الكاتب:أ.د. محمد المباركي(وكيل كلية اللغة العربية بالجامعة الإسلامية)
مضامين المراثي في معارك الإسلام الأولى كانت تتسم بالتأثُّر واللوعة وصدق العاطفة ، متَّخذة من القيم الإسلاميَّة منطلقاً في الرُّؤى والمشاعر التي نظمها شعراء الدَّعوة في عصر صدر الإسلام ، وأوضح أثر لذلك ما ظهر في غزوة « مؤتة « فقد استشهد في تلك المعركة ثلاثة من الصَّحابة الذين حملوا راية المسلمين ، وهم زيد بن حارثة ، و جعفر بن أبي طالب ، وعبد الله بن رواحة - رضوان الله عليهم - فقد حملوا الرَّاية ، واحداً تلو الآخر ، حتى استشهدوا وهم يواجهون الرُّوم ويرفعون أعظم راية من أجل نصرة الإسلام ، وكان استشهادهم تجسيداً لكل معاني التَّضحية في القيادة بكل معانيها ، وقد حرص شعراء الدَّعوة على استلهام تلك المعاني في رثائهم. ورد في شعر الصَّحابي الجليل كعب بن مالك - رضي الله عنه - في رثائهم :
نَـامَ العُيُونُ وَدَمْعُ عَيْنِكَ يَهْملُ سَحّاً كَمَا وَكَفَ الطِّبَابُ المُخْضِلُ
فـي لَيْلَـةٍ وَرَدَتْ عَلَيَّ هُمُومُهَا طَـوْراً أحِـنُّ وَسَـاعَــةً أتَـمَـلْـمَـلُ
واعتَـادَنـي حَـزَنٌ فَـبِتُّ كَأَنَّنـي بِبَنَـاتِ نَـعْـشٍ والسِّـمَـاكُ مُـوكَّـلُ
وَجْداً عَلَى النَّفَرِ الَّذينَ تَتَابَعُوا يـومـاً بـمُـؤْتَـةَ أُسْنِدُوا لم يُنقَلُوا
هذه المقِّدمة المؤثِّرة المفعمة بالحزن على تلك الآثار التي تمحَّضت عنها موقعة «مؤتة» دعت الشَّاعر إلى أن ينتقل إلى الدُّعاء لأولئك النَّفر الذين فازوا بالشَّهادة في سبيل الله ، ورسموا لوحة التَّضحية والفداء ، يقول :
صـلّـى الإلـهُ عَـليهِمُ مِـنْ فِتْيَـةٍ وَسَـقَـى عِـظَـامَـهُمُ الغَمَامُ المُسْبلُ
صَـبَـرُوا بِمُؤْتَةَ للإلهِ نُفُوسَهُـمْ حَـذَرَ الـرَّدى وَمَـخَـافَـةً أن يَنْكُلـُوا
فَمَضَـوْا أَمَامَ المُسْلِمينَ كَأَنَّهُـمْ فُـنُـقٌ عَـلَـيْـهِـنَّ الـحـديـدُ الـمُـرْفَـلُ
إذْ يَـهْـتَـدُونَ بـجَـعْـفَـرٍ وَلِوَائِـهِ قُــــدَّامَ أَوَّلِــهِـــمْ فِـــنِـــعْــــمَ الأوَّلُ
حتّى تَفَرَّجَتِ الصَفُوفُ وَجَعْفَرٌ حَيْثُ التَقَى وَعْثُ الصّفوفِ مجَدَّلُ
ويتواصل ذلك في الأثر في شعر الصَّحابي الجليل حسَّان بن ثابت الأنصاري - رضي الله عنه - فهو حين رثى شهداء «مؤتة فإنَّه أفصح عن مظاهر الإعجاب والاعتزاز بشجاعتهم وتقدُّمهم الصفوف، مبنيَّاً ما أعدَّه الله تعالى لهم من الثَّواب الجزيل في دار النَّعيم والرِّضوان، يقول رضي الله عنه:
فـلا يُبْعِـدَنَّ الله قَـتْـلَى تَتـَابَعُوا بِمُؤْتَةَ مِنْهُم ذو الجناحَينِ جَعْفَرُ
وزَيـدٌ وعَـبْـدُ اللهِ حِينَ تَتَابَعُوا جَمِيعًــا وأسْبَـابُ المَنيَّـة تَـخْـطُـرُ
غَدَاةَ غَدَوا بالمُؤْمِنِينَ يَقُودُهُمْ إلى الموت مَيمُونُ النَّقِيبَةِ أزْهَـرُ
أغَرُّ كَلَونِ البَدْرِ من آلِ هَـاشِمٍ أبِـيٌّ إذَا سِيـمَ الظُّـلاَمَـة مِـجْـسَـرُ
فَطَاعَن حَتَّى مَاتَ غَيرَ مُـوسَّدٍ بـمُـعْـتَـرَكٍ فِـيـهِ الـقَـنَـا يـَتَـكَـسَّـرُ
فَصَارَ مَعَ المُسْتَشْهِدينَ ثَوَابُهُ جِـنَـانٌ ومـلـتَـفُّ الحدائِقِ أَخضَرُ
وفي رثاء حسَّان بن ثابت رضي الله عنه لخُبيب بن عدي الذي استشهد في يوم « الرَّجيع « ما يفصح عن استذكار تلك المبادئ التي استشهد من أجلها خُبيب ، فهو يلوذ بالصَّبر ؛ ليخفِّف عزاءه ، فاستشهاده مكرمة لا يضاهيها مكرمة ، يقول :
مـا بـالُ عَـيْـنِـكَ لا تَـرْقَـا مَـدامِعُـهـا سَحَّا على الصّدْرِ، مثلَ اللؤلؤ الفَلِقِ
على خبيبٍ، وفي الرحمنِ مصرعهُ لا فــشــلٍ حــيــنَ تـلـقــاهُ ولا نــزقِ
وأخيراً يقول :
صَبراً، خُبيبُ، فإنّ القتل مَكرُمَةٌ إلى جِنَانِ نَعِيمٍ يَرْجِعُ النّفَسُ