فن التعبير الكتابي ودوره في المراكز الوظيفية في الحياة العامة
الأستاذ الدكتور عبد الكريم الأشتر
جامعة حلب- سورية
نفضل أن نتناول الموضوع من زاويتين، يحدد كل منهما المستوى اللغوي الذي نقف عليه: مستوى اللغة الوظيفية (المعيارية) أوّلاً وهو مقصَدنا هنا في الكلام، ومن ثمَّ مستوى اللُّغة الإبداعيّة، ونلتزم فيه بالوقوف على الحدّ.ففي المستوى الأول يكفي أن يلتزم المعبّر قواعد اللغة العربية في النحو والصرف "وعلوم الآلة"، كما كنا نسميها في الشام إلى زمن قريب، نعني: علوم اللغة المعتمِدة، في أساس وضعها، على أصول منطقية، على نحوٍ يذكّرنا بالأورجانون organon، في تراث أرسطو، والقصد هنا: الاكتفاء بمستوى اللغة الوظيفي الذي لا تكون للمكوّنات اللسانية فيه قيمة مستقلة، إذ لا يزيد دور اللغة فيه على كونها أداة توصيل. ويغلب، على تركيب وحداتها الآلية Automatisa-tion، والمؤدي فيها ذو غاية نفعية، هي الرغبة في توصيل مؤدّاه. ومن ثم يكون من تمام صفاتها: استواءُ الدالّ ووضوح الدَّلالات والتزام المألوف فيها([1]). فالكلام فيها ( أقصد: محور الدلالة فيه Axe Sementique) ليس بعيداً من درجة الصفر، أعني: غير بعيد من دَلالات المعجم المحورية. كلام لا يقبل التأويل([2]) وينطبق فيه الدالّ على المدلول، دون أن يمنع هذا من استعمال الكنايات ذات الوجه الحضاري في المواقف الجافية (من مثل: الغائط والحرْث والرَّفَث والملامسة والمباشرة) على نحو ما توضحها كتب اللغة والمعاجم نفسها.والأسلوب، في هذا المستوى اللغوي، أسلوب تقريري مباشر تقريبًا. وإذا كان لا بد من أن تكون له قيمة تعبيرية فقيمته في وضوحه([3]) ومباشرته. وقد يكون للبساطة فيه ما يكون لها أحياناً من أثر في النفس متصل بالتزام الطبع، والبعد عن التصنع والتكلف، واستواء التعبير وأُلفته وغاية ما يلزمنا فيه، بعد استكمال الأداة، السهر على استقامة الفطرة، أعني: فاعلية القدرة النفسية التي تنشأ مع التكوين بصورة نسبية لدى الأفراد جميعاً.في هذا المستوى تقع التقارير الوظيفية التي يكتبها المسؤولون في المؤسسات المختلفة عما وُكل إليهم من التبعات، أو عما سُئلوا عنه، أو عما يرون في شؤون عملهم وتطويرها. وقد يضطرون إلى رواية حادثة من الحوادث يقتربون فيها ممن نقل صورة قصصية دون أن يكونوا كوّنوا قبل كتابتها فكرة هيكلية عن تِقْنيّات السرد وصفات الحوار وتصوير الشخصيات. ولا بد أن يطعّموا ما يكتبونه في هذه التقارير ببعض الخبرات الذاتية التي تجعل الاستجابة له أوفى وأسرع. وربما جاؤوا معه ببعض الإرشادات أو بعض التفاسير. ويكون وضوح المؤدَّى في ذهن مؤدّيه هو الركيزة الأولى في وضوح أدائه اللغوي.فحتى يتضح المؤدَّى لا بد من أن تتضح قاعدته التي يستند إليها، أعني: القصد العام القائم في فكر المعبّر وضوحاً تاماًّ بخطوطه الرئيسة كلها، ليعود المؤدَّى إليها ويرتكز عليها. وأفضل ما يفعله: أن يتبع منهجاً عمليًّا مبسَّطاً يقدّم فيه لقصد التقرير العام تقديماً يكفي لشرح دواعيه، وتوجيه اهتمام المتلقي إليها، وتملّيها. ثم يتبعه عرض لجوانب المؤدَّى. ثم تقوم الخاتمة بتوجيه النظر مرة أخرى إلى جملة مقاصد التقرير.وقد افترضنا هنا التمكّن مما لا يسع المعبِّر أن يصل إليه دونه، وهو التكوين اللغوي الذي يفي بحاجة التعبير، مع التمكّن من بعض الدقائق اللغوية، التماساً لوضوح المؤدَّى في ذهن المتلقي. فإن وضوح الدلالة يكون دائماً في صحة الدالّ، ودقته وحسن التعامل معه في قواعد تركيبه، مثل: البيان السليم عن الأعداد والمعدودات في حال الإفراد والتركيب، وما يلزم أن نراعيه معهما، في حال المطابقة والمخالفة. ومثل الملحقات بالمثنى (اثنان واثنتان ، وكلا وكلتا حين يضافان إلى الضمير). والملحقات بجمع المذكر السالم (بنون، عالَمون، ذَوو، أولو، أهلون، علّيون، أسماء العقود). والأسماء الخمسة واستعمالاتها الصحيحة، ومخاطبة المؤنث والقاعدة فيها (ثبوت النون وحذفها) وهمزة القطع في الأسماء (عدا: اسم، وابن، وابنة، واثنان، واثنتان، وامرؤ، وامرأة). ومثل الأفعال التي وردت مبنية للمجهول (عُني، استُهتر، زُهي علينا، فُلج، جُن، أُغمى عليه، امتُقع لونه، هُرع، احتُضر؛ اختُصر "مات شابًا").وهذا ومثله يقود إلى ضرورة مراعاة ضبط بعض الوحدات (تشكيلها) في العربية (مثل بعض أخواتها الساميّات الأخرى)، في مواطن اللَّبس على الأقل، إذ يُهمَل فيها تجسيد الصائتات، ويقتصر فيها التجسيد على الصوامت([4]) والقضية في النهاية متصلة بمسألة الإعراب (تغير حركة الحرف الأخير في الكلمة بتغير موضعها في الجملة).فإذا تجاوزنا قواعد النحو لزمتنا العناية بقواعد الإملاء والوقوف على بعض مسائلها، مثل: الألف الفارقة وكتابة الألف الليّنة (بالألف الممدودة أو الألف المقصورة، والشذوذات فيها) على مثال:(العُلا، الحِجا، موسيقا، استحيا، بخارى) وكتابة الهمزة في أول الكلمة وأحوالها، والمتوسطة، والأخيرة ( على مثال: جزءان وعبئان، وملجآن، ودفئاً) والعدد المضاف إلى المئة: (خمسمئة مثلاً).ويلزم التنبيه إلى أن صورة الإملاء في مفردات القرآن الكريم لا يمكن تجاوزها، بصفته نصًّا مقدسًا لا يتعاور إملاءَه التغيير (كتابته متأثرة بالنبطية والسريانية كما يقول بعض دارسي الساميات) ([5]).على أن هذا ومثله ينتهي بنا إلى ضرورة مُرَاجعة أساليب تعليم العربية، نحواً وصرفاً وإملاءً، ودراسة الصعوبات التي يعاني منها أبناء العربية وتذليلها بجرأة ووعي والتزام، نفيد فيها من شتى معارف العصر وأجهزة إيصالها وتوصيلها، إذ إننا لا نزال نكظّ أذهان أولادنا ونربكها في مسائل إجرائية صغيرة جمدنا عليها بحكم الألفة (كتابة ألف "ابن" وحذفها مثلاً وكتابة "إذن" بالنون وبالألف المنصوبة، وإضافة الألف في لفظ "المئة" لمنع الالتباس في موضع الهمز). ([6]) .وتأتي بعد هذا الإحاطة على نحو ما، بالدلالات الدقيقة البالغة الرهافة في مفردات العربية الغنية غنى مذهلاً نحتاج معه إلى مراجعة مستمرة للكتب والمعاجم واللغة، مثل كتاب (فقه اللغة وأسرار العربية) ([7]) للثعالبي، الذي يلمّ بجملة كتب اللغة لعصره (القرن الرابع والخامس للهجرة). ومن الأمنيات الغالية أن ينخل هذا الكتاب الرائع وتستخرج منه، في كتاب صغير يكون مثال الكتب اليدوية (MANUEL)، طوائف المفردات القائمة الصلة بواقعنا، وتَفْرُق دلالاتها في التعبير بين صور العادات والأحداث والأعمال والألوان والأزمنة والأمكنة والأشكال والهيئات والأعضاء والحركات. حتى إذا احتاج المعبّر أن يكتب مثلاً تقريراً في اعتداء وقع بالضرب، وجد المفردة التي يتحدد معها موضع الضرب (الرأس أو الصدر أو الوجه) وأداة الضرب (اليد أو السوط أو العصا أو السكين)([8]). ولو احتاج أن يصف عيباً في لسان أحدهم لم يخلط بين الفأفأة واللجلجة([9]). ولو وصف ماء الفم فرّق بين اللعاب والبصاق([10]). وفرّق في تقسيم الأنوف بين الأنف للإنسان والفِنطيسة للخِنزير([11])، وبين المعدة للإنسان، والحوصلة للطائر. وفرّق بين (أجهش وأعول) في درجات البكاء، وبين أن تغرورق العين بالدمع أو تهمي به ([12]).واستخلصَ من الكتاب، إلى جانب هذا، فوائد لغوية دقيقة يحتاجها كثيراً في التعبير عن حاجاته، مثل: ما يؤنث من الصفات وما لا يؤنث، أعني إهمال التاء في تأنيث صفات تخص المرأة (حامل، فارك، عانس، حائض). وما يستوي فيه المذكر والمؤنث: فعول التي بمعنى فاعل (ضحوك، صبور، حنون) وفعيل التي بمعنى مفعول حين تقترن بالموصوف: (امرأة جريح). وما كان على وزن مِفعال (مِهذار، مِقدام).ومثل اشتقاق نعت الشيء من اسمه عند المبالغة فيه كأن يقال (صديق "صدوق" وظلّ "ظليل"، وحرز "حريز"، وداء "دوي"). ومثل: أسماء النبات في نموّه، من البداية إلى النهاية ([13])، وأسماء الداء في مراحل تمكّنه من الجسم ("العَياء" إذا أعيا الأطباء، و"العضال" إذا كان يزيد و"العقام" إذا كان لا دواء له، و"المزمن" إذا استعصى على الزمن). ومثل: التفريق في الوصف بين ألفاظ العموم والخصوص، والتفريق بين أصوات الحيوان من ذوات الظلف أو من السباع والوحوش أو من الطير أو الحشرات([14])(الخوار والثغاء والقُباع والصفير والسجع والزقزقة والسقسقة، والنعيب والفحيح والصّرير والنقيق) وأسماء الدم النازف من أعضاء الإنسان (الرُّعاف من الأنف، والمُهجة من القلب) ومثل: السواد في الأشياء حين يشتد فيها (فالليل "داج" والسحاب "مدلهمّ" والشعر "فاحم" والفرس "أدهم"، والعين "دعجاء" والشفة "لعساء" أو "حوّاء، والوجه "أكلف"). ومثله البياض في الأشياء حين يشتد، وصفات الألوان حين تشتد (الأسود "حالك"، والأبيض "يقق"، والأصفر "فاقع"، والأخضر "ناضر"، والأحمر"قان")([15]).إن مثل هذه المراجعات في كتب اللغة ومعاجمها لا تهدي إلى تحديد المعاني فحسب، بل تجددها وتوسع أفق التعبير، وتفتح له أبواباً تحفز خيال القارئ، وتُكسب التعبير سماتٍ أسلوبية تثير إحساسات قوية تدعوه إلى أن يحسن قراءة الكلام والنفوذ إلى معانيه، ويقف فيها أمام نص التقرير فيقرأه كما يقرأ الوجوه والحركات والصور.ثمَّ الاحتفال في الكتابة بأدوات الترقيم في أيّ مستوى من مستويات الثقافة إن هذه الأدوات ليست علامات فارغة، بل هي رموز ناطقة بمعانيها. فالنقطة تنوب عن قولنا للقارئ، وهو يقرأ الجملة في نص التقرير:" قف هنا، إن هذا الجزء من المعنى العام اكتمل"! والفاصلة تنوب عن قولنا له:" المعنى الذي نريده لم يكتمل، والكلام التالي معطوف على ما تقدم منه". وخط الاعتراض يكون لتحديد الفكرة، وأقواس التنصيص المفردة والمضاعفة والمركَّنة للكلام المنقول أو المَزيد، وعلامات التعجب في مواقف الانفعال والتعجب والرفض، وعلامات الاستفهام في مواقف المساءلة والحيرة الفكرية، وهي كلها تفصح بالرمز عن سمات أسلوبية تعين على فهم نص التقرير وتفسيره.ويصبح من اليسير، حين يكتمل الوعي بما قدمناه، أن ننتبه إلى مسألة خلط الفصيحة بالدارجة الشائعة مفرداتُها وتراكيبها، في بيئة المعبّر. وقد بدأت تطلع علينا هذه الأيام طوالع كنّا ودّعناها في العقود الأولى من القرن الماضي، ليأس أصحابها من جدواها وقد بنوا أقوالهم وما أتوه على آراء بعض المستشرقين (ولهلم سبتا W.Sebta مدير دار الكتب المصرية أواخر القرن التاسع عشر، ووليم ولكوكس W.Wilcoks المهندس الإنجليزي في القناة)، من العدول عن لغة الكتابة (الفصيحة) إلى المحكيّة الدارجة في التعبير الكتابي، مهما يكن مستوى الفكر الذي نقف عليه([16]). وسمعنا الصدى اليوم عند من يقول في المغرب العربي من كتّابه الذين يكتبون بالعربية والفرنسية:"العامية هي لغة الحياة، والفصحى لغة اللاهوت" ([17]). وفيهم من "اختار العامية بنظرة المثقف"! كما قال: إذ إنها "ابنة شرعية للغة العربية الأم". ورأى في "خلط الفصحى بالعامية تجربة منفردة، ولوناً جديداً في الكتابة الأدبية" دليل نجاحه فيه: أن نصّه "افتُتح به مِهرجان المِربد في البصرة"([18]).من هنا تتضح الحاجة إلى تفصيح الفصيح من مفردات الدارجات العربية وتركيباتها([19])، والانتقال بحركتها إلى ساحة التطبيق العملي، على نحو ما كان كاتبنا حسيب كيالي يفعل في مقالاته وزواياه وقصصه، فيبدو تعبيره ذا طعم خاص لا يخلو من نكهة تقرّبه من ذوق الواقع، وتقويّ الإحساس به، وتُولّد فيه شِحنات دلالية تقوي طاقته التعبيرية، دون أن يخلّ هذا أي إخلال بسعيه إلى توفير الالتزام بهوية الأمة الثقافية الواحدة.ويصبح من النافل بعد هذا، التشدد في التنبيه على تجنب الكلمات الأجنبية في التعبير الشفاهي والكتابي، على مثال "ويك اند" و"ميرسي" و"سوري و"ماتينيه"، وسواريه وأوكيه وباي... وأضيفت إليها هذه الأيام: الموبايل، أو السليلر) ([20]) تطرفاً أحياناً، وتباهياً أحياناً ( من باب تعبد المغلوب للغالب)، ودرْجاً على المعتاد غالباً، ما لم يكن لهذا وجه يسوّغ استعماله، ويصبح من النافل أيضاً الإشارة إلى تجنب الكلمات المهجورة والملتبسة، وتجنب الإكثار من الجمل المعترضة والملتفّة والمسترخية الطويلة، وحشو الكلام، والكَلَف بقعقعة الألفاظ الفارغة، وبالجهرية التي تصدع الحسّ ولا تؤنسه.ومرة أخرى، ضمن مرات كثيرة([21])، نرى الحاجة تدعو إلى تكوين كتب مفهرسة (دليل لغوي صغير) يجمع طوائف من هذه الكلمات المفصَّحة من الدارجة، كما دعت الحاجة من قبل إلى تكوين مثل هذا الدليل لفروق الدلالات في الوحدات اللغوية المختلفة، في مجالات الحياة كلها.على أن فضلاء نهضوا بتأليف بعض الكتب في ميدان تفصيح الفصيح في بعض الدارجات العربية، مثل كتاب الدكتور يعقوب الغنيم (ألفاظ اللهجة الكويتية في لسان العرب) ([22])، وكتاب (عثرات اللسان) للشيخ عبد القادر المغربي، وكتاب (دليل الأخطاء الشائعة في الكتابة والنطق) ([23]) لإسماعيل مَرْوة ومروان البواب. وكتاب (الأصول العربية في العامية المغربية) لعبد العزيز بن عبدالله([24]) ومقالات شفيق جبري التي نشرها بعنوان (بقايا الفصاح) ([25]). والحاجة تدعو إلى الإكثار منها، بأساليب تربوية مختلفة نسلك فيها طرقاً مختلفة: طريق الحوار، وطريق الحكاية، والتنبيه المباشر. ونزيد من اعتمادنا فيها على أجهزة الإعلام المختلفة وأجهزة الإيصال الحديثة، ومؤسسات التعليم، على اختلاف مستوياتها واختلاف مناهجها واختصاصها.
إن الذي يدعو إلى مراجعة أنفسنا في هذه المسألة البالغة الأهمية في الوقت الحاضر، متعدد الوجوه:
1- فمن الوجه الفني العام، نسعى فيه إلى كسب صفاء التعبير، وحفظ وحدته صوتاً وتركيباً وإيقاعاً، واستواء أثره في نفوس المتلقين، لاستواء دلالاته وقرب أنساب الدوالّ بعضها من بعض، ولعجز الدارجة، بصورة عامة، عن الارتقاء إلى مستويات الفكرة المطلوبة.
2- ومن وجه الصالح الفردي، نجد فيها دعماً لانتشار المُنَْجز المكتوب في أي صيغة كان، بدليل عودة الذين طمحوا يوماً إلى أن يكتبوا بالدارجة المحكية (وأقسموا ألا يعودوا عنها: لويس عوض بعد أن أصدر كتابه الأول بها وهو في إنجلترة) ثم ما لبثوا أن عادوا عنها سعياً إلى الفصيحة السهلة. وبدليل أن من نشروا فيها نتاجهم بدعمٍ ممن أيّدهم فيه، لا يُقرأ اليوم ما كتبوه بها (سعيد عقل) ([26])، وأن فريقاً منهم دعا إليها في وقت مبكر، ثم نسيها (أحمد الشايب مثلاً) ([27]) .
3- ومن وجه الصالح العام (وهو أولى الوجوه بالحفظ، في المرحلة التي نحن فيها، وأحقّها بالرعاية الالتزام): تقوية أقوى الروابط التي توحّد الضمير العربي (بحكم هذا الواقع اللغوي والتاريخي والنفعي) وتشدّه بعضَه إلى بعض، وتحفظ له وحدة تراثه وماضيه، وعليهما تقوم قاعدة حياته في الحاضر والمستقبل معاً
4- ومن ناحية المتلقي: نقوّي فهمه، ونوحّده، ونسدّد توجهه فيه، إذ يبعد أن يستجيب لتعبير يجهل ما تعنيه بعض مفرداته وتراكيبه، بحكم البيئات العربية والاختلاف النسبي في الأنساق اللغوية، في الدارجات المحكية فيها([28]). وقد تنبه المكتب الدائم لتنسيق التعريب (في المغرب) إلى تأثير اللهجات الإقليمية في التعابير المحلية، في ديار العرب كلها، ورأى أن توحيد اللغة العملية يقود إلى توحيد الشعور والفكر فيها، ويقوّي وحدة الضمير([29]).على أن ما نقوله على ما فيه من تشدد مشروع، لا يعني أبداً الاستهانة بالأدب الشعبي في صوره الفنية كلها (الحكايات، والأمثال والشذور، والأغاني، والمواويل، وأصناف الزجل، وقصائد الشعر النبطي، إضافة إلى الملاحم والدواوين الشعرية). ولا يعني أيضاً تجنب الاستشهاد بصور وأمثلة منها حين تدعو الضرورة التي لا بد من الاستجابة لها، ضمن الكلام الذي نكتبه، بشرط أن نرفقه بشرح فصيح. فربما أعان هذا على جلاء حقيقة تاريخية أو واقعة أدبية أو تثبيت سمة فنية، تقوّي من تأثير الكلام في المتلقي، وتصله بواقع الحياة التي يحياها، من ناحية، وتمنح التعبير طعماً حيًّا يقرّبه من خبراته على الأرض، من ناحية أخرى([30]).