها قومي ثقة فيما تبث وانجذابا لما لديها من إمكانات إخراجية مع جرأة في تناول الخبر. وهنا أتساءل هل كان لمجامع العربية ومراكزها وكلياتها دور في هذا الفعل الإيجابي أم أنه جاء استجابة لطبيعة هذه اللغة وما تملكه من مقومات القوة التي اكتسبتها تأريخيا؟ أليس لاستحضار الكم العددي من البشر الذين يتكلمونها ويتواصلون بها مع العالم دور؟ هل مقولة (كندليزا رايس) وزيرة خارجية أمريكا السابقة: «لقد أضعنا أمريكا حينما لم نعلم أبناءنا العربية» كان نتيجة لتوصية انبثقت عنها ورشة في مركز أو مؤتمر أم كان استحضارا لضرورة حياتية أمنية أو سياسية!؟ ثالثا: إن العربية ليست لغة أحد من الناس ولا شعب معين ولا دولة بعينها، فهي لا تخضع للوصاية؛ لأن الدول تزول وهي الباقية، فالإنجليزية يرى العالم أن حاجته إليها أكثر من حاجتها إليه؛ وأن تواصله بها لا يخدمها، بل هي التي تخدمه.كل هذه عوامل قوة انتشرت بسببها اللغة، وبنو قومي يتجاذبون حول العربية المثالية (الفصحى) التي لا يحسنها أكثرهم، أو حول التهويل من خطر اللغات الوافدة متناسين خبرة العربية تأريخيا. إذن المطلوب لمعرفة حقيقة «من يخدم من» في ثنائية (نحن واللغة) شيئان، أحدهما: مسح ميداني عالمي يستعان فيه بمنظمات متخصصة لمعرفة أي اللغات أكثر انتشارا، وما موقع العربية من هذا؟ ثم وضع رسم بياني يوضح مسار اللغة ويرصد حركتها تمددا أو انكماشا بدل الانشغال بالورش والملتقيات التي لا نسمع فيها إلا أحكاما انطباعية. ثم التوقف عند عوامل التمدد أو الانكماش وإخضاعهما للتحليل والدراسة (وأتصور أن النتيجة ستكون مفرحة جدا لا بفضل حراكنا اللغوي «غير المبارك» لسنوات طويلة لكن بفضل اللغة ذاتها) ثانيهما: أن ننتج بها إبداعا حقيقيا، يظهر جمالها وعبقريتها وبساطتها، في ظل عدم وجود المنتج الصناعي.
بقي أن أشير وأشيد بمفردتين في شعار (الريادة والتميز) الذي رفعه الوليد الجديد في منظومة المراكز وأعني به مركز الملك عبدالله لخدمة اللغة العربية، والمفردتان لهما تبعات كبيرة وتتطلبان استحقاقات عسيرة آمل ألا تقصر همة القائمين عليه عن تحقيقها، ويمكن لهم ذلك إن لم يكرروا ما فعلته بعض المراكز التي سبقتهم في المغرب والجزائر ولبنان وسوريا ومصر، واستحضروا أن اللغة ضرورة تواصلية وحياتية لا تقبل التقييد بدسترة أو التحرك وفق سياسة بلد يعد من العالم الثالث، فالبلدان غير القادرة على ضخ المنتج الصناعي غير قادرة على بناء جسور تمدد لغوي، والدليل أن كل المحاولات السابقة لم يكتب لها النجاح.
.