النظرية الاجتماعية الثقافية في تعليم اللغات وتطبيقاتها في تدريس فن الكاريكاتير
د. رائد عبد الرحيم
يمكن استثمار النظرية الاجتماعية الثقافية في تعليم اللغات لتدريس فن الكاريكاتير، ولكن قبل البدء في الحديث عن ذلك لابد من إعطاء لمحة عن هذه النظرية :
أسسها عالم النفس الروسي ليف سيميونوفيتش فايغوتسكي، المولود سنة 1896م، وكان الطفل ومتعلم اللغة محور هذه النظرية، التي تتلخص أفكارها في الآتي:
التوسّط، ويقصد بهذه المفردة أن الإنسان يحتاج إلى ما يتوسط نشاطه الاجتماعي الذهني والواقعي بينه وبين نفسه أولاً، ثم مع الآخرين في محيطه وخارجه ثانيًا، وليس له في ذلك إلا اللغة التي تمكنه من التواصل الذهني والاجتماعي.
منطقة التّطوّر الأقرب: ويقصد بذلك أن هذا المتعلّم يكسب وعيه باللغة عن طريق احتكاكه بالآخرين، واكتسابه اللغة بوعي أو غير وعي عن طريقهم، وقيامه بأنشطة ذهنية معهم تتحول فيما بعد إلى نشاط واعٍ، يمكنه من الإمساك بزمام هذا النشاط ولغته المعبرة عنه، وما يحيط به من ثقافة مرافقة له.
حديث النفس: inner speech، ويعني أنّ الإنسان له مجتمعه الداخلي الذي يحاوره ويخاطبه ويجادله، وربما يتخذ من خلاله قرارات حاسمة أو يستبعدها، وهذا التفكير الداخلي وحوار الذات وصراعها لا يكون إلا بلغة، وفي أثناء هذا التفكير وإبان العملية التعليمية سيتساءل هذا المتعلّم عن كثير من المفردات والتعبيرات والمواقف الاجتماعية والثقافية التي يبغي التعامل معها والتعبير عنها.
– فعلى سبيل المثال حين يدخل متعلم اللغة إلى مطعم يريد الأكل فيه، تتجمع في ذهنه مجموعة من الأسئلة في حديثه مع نفسه:
ا- كيف أطلب باللغة المتعلَّمة؟
ب- ماذا أطلب؟
ت-كيف أعبر عن رغباتي؟
ث- كيف أعبر عن طعم الأكل ولذته؟
ج- كيف أشكر من قدّم لي؟
ح- ما هي الأطعمة الخاصة بهذه البيئة والمجتمع؟
خ- وربما كيف أصنع هذا الطعام؟ وأسئلة أخرى تحتاج إلى أن تتحول إجاباتها ولغتها إلى سلوك اجتماعي وثقافي واعٍ.
فيكون الجواب عن أسئلته إما من خلال معجم ثنائي اللغة، وهذا المعجم لا يحتوي بالضرورة على إجابات كاملة عن أسئلته، لأن هذا الموضوع فيه مفردات وعبارات تختلف من سياق اجتماعي إلى آخر ، فيأتي الأمر الرابع في نظرية فايغوتسكي، وهو:
4- النشاط: فيتحول هذا النشاط الذهني إلى واقع يحاول فيه المتعلِّم تعلُّم اللغة، فحديث النفس وجّهه إلى مهمة قادمة عليه أن يدركها لأهميتها، فتصير المهمات بهذه الطريقة واعية في ذهن المتعلم والمعلِّم أو مركز التعليم، الذي ينبغي عليه أن يحدد الطرق والمهمات الملائمة للعملية التعليمية.
أمّا كيف نطبق هذه النظرية في تدريس الكاريكاتير، فيمكن القول:
إن هذا الفن لا يمكن فصله عن السياق الاجتماعي الثقافي، فحين يرى متعلّم اللغة العربية صوره يدفعه حوار النفس أو ما يسميه فايغوتسكي حديث النفس إلى السؤال عن مقصده ومعناه، فتدور في ذهنه مجموعة من الأسئلة، في مقدمتها:
كيف لي أن أفهم ما فيه؟ وهو سؤال حق؛ لأنّ الكاريكاتير لا تكفي اللغة المجردة في التعبير عنه، فهو مرتبط بسياقه الاجتماعي الثقافي، وإذا لم يفهم المتعلّم هذا السياق، فإن كل محاولاته اللغويّة ستظل قاصرة عن التعبير عن محتواه ومغزاه الاجتماعي الثقافي، ومن هنا يحتاج المتعلِّم إلى معاون من أبناء المجتمع أو بتعبير فايغوتسكي (نقطة التطوّر الأقرب)، أو أقرب محيط اجتماعي ليساعده، ويمكن لهذا المحيط أن يفيده، ولكن علينا أن نقيس حجم الفائدة بالسؤال الآتي:
ما خبرة معاونه في هذا الموضوع؟ وهل هذا المعاون قادر على تفسير سياقات الكاريكاتير، وبخاصة إذا كانت هذه السياقات تتعلق بقضايا سياسية أو اقتصادية…؟
ومن هنا يمكن القول: إن الفائدة المرجوة ستكون أقل بكثير من وجود عمل مبرمج ممنهج في دوائر التعليم، توجّه المتعلمين إلى سياقات صحيحية فكرية وثقافية واجتماعية، ومن هنا يأتي العنصر الرابع من عناصر نظرية فايغوتسكي، وهو (النشاط)، الذي ينبغي أن يكون موجَّها توجيهًا منطقيًّا، وفق الآتي:
تصنيف الكاريكاتير وفق سياقاته الفكرية المتنوعة.
توجيهها للمتعلمين وفق المستوى والبرنامج الذي يدرسونه، والدروس التي يتلقاها المتعلِّم في قاعة الدرس.
ألَّا يعوّل على ما يقوله الطالب حول الكاريكاتير، بمعنى أن تعبير الطالب عنه سيكون قاصرًا إذا ما تركناه يخمِّن مضمونه.
من هنا يجب وضع أسئلة محددة على الكاريكاتير أو مجموعها لتحقيق الفائدة اللغوية والثقافية الاجتماعية، فيكسب الطالب الأمرين معًا: اللغوي، والسياق الاجتماعي الثقافي.
ولنأخذ مثالاً على ذلك الكاريكاتير المرفق، فحين يشاهد الطالب الأجنبي هذا الكاريكاتير، ما الأسئلة التي ستدور في خلده؟ وما هي عبارات التعبير عنه؟
في الصورة الأولى: رجل عربي قديم يلبس ملابس تقليدية قديمة، ويحمل سلاحًا تقليديًّا.
في الصورة الثانية: رجل عصري يحمل شوكة وملعقة، ويهاجم الطعام.
هل تكفي هذا الأسئلة للتعبير عن المضمون؟ بالطبع لا.
فمن هنا يحتم علينا توجيه أسئلة محددة حول الصورتين، تمكّن الطالب من اكتساب اللغة ومضمون الصورتين الثقافي والاجتماعي، ويكون ذلك في درس خاص بالعادات والتقاليد الدينية عند المسلمين.
فما هي الأسئلة التي يمكن توجيهها بدقة؟
ماذا ترى في الصورة الأولى؟
ماذا ترى في الصورة الثانية؟
على ماذا تدل الصورة الأولى؟
على ماذا تدل الصورة الثانية؟
ما المقصود بعنوان الكاريكاتير: رمضان قديمًا وحديثًا؟
ما العلاقة بين الصورتين؟
هل يوجد فيما هو مكتوب بالصورة ليدل على هذه العلاقة؟
.