سلسلة (عالم ورأي)
تهدف هذه السلسلة إلى استجلاء رأي عالم من علمائنا حول قضية من القضايا، أو عقبة من العقبات التي تواجه أبناء العربية، أو طرح رؤية لاستنهاض الهمم وتحفيز العزائم. فإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، إنما ورثوا العلم، فمن أخذ به أخذ بحظ وافر.
الحلقة الرابعة والثلاثون: الدكتور حسن الشافعي - رئيس مجمع اللغة العربية بالقاهرة، وأستاذ الفلسفة الإسلامية بكلية دار العلوم جامعة القاهرة، ورأيه في الموضوعية في البحث العلمي:
يُقصد بالموضوعية: أن يَعزِلَ الباحث نوازعه وميوله واتجاهاته الشخصية عن تفكيره ونشاطه العلمي أثناء البحث، وأن يحذر الخضوع أو التأثر بالأحكام السابقة على إجراء البحث، أو الاتجاهات الاجتماعية نحوه. وعليه أن يُركِّز فكره في الوقائع الموضوعية، والوثائق المحققة، أو المعطيات المحددة، المستقلة عن ذاته ومشاعره وعواطفه وميوله الخاصة، بل وميول المجتمع من حوله.
فالموضوعية Objectivety بالمفهوم السابق، تُقابل الذاتية Subjectivity التي هي حالُ الإنسان العادي؛ الذي يتأثر غالبًا في تفكيره وحُكمه على الأمور بميوله وعواطفه وتجاربه الذاتية، بل بمصالحه الخاصة في بعض الأحيان. وقد يكون هذا عن وعي أحيانًا، ودون وعي في كثير من الأحيان، فمن يبغضه يأخذ عليه الهفوات، ويعدد له الأخطاء التي يغفرها لمن يحب، ودون أن يلتفت إلى أن سلوكه هو الجائر الحائد عن الحق والصواب، وأنه يكيل بكيلين، ويُطفف الميزان، ويُناقض نفسه في الأحكام، مع وحدة الشواهد والحجج والظروف؛ خُضوعًا للاعتبارات الذاتية من العواطف والميول، وعدم التدقيق، أو عدم التدرب على "صرف النفس" عن دوافعها الذاتية، إيثارًا بل خضوعًا واحترامًا للحقائق الموضوعية وحدها.
ومن ثم كان التفكير العلمي الموضوعي بحاجة إلى التدرب والقصد الإرادي لعملية (الصرف) هذه، والحذر من تسلط هذه الدوافع النفسية على الملكات العقلية أثناء العمل العلمي، وأن يصرف الباحث همته ووعيه قدر الإمكان – كما أسلفنا – إلى الوقائع الخارجية عن ذاته، والوثائق المحقَّقة غير المشكوك فيها، والمعطيات المحدَّدة المدقَّقة التي تصلح؛ ليبني عليها غيرها من خطوات الفكر العلمي خلال بحثه، وفي أثناء الكتابة وتسجيل الأحكام.
المصدر: المدخل إلى مناهج البحث وكتابة البحوث وتحقيق المخطوطات، د. حسن الشافعي، ص 79، 80.
إعداد: مصطفى يوسف