3- يراعى في هذه المناهج:
أ) التفريق بين ما نطلبه ثقافة لغوية عامة لكل مثقف أيًا كان اختصاصه، وما نطلبه من الدارس المتخصّص في اللغة العربية وآدابها.
ب) التخفيف من مناهج النحو في المستويين الابتدائي والإعدادي:
1- بحذف كل ما لا يفيد في صحة النطق من موضوعات النحو، وعدم تتبع الجزئيات والدقائق النحوية والإعرابية؛ كإعراب صيغتي التعجب، والإعراب التقديري، ولنأخذ بمذهب الجاحظ الذي أوصى بألا نشغل قلب الصبيّ إلا بما يؤديه إلى السلامة من فاحش اللحن.
وإذا هذَّبنا أو اختصرنا فلسنا بدعًا في التهذيب والاختصار وترك ما لا تدعو الحاجة إليه، فقد سبق إلى ذلك القدماء من علماء العربية، وكان منهم من وضع الكتب المبسَّطة كالزبيدي (379هـ) صاحب "الواضح"، وكالفارسي (377هـ) صاحب "الإيضاح"، وكالمطرّزي (610هـ) صاحب "المصباح"، وكابن هشام (761هـ) صاحب "الإعراب عن قواعد الإعراب". وقد صرّحوا بما أرادوه من تيسير على المبتدئين. قال ابن هشام: إنه يتحدث عن كلمات يكثر استعمالها ووضّح أساسيات في الإعراب تفيد المبتدئين. وأما صاحب "المصباح" فلم يكن ليطيل كما نطيل نحن في بيان مصير حركات الإعراب وتعليل كونها مقدّرة لا ظاهرة بالتعذر أو الثقل في أواخر الاسم، إنه اكتفى بالقول: "ما في آخره ألف لا يظهر فيه الإعراب كالعصا والرحى. وما في آخره ياء مكسور ما قبلها يسكّن في الرفع والجرّ ويحرّك في النصب مثل: جاء القاضي ومررت بالقاضي ورأيت القاضي"، وما أظن النطق السّليم يحتاج إلى أكثر من ذلك في المرحلة الأولى، وقد استغنى عن كل ما نعلّمه نحن اليوم من حدود وتعريفات ومصطلحات تتصّل بالثقل والتعذّر والمقصور والمنقوص!
2 - أن نتوخّى في اختيار الأمثلة أن يكون بينها الكثير مما يعبر عن حياتنا اليومية؛ لإزالة الجفاء بين الطالب وقواعد لغته، وليقوم في نفسه بأن ما يدرسه أمر متصل بحياته وبسلوكه اليومي. وأنه في حاجة إليه للتعبير عن حاجاته الحياتية اليوميّة.
3- بتعليم بعض الموضوعات على أنها أساليب تقدم للطلاب نماذج منها ليحفظوها ويقيسوا عليها متجنّبين إعرابها وتعليلاتها، كأساليب التعجب (ما أفعل الشيء، وأفعل به) وتوابع النداء من استغاثة وندبة.. وهي أساليب ثابتة في حركاتها قليلة في عددها، على حين أن تعليلها وإعرابها فوق المستوى العقلي للطلاب في تلك المرحلة.
جـ) ضبط الكتب الدراسية في هذه المرحلة بالشكل ما أمكن، ولا سيما كتب اللغة العربية، ليعتاد الطلبة القراءة الصحيحة.
د) أن نلاحظ في وضع المناهج ألاّ تكون الموضوعات المتكاملة من علمين مختلفين متباعدة أو موزّعة على سنوات مختلفة، وذلك يعني أن نضع ما يتصل من موضوعات النحو بموضوعات علم المعاني في البلاغة في سنة واحدة، فالمعارف في النحو ترافقها في السنة نفسها دراسة دواعي التعريف والتنكير من علم المعاني، ومواضع ذكر المبتدأ والخبر وحذفهما أو تقديمهما وتأخيرهما ترافقها دواعي الذكر والحذف ودواعي التقديم والتأخير، حرصًا على وحدة الموضوعات التي فرّقتها مناهجنا وأساليب تعليمنا تأليفًا وتوزيعًا للموضوع الواحد بين المدرّسين والامتحانات حتى تمزّقت في عقول الطلبة ولم يقم في عقولهم أنها مادّة واحدة، وأن لها جميعًا هدفًا واحدًا يحسن أن تبلغه ونبلغه. وكذلك ينبغي أن ننظر إلى التكامل بين الموضوعات في تتابعها في السنوات الدراسية المتعاقبة.
هـ) تخصيص ساعتين أسبوعيًا لدرس نُسمّيه مقرّر "اللغة العربية" وهو درس جامع لكل علوم اللغة العربية يتدرب الطلاب فيه على كل ما ثقفوه من قراءة ونحو وصرف وبلاغة وإملاء وأساليب تعبير من خلال نصوص شائقة مختارة.
و) أن يلاحظ في التدريس أن سلامة اللغة ليست في صحة الإعراب فحسب، ولكنها في الكلمة المفردة إعرابها وصيغتها ومعناها، والتركيب وصياغته، وكل ما يجنّب اللغة اللحن والخطأ والضعف والركّة والانحراف.
وبعد، ففي تراثنا اللغوي القديم ما لم يعد ملائمًا لأذواق عصرنا؛ سواء أكان كلمة مفردة أم صورة، وفيه ما لا يزال يسدّ حاجة ويُقبل ذوقًا، وليس لدينا ما يمنع من إهمال بعض القديم ولا ما يمنع من الأخذ منه، وأما هجره فقطع للصلة بالتراث, وليس لدينا أيضًا ما يمنع من الأخذ بالجديد ففيه ما يروق ذوقًا ويعجب صورة وتعبيرًا.. والمعيار في ذلك أن يكون كل ما نأخذه لا يخالف قاعدة ولا يخرج عن أصل. إنه المنهج الذي يبقي اللغة خالدة متصلا قديمها بحديثها، فلا يجمّد قديمها فتموت، ولا يرفض جديدها الذي يطوّرها وتستمرّ به حياتها.
وإن علينا أخيرًا أن نعلّم طلابنا الكلام أعني اللغة المحكيّة التي تنطلق ألسنتهم بها منذ الصغر، وأن نعلّمها مقروءة ومكتوبة بالتدرّج، فالنشء كالنبات يمكننا تعديله صغيرًا إذ يكون كالأغصان الليّنة، ويتأبى ويستعصي كبيرًا إذا استحصد وغلظ واستوى في خلقه.
قد يعلم الأدبَ الأطفالُ في صغرٍ *** وليس ينفعهم من بعده أدبُ
إن الغصون إذا قوّمتَها اعتدلتْ *** ولا يلينُ إذا قوَّمته الخشبُ