هل علينا أن نتكلم الفرنسيّة لنسحر لبّ مخاطبينا؟
بقلم: د. توفيق قريرة
'سحريّة اللغة' و'إثارتها' مصطلحان ينمان عن الجهل بالفرق بين اللسان والكلام، وهو الفارق الذي يدحض استفتاء يزعم أن اللغة الفرنسية هي الأكثر 'إثارة' في العالم.
نشرت بعض المواقع الالكترونية الفرنسيّة (أخبار القناة الفرنسية ام6 وياهو) الأربعاء سبراً للآراء أجرته بعض المؤسسات المتخصصة في تعليم اللغات على 14 ألفا لتصل إلى أنّ الفرنسية بالنسبة إلى غير الفرنسيين هي اللغة الأكثر 'إثارة ' ( مثيرة: لاحظ أنّ هذه العبارة غير فرنسية ) في العالم بنسبة 34 بالمائة تليها الإيطالية بنسبة 24.4 بالمائة فالإسبانية بنسبة 15.8 بالمائة. وأنّ الفرنسية هي لغة ساحرة بمنظار غير الفرنكوفيين.
لن نعلّق على ما وراء هذا الاستفتاء ونتائجه من دعوة تجارية إلى الإقبال على تعلّم اللغة الفرنسية، هذه اللغة التي ترتب ضمن لغات العالم في مراتب خلف الصينيّة والإنكليزية والإسبانية وحتى العربيّة. ولكن سنعلّق على تجاوز هذا الاستفتاء لبديهات الحكم على اللغات واللهجات في أداء دورها التعبيري وردّا بسيطا على ما يمكن أن يعتور بعض العرب من مشاعر بالدونية إن كانوا ممن يصدّقون خطأ أنّ لغات الآخرين أهمّ من لغتهم.
العِلْم الوحيد الذي يثبت اليوم في العالم نتائج مثل هذا الاستفتاء أو ينفيه هو اللسانيات التي أرست منذ قرن من الزمن جملة من الأسس والمبادئ التي باتت اليوم بدهيات أو كلّيات لغويّة. أهمّها فيما يتصل بموضوعنا أنّه لا مفاضلة بين اللغات من جهة قيامها بوظائفها التواصلية والتعبيرية وأنّ الكفاءة اللغوية ـ وبقطع النظر عن هويّة تلك اللغة ـ تكون بقدرة المتكلم على أن يتواصل مع غيره وأن ينقل معارفه ومشاعره بيسر؛ وهذا دور تقوم به اللهجات واللغات الكبرى وأنّ اللغات التي لا تلعب هذا الدور تضمحلّ وتفنى وتموت.
لا لغة 'مثيرة' حتى تصنّف اللغات باعتبارها إلى لغة كثيرة الإثارة أو قليلة الإثارة..أنا أشتغل في تعريب هذه اللغة لطلبتي أو في البحث أو في غيره.. واستمعت وأستمع إلى فرنسيين وفرنسيّات يتحدّثون الفرنسية ولم أشعر أنّ الفرنسية لغة مثيرة ولم أشعر أنّ لغة أخرى ممّا أفهمها أو أتكلمها أقلّ إثارة أو أكثر.
هُناك كلام مثير وطريقة في أداء الكلام مثيرة وأسلوب أدبيّ ـ أو غير أدبي ـ مثير مهما كانت اللغة التي كتب بها..الإثارة شيء مرتبط بتفاعل ذهنيّ نفسي مع جملة من الوضعيّات التي تؤدّي إلى الإثارة. وإذا كان من الممكن أن يثار المرء وهو يستمع إلى لغة لا يفهمها فإنّ الإثارة ههنا غير مقصودة لأنّها ليست إثارة لغويّة. الإثارة باللغة وسيلة في تنشيط هذا الشعور النفسي من الذاكرة المخزّنة لجميع مثيرات هذا الشعور.
أمّا سحريّة اللغة فهي أيضا كذبة لسانيّة وإن وقعت في توصيفنا للغة "لغة سحرية" أو للكلام "كلام سحريّ" لأنّ ذلك التوصيف ليس دقيقاً علميًّا؛ إذ ينبغي أن يحمل على أنّه توصيف مجازي..الانفعال يمكن أن يكون بواسطة اللغة فيتأثر من يتأثر ويشعر بالحزن أو الفرح أو النشوة من يشعر؛ لكن ليست اللغة بما هي أداة تواصل هي التي تصنع ذلك فما يصنعه في الذهن هو تصوّر الوضعيات والعلاقات النفسيّة بين المتكلم والسامع وكثير من المعطيات النفسية والتاريخية والاجتماعية وغيرها.
هذه بعض البديهات في اللسانيّات التي تجعلنا نردّ على هذا السّبر للآراء الذي يُراد منْه إعادة اعتبار للغة هيمنت في كثير من بلاد الدنيا بالسّلاح الاستعماري ووجدت حظوة في بعض النفوس لرفعة بعض الأدباء الذين كتبوا بها ؛ لكنّ هذه معطيات ليست ثابتة في جعل لسان ما أكثر رواجا في العالم..ففي ذلك تتدخّل نسبة الناطقين به في العالم وحظه في إنتاج المعرفة والثقافة والتأثير العالمي في مجريات الاقتصاد والسياسة.
نقول ذلك وعيننا على لغتنا العربية التي على الرغم من أنّها تحتلّ مراتب لا بأس بها في العالم من حيث الانتشار ـ بين 5 و7 في أغلب التصنيفات في العالم ـ فإنّ لدى الناطقين بها بعض النظرة الدونية لها لا تجدها في نفوس من تكلموها من غير الناطقين بها، فلقد وجدت فيمن قابلتهم منهم رؤية مشرقة لهذه اللغة؛ إذ يرون فيها لساناً مهيكلاً قادراً على نقل أعرق الثقافات في العالم وأنّ تلك الثقافة بمختلف منابعها ومجاريها قابلة لأن يطّلع عليها وبشغف وبلسانه الأصلي: العربية.
ميدل ايست أونلاين