القيمة الفنية للطباق
الطباق من المحسّنات المعنوية في علم البديع، وهو الجمع بين معنيين متقابلين (متنافيين).
وهو نوعان:
أ) طباق الإيجاب، ويكون باسمين، نحو: {وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ} ، وفعلين، {وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى} ، {إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ} ، وحرفين، {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} ، { وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ} ، ومختلفين: {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ} ، {وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} .
ب) طباق السلب، ويكون بين مثبت ومنفي.
نحو قوله تعالى: {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (6) يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} ، و{ يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ} ، {اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ} .
ومن المطابقة التدبيج، وهو ذكر ألوان لقصد الكناية أو التورية، نحو:
قوله تعالى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ} .
وقول الشاعر:
تردّى ثيابَ الموتِ حُمرًا فما أتى الليلُ إلا وهي من سندسٍ خضرِ
ومن الطباق المقابلة، وهي الجمع بين متوافقين فأكثر ثم ما يقابلهما على الترتيب، نحو قوله تعالى: {فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا} ، ونحو:
مَا أَحْسَنَ الدِّينَ وَالدُّنْيَا إِذَا اجْتَمَعَا وَأَقْبَحَ الْكُفْرَ وَالإِفْلاَسَ بِالرَّجُلِ
وذكر الشيء ومقابله يعطي الكلام حسنًا ، ويوسّع نطاق المعرفة في التعليم، ومن ثم القدرة على التمييز بين الخطأ والصواب، وبضدها تتمايز الأشياء، وهذا مما يحقق الإشباع في التعلّم، والقضاء على المعرفة المبتورة، مما يوفر ثقافة معينة تكون أكثر تأثيرًا في التعبير القويم، والنطق السليم، يرتقي به وبصورة خاصة إلى درجة تذوق المعاني تذوقًا جماليًا .
ومن الأمثلة البليغة في ذلك قوله تعالى: {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ} ، فكل اسم من هذه الأسماء الأربعة يتضمن صفة كاملة لا نقص فيها بوجه من الوجوه، فالأول يدل على أولية الله لكل شيء وسَبْقِه بالفضل والإحسان الأسبابَ كلها، والآخر يدل على آخريّة الله وبقائه بعد كلِّ شيء، والظاهر يدل على ظاهريته وأنه فوق عباده، والباطن يدل على باطنيته سبحانه وشهود إحاطته بالعوالم، وقربه من العبيد، وعلمه بالبواطن والسرائر والخفيات، وبالإضافة إلى الحسن الكامل الذي تضمنه كل اسم فإن الجمع بين هذه الأسماء على هذا الوجه يزيدها حسنىً إلى حسنها، لأنها متقابلة المعاني، دالّة على إحاطة الله تعالى الزمانية والمكانية بخلقه؛ فكل سابق انتهى إلى أوليته، وكل آخر انتهى إلى آخريته، وما من ظاهر إلا والله فوقه، وما من باطن إلا والله دونه، وإذا عرف المسلم هذه الأسماء العظيمة، وعرف ما تدلّ عليه من الكمال والعظمة والإحاطة وجب عليه أن يعامل كل اسم بما يقتضيه من ذل وعبودية.
وقد فسّر النبي صلى الله عليه وسلم هذه الأسماء الأربعة، في الحديث الذي رواه مسلم بسنده عن أبي هريرة قال: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يَأْمُرُنَا إِذَا أخذنا مضجعنا أن نقول: "اللَّهُمَّ رَبَّ السَّمَوَاتِ وَرَبَّ الأَرْضِ وَرَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، رَبَّنَا وَرَبَّ كُلِّ شَيءٍ، فَالِقَ الْحَبِّ وَالنَّوَى، وَمُنْزِلَ التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ وَالْفُرْقَانِ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ كُلِّ شَيءٍ أَنْتَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهِ، اللَّهُمَّ أَنْتَ الأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيءٌ، وَأَنْتَ الآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيءٌ، وَأَنْتَ الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيءٌ، وَأَنْتَ الْبَاطِنُ فَلَيْسَ دُونَكَ شَيءٌ، اقْضِ عَنَّا الدَّيْنَ وَأَغْنِنَا مِنَ الْفَقْرِ" .
فبين -عليه الصلاة والسلام- في هذا الدعاء الجامع معنى كل اسم ونفى ما يناقضه، وهذا أعلى درجات البيان .
ومن الأمثلة على الطباق البليغ أيضًا قول امرئ القيس في معلقته الشهيرة:
مكرٍّ مفرٍّ مقبلٍ مدبرٍ معا كجلمودِ صخرٍ حطّه السِّيلُ من علِ
يَظهر حسنُ الجمع بين الأضداد بقوله: "مِكَرٍّ مِفَرٍّ مُقبلٍ مُدبرٍ" في إفادة معنى أن هذا الفَرَس سَلِسُ العِنان، فجمع له بين وصفين، هما حسن الخلق وشدّة العدو .