محمد غنيمي هلال
(1917 ـ 1968م)
ناقد.
ولد في سلامنت، محافظة الشرقية، مصر.
تلقى علومه حتى الثانوية في الأزهر الشريف، دخل دار العلوم، وتخرج من قسم الآداب العربية، حصل على دكتوراه الدولة في الأدب المقارن من جامعة السوربون في باريس.
وهو أستاذ الأدب والنقد في دار العلوم ثم في الجامعة السودانية والأزهر ومعهد الدراسات العربية في القاهرة.
كان يهتم بموضوعين من موضوعات الأدب المقارن هما: تأثير النثر العربي على النثر الفارسي خلال القرنين الخامس والسادس الهجريين، والثاني عن الفيلسوفة المصرية هيباتيا في الأدبين الفرنسي والانجليزي. يؤكد الدكتور غنيمي هلال أن الأدب المقارن لا يعنى بدراسة ما هو فردي في الانتاج الأدبي فحسب، بل يعنى كذلك بدراسة الأفكار الأدبية... وبالقوالب العامة التي هي من رسائل العرض الفنية.
من مؤلفاته:
الأدب المقارن.
النقد الأدبي الحديث.
الرومانتيكية.
قضايا معاصرة في الأدب والنقد.
المواقف الأدبية
ـــــــــــــــــــــــــ
الكتاب من صحيفة الاهرام المصرية :
41502 السنة 124-العدد 2000 يوليو 23 21 من ربيع الأخر 1421 هـ الأحد
محمد غنيمي هلال
بقلم: فاروق شوشة
وهو ـ لمن لا يعرفه ـ رائد دراسات الأدب المقارن في الجامعات المصرية والعربية, وواحد من أبرز نقادنا الأكاديميين الذين كان لهم فضل تأصيل النقد الأدبي الحديث وإثراء المكتبة النقدية بالعديد من المؤلفات الرائدة, ذات القيمة الباقية, فضلا عن دوره المؤثر في حياتنا الأدبية والثقافية طوال حقبة الخمسينيات والستينيات. هذا هو محمد غنيمي هلال الذي أتيح لي أن أكون ضمن أول دفعة من الطلاب الذين تتلمذوا علي يديه ـ في كلية دار العلوم بجامعة القاهرة ـ في العام الجامعي1953/1952. كنا مجموعة من حملة الشهادة التوجيهية التحقت بالكلية ـ التي أعلنت في ذلك العام عن قبولها لأول مرة لعدد من طلاب المدارس بعد أن كان الالتحاق بها مقصورا علي طلبة الأزهر. وكان هو يدرس لنا مادة تسمي المقالة والتحرير. كان صوته خفيضا غير مبين, وطريقته في الشرح والإيضاح يسودها تسرع وقدر من القفز علي أشياء ـ ظنا منه أنه لابد أننا نعرفها ونحسنها. وأوشكنا ننصرف عنه من غير أن نبذل جهدا في اكتشاف ما لديه من مخزون ثقافي ضخم ومنهج أكاديمي مختلف كان هو ـ في المقابل ـ يعمد إلي استثارتنا وتنبيه عقولنا بأسئلة متقطعة متناثرة, تبدو ـ في الظاهر ـ وكأنها لا رابط بينها ولا نظام, ويشجعنا بابتسامة هادئة تؤكد لنا سعة صدره وحنوه علي عثراتنا وأخطائنا. وشيئا فشيئا ألفنا طريقته ومنهجه وأسلوبه, وبدأنا نكتشف فيه بحرا من العلم والمعرفة الواسعة وطاقة هائلة من طاقات التغيير والتنوير. كان عنوان المحاضرات يغري بالانتقال من مجال إلي مجال ومن موضوع إلي موضوع: كيف نكتب مقالة أدبية, وكيف نحتشد لها, وكيف نصوغ أفكارنا, وكيف نطمئن إلي منهج الكتابة والنتائج المستخلصة, وكيف يكون الأسلوب, وماهو الأسلوب الجديد الذي يقوم مقام الدراسات البلاغية القديمة. وعلي يديه بدأت معرفتنا الأولي بعلم جديد يسمي علم الأسلوب, ومجال جديد من مجالات الدراسة الأدبية يسمي الأدب المقارن. وبدأ اكتشافنا لما تتطلبه هذه الدراسة الأدبية المقارنة من وعي وثقافة, ومعرفة باللغات, وقدرة علي التذوق والتحليل. كان أستاذنا محمد غنيمي هلال ـ في ذلك الوقت ـ يدلف إلي السادسة والثلاثين ـ فهو من مواليد عام1916 في قرية سلامنت إحدي قري مركز بلبيس في محافظة الشرقية ـ وكان عائدا من جامعة السوربون ومعه دكتوراه الدولة في الأدب المقارن, بعد أن اختير عضوا في أول بعثة علمية تسافر إلي الخارج بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية عام1945. واستطاع بالجد والدأب والقسوة علي نفسه أن يحصل علي دبلوم في اللغة الفارسية من معهد اللغات الشرقية بباريس, وعلي ليسانس في الآداب من السوربون ثم علي دكتوراه الدولة في الأدب المقارن عن موضوعين هما: تأثير النثر العربي علي النثر الفارسي في القرنين الخامس والسادس الهجريين ـ الحادي عشر والثاني عشر الميلاديين, وهيباتيا في الأدبين الفرنسي والإنجليزي من القرن الثامن عشر إلي القرن العشرين. كان الدرس الأول الذي قدمه لنا محمد غنيمي هلال يتمثل في ضرورة الإحاطة بتراث الإنسانية في علم النقد الأدبي فلا جديد جدة مطلقة دون رجوع إلي القديم في شتي مصادره مع تمثل له ووقوف علي حقيقته. ومن هنا كان تقييمه الفذ للنقد العربي القديم في ذاته وعلي أساس مصادره القديمة, ثم علي أساس منزلته من النقد الحديث في ضوء نظرياته ومذاهبه وأسسها الفلسفية والفنية. وكان درسه الثاني لنا أن نظريات النقد وقواعده العامة لاتخلق الفنان, ولكنها تتيح لمواهبه وعبقريته حرية وصحة واستقامة لا تتيسر بدونها. وللفنان أن يضيف إليها أو يتجاوزها إذا أبدع طريفا وأضافه إلي التراث القومي أو العالمي. والناقد العبقري كالأديب العبقري قد يضيف جديدا بما يدعو إليه من دعوة يوجه فيها الأدب وجهة جديدة, ويشرح الحاجة الماسة إلي الاتجاه الجديد شرحا فنيا وعلميا, يفيد بما اطلع عليه من التراث الأدبي وتراث النقد معا, فالأديب والناقد كلاهما صادر عن عبقريته, وكلاهما في منطقة تشبه تلك التي تحدث عنها فرجيل في الكوميديا الإلهية لدانتي حين قال له: لقد وصلت إلي مكان لاتستطيع بنصائحي أن تتبين معالمه, وقد سريت بك إلي حدود علي قواعد الفن والصنعة, ومنذ الآن ليس لك من حصاد سوي حاستك الفنية وماتوحي به إليك من متعة, لأنك تجاوزت حدود الطرق الوعرة: طرق الصنعة والتعلم. وكان درسنا الثالث لنا ـ نحن تلاميذه في الجامعة ـ يتمثل في العناية الفائقة والجد الدائب للتعريف بالدراسات الأدبية المقارنة والإسهام فيها وتشجيعها وتوضيح رسالتها الخطيرة الشأن فيما يخص الوعي القومي والإنساني فضلا عن الوعي الفني. فالدراسات الأدبية المقارنة من شأنها أن تنمي جوانب الأصالة في استعدادنا الإبداعي, وتقود حركات التجديد علي منهج سديد مثمر, وتوضح مدي امتداد جهودنا الفنية والفكرية في التراث الأدبي العالمي, فضلا عن رسالة الأدب المقارن الإنسانية المتمثلة في الكشف عن أصالة الروح القومية في صلتها بالروح الإنسانية العامة في ماضيها وحاضرها. من هنا كانت تطبيقاته ـ في مجال الدراسات المقارنة ـ تشمل موضوعات مثل ليلي والمجنون في الأدبين العربي والفارسي, وكليوباترا في الآداب الفرنسية والإنجليزية والعربية, وهيباتيا ـ الفيلسوفة المصرية القديمة التي تنتمي إلي الإسكندرية العاصمة الثقافية للعالم القديم, والتي كانت رئيسة لجامعة الإسكندرية ـ في الأدبين الفرنسي والإنجليزي, ودون جوان في الآداب الأوروبية, وشهرزاد في الآداب الأوروبية والأدب العربي, ويوسف وزليخا في الأدب الفارسي, وغيرها من نماذج الدراسة المقارنة التي تمثل اللبنات الأولي التي وضعها أول باحث وناقد عربي في هذا المجال, يفرد لبعضها كتبا مستقلة, ويكشف من خلالها عن نواحي النشاط العقلي للإنسان الحديث وكيف يعكس ذات نفسه في مرآة شخصيات قديمة من التاريخ أو في مرآة شخصيات أسطورية, بعد أن يسبغ عليهم من نفسه وينفح فيهم من روحه ويقربهم إلي نفوسنا, فهو في الواقع يحييهم ولكنه يحيا بهم. وعندما ألتفت الآن من حولي وأري جماعات الأدب المقارن في مصر وفي أقطار شتي من العالم العربي أدرك أن دعوة محمد غنيمي هلال لم تذهب هباء, وأن البذور الأولي التي غرسها في مطالع الخمسينيات وظل يتعهدها حتي رحيله في السابع والعشرين من يوليو عام1968 ـ عن اثنين وخمسين عاما من العمر ـ وستة عشر عاما أكاديميا ـ أصبحت الآن بفضل تلاميذه الذين أفادوا من علمه, والأجيال الجديدة التي تختلف مناهجها مع منهجه في الدراسة الأدبية المقارنة, أكثر ازدهارا وقدرة علي الإخصاب والتأثير. فقد كان فكر محمد غنيمي هلال تعبيرا عن المدرسة الفرنسية في الأدب المقارن ـ وهي التي عرفت باسم المدرسة التاريخية التي تعني بقضية التأثير والتأثر باعتبارها ركيزة المدرسة الأدبية المقارنة, ولم تكن قد ظهرت بعد المدرسة الأمريكية التي ترتكز علي تحليل النص في إطار جنسه الأدبي دون التفات إلي قضية التأثير والتأثر. لكن إدراك الجهد التنويري لأستاذنا محمد غنيمي هلال يكمن في تأمل وضع الدراسة الأكاديمية في دار العلوم عندما بدأ فيها مدرسا, وسط ومضات قليلة مشعة تمثلت في عدد من الذين أتيح لهم التأهل في جامعات الغرب ومراكز التنوير الأوروبية في مجالات الدراسة اللغوية والفلسفية والأدبية. ولم يكن هو أعلاهم صوتا عندما يحاضر أو يتكلم. لكنه ـ بالقطع ـ كان أكثرهم نفاذا وعمقا وأصالة عندما يكتب ويطرح فكره علي الورق. ولقد كان كبار نقاد عصره وأساتذة زمانه يحترمونه ويقدرونه ويجلونه. في مقدمتهم رجل الفكر والفلسفة الدكتور عبد الرحمن بدوي ـ الذي التقيت به عدة مرات في منزل محمد غنيمي هلال وتابعت حواراتهما حول قضايا لغوية ومنهجية ـ وشيخ النقاد محمد مندور الذي كانت تربطه به علاقة وثيقة وحميمة, والدكتور لويس
عوض الذي كتب عنه في ذكري الأربعين لرحيله تحت عنوان: عندما نتلفت حولنا فلا نجدهم يقول: كنا زميلين في الفكر يربطنا ذلك الرباط القوي الذي يؤلف بين أصحاب الجديد, وإن لم يعرف بعضهم بعضا. وقد كنت أحيانا أضيق ببعض خصاله, كإسرافه في الحساسية إلي درجة الوسوسة أحيانا, أو مبالغته في طلب النصفة عند أهل الانصاف, وعند غير المنصفين. ولكنني كنت أكن أعمق الاحترام لعلمه الغزير, ولجلده علي العمل, ولاخلاصه للأدب, ولكفاحه في سبيل تأصيل القيم الجديدة في النقد والأدب والثقافة بوجه عام. لذلك أسفت علي رحيله أسفا صادقا يوم وفاته. وأحسست بالخسارة الفادحة التي نزلت بالنقد العربي الحديث حين مضي عنا. وجدد حزني عليه أحزاني علي محمد مندور, فقد كان غنيمي هلال أيضا ركنا ركينا في حياتنا النقدية, وأحد معالمها المهمة, رغم أنه لم يبدأ حياته العملية الا منذ1952 أو بعدها بقليل.
أما هذا الاسراف في الحساسية إلي درجة الوسوسة, الذي يشير اليه لويس عوض في هذه السطور, فقد كان نتيجة لتكوينه الانعزالي, ولشخصيته الانطوائية غير الاجتماعية, ولتوقعه الدائم للشر والأذي دون تحديد لسبب أو مصدر. ومن هنا كانت ردود أفعاله العنيفة ـ المدمرة لبنيانه الجسدي والنفسي ـ عندما دخل في صراع عنيف مع الدكتور محمد صقر خفاجة من أجل الظفر بجائزة الدولة التشجيعية ـ التي كان يمنحها المجلس الاعلي للفنون والآداب, قدم صقر خفاجة كتابه عن هو ميروس وقدم غنيمي هلال كتابه المدخل إلي النقد الأدبي الحديث. كان ذلك في عام1964, ولما فاز صقر خفاجة بالجائزة حمل غنيمي هلال جملة شعواء علي اليونانيات وأساتذتها في الصحف والمجلات. وكانت المحنة الثانية عندما تقدم لكرسي الأدب المقارن والنقد الأدبي والبلاغة في كلية دار العلوم ونافسه عليه الدكتور بدوي طبانة أستاذ البلاغة العربية. فلما فاز الدكتور طبانة بكرسي الأستاذية غضب غنيمي هلال, ورفض البقاء في كلية دار العلوم, وأصبح أستاذا للأدب المقارنة بكلية اللغة العربية في جامعة الأزهر ثم في جامعة الخرطوم حيث داهمه المرض القاتل الذي أجبره علي العودة إلي القاهرة في مارس1968 حيث كان رحيله عن عالمنا بعد ذلك بشهور قليلة, مخلفا ثروة ضخمة من الدراسات يتقدمها كتابه الضخم: النقد الأدبي الحديث, وكتبه: الأدب المقارن, الحياة العاطفية بين العذرية والصوفية, الرومانتيكية, دور الأدب المقارن في توجيه دراسات الأدب العربي المعاصر, المواقف الأدبية, النماذج الانسانية في الدراسات الأدبية المقارنة, في النقد المسرحي, دراسات ونماذج في مذاهب الشعر ونقده, في النقد التطبيقي والمقارن, قضايا معاصرة في الأدب والنقد ودراسات أدبية مقارنة( وقد صدرت الكتب الأربعة الأخيرة بعد رحيله متضمنة العديد من المقالات والدراسات التي نشرها في الدوريات المصرية والعربية خاصة مجلتي المجلة و الكاتب بين عامي1959 و1963. بالاضافة إلي أبرز ترجماته عن الفرنسية: ما الأدب لجان بول سارتر وفولتير لجوستاف لانسون ورأس الآخرين مسرحية لمارسيل إيميه وعدو البشر مسرحية لموليير وبلياس وميليزاند مسرحية لماترلنك وعن الفارسية: مجنون ليلي لعبد الرحمن جامي ومختارات من الشعر الفرنسي.
كان محمد غنيمي هلال ـ مثل كثير من الفرسان والمحاربين ـ لا تعرف طبيعته الانحناء للعاصفة أو الالتفاف والمداورة, لذا فقد كان سهلا أن ينكسر, وساعد علي هذا الانكسار المأساوي إيمانه بقيم مثالية عاش من أجلها وناضل في غير هوادة, وحدة لا تعرف في منطق العلاقات بين الناس غير اللونين الأبيض والأسود, فكان ـ في تألقه وانكساره ـ تجسيدا حيا لاكتمال الفكر والسلوك, المثال والواقع, التراث والمعاصرة.
ولقد كان الشاعر الكبير محمود حسن اسماعيل يحاول اقتناص معالم هذه الشخصية الفريدة وهو يودع غنيمي هلال بقصيدته موسيقي الوداع الأخير ويقول:
أشتاق أن أقول .................................... كان موجة صوفية الهدير
وكان شوق لجة ..................................... تعشق أن تعانق الغدير
وكان وجه عاصف .................................. مزنر بالموت والنشور
وكان فأس حاطب .................................. وكان كأس شارب
وكان لمح سارب في توهة العبور ........... وكان في انطوائه,
وكان في انتمائه, ................................... توهجا يدور!
وهي المعاني والقيم التي حرص علي تجسيدها نخبة من تلاميذه وأصدقائه حين تصدي قسم البلاغة والنقد الأدبي والأدب المقارن في كلية دار العلوم لاصدار الكتاب التذكاري محمد غنيمي هلال: ناقدا ورائدا في دراسة الأدب المقارن في مناسبة مرور ربع قرن علي رحيله, تحت إشراف الدكتور علي عشري زايد, وهو الكتاب الذي جاء وثيقة علمية وإنسانية تجسد العلاقة الباقية بين رائد كبير وأجيال عدة لاتزال تنهل من فيض عطائه وكنوز معرفته وشامخ آثاره.