هوامش على كتاب (التراث وإشكالياته الكبرى) والردود عليه
د.محمد أحمين
بسم الله الرحمن الرحيم
من المبشرات بإمكانية إصلاح حالتنا العلمية والفكرية، في البيئة الخليجية خصوصا والإسلامية عموما، أن تجد من يكتب، ومن يقرأ ما كتب ثم ينتقده، وهنا أعني مفكرنا البارع الدكتور جاسم سلطان، وأخي الدكتور النبيه نايف الشمري، فالأول كتب (التراث وإشكالياته الكبرى)، والثاني له نقد وإشكالات على الكتاب. ومن حسنات النقد أنه يشجع على قراءة المنقود لاختبارهما معا.
وإذا كان معلوما: أن من “صنف فقد استهدف”، أي جعل نفسه هدفا للنقد والمراجعة، فإن أول شرط في النقد أن نحاكم الكتاب بناء على الهدف الذي رسم له. وقد صرح د جاسم بهدف كتابه في قوله: “والكتاب يهدف إلى توفير أرضية سريعة للقارئ حول أخطر العوائق التي تحول دون بلوغ الأمة غاياتها من خلال معطيات الدين” . وقوله أيضا: “واليوم ونحن نقارب عصرا جديدا لا بد من زيارة التراث بعيون فاحصة لمعرفة كيف أثَّر جزء منه سلبا في حركة الأمة في الماضي وكيف يؤثر اليوم فينا”.
ولهذا فإن المطارحة الفكرية لما جاء في الكتاب تكون وفق هدفه المرسوم: فهو (أرضية) يبنى عليها، وليس معنيا كثيرا ببيان ذلك البناء؛ لأن هذه وظيفة أهل الاختصاص في كل فن وفي كل مجال. وهي (سريعة)، فلا يطيل النفس حتى يبقى الكتاب في متناول القارئ مهما كان مستواه وتخصصه. وهو معني (بأخطر العوائق المنهجية)، التي تعيق حركة الأمة، والتي يفترض أن يستفيد منها الباحثون في تعميق النظر فيها كل في مجال تخصصه.
وسأقوم في هذه الصفحات بالتحشية على عدد من الإشكالات الأساسية للكتاب، في ضوء بعض النقول عن عدد من علماء الشريعة الذين يدعون بنفس الدعوى، مع ربط ذلك بما يتعلق بها من ردود د نايف بشكل مباشر أو غير مباشر.
أولا: ضوابط نقد التراث:
يستمد نقد التراث مشروعيته المبدئية من أن هناك فرقا بين الدين والتدين، والنص والفهم، وأن الدين والنص معصومين، والتدين والفهم غير معصومين، إلا إذا أجمعت الأمة على فهم معيّن، ولم يكن إجماعها مبنيا على مصلحة تغيرت. وقد شنع القرآن على الغفلة عن دراسة أحوال من مضى، وقد ذكر د جاسم قوله تعالى: {أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ} [الأنعام: 156]، وما كثرة القصص عن الماضين في القرآن إلا للاعتبار والادكار والتثبيت. وقد روي نقد الصحابة لبعض تدين التابعين والأوضاع الجديدة التي رأوها مقارنة مع حالهم مع النبي صلى الله عليه وسلم.
ولكن نقد التراث الإسلامي له ضوابط حتى لا يصبح مقصوده الهدم بدل البناء:
1– عدم المساس بالدين والإجماع الثابت وما هو صالح:
وهنا نجد أن د جاسم سلطان مسلمٌ مسلِّم بحرمة الدين، وبالبناء على ما صلح من التراث، وليس إسقاطه كما يدعو العلمانيون، وقال بوضوح:
“إننا نقول هنا إن الدين بمعناه المنقول تواترا من خلال الممارسة العملية ليس عرضة للسؤال، فهو مقطوع به، وهو ما يشكل الإسلام في كل العصور، فالمسلمون اختلفوا فيما لا يحصى من القضايا، ولكنهم بقوا مقرين بجملة الاعتقاد العامة، وبقوا متمسكين ومطبقين لقضايا العبادات الكبرى في الجملة، وبقيت المحرمات الكبرى محرمات.
أما ما أنتجه البشر كأثر للنص من علوم وأدوات، أو من فقه وفهم، فهو ما يحتاج إلى مراجعات، بعضها كبير ولكنه ضروري، حتى نستطيع أن نواصل التقدم، فليس المطلوب إسقاط كل تلك المنجزات، ولكن يجب البناء على الصالح منها، وأن تكون لدينا الجرأة والقدرة على استمرارا البناء حتى نخرج من هذا المأزق التاريخي”.
2– أن يكون النقد ببرهان:
للنقد شرط صحة هو أن يكون ببرهان، وشرط قبول وهو أن يكون بخُلق، فكل من لديه برهان حيَّهلا بنقده، فحتى رب العالمين خاطب الكفار في أربعة مواضع من القرآن مطالبا إياهم بالبرهان على شركهم وعلى ما يزعمون {قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [البقرة: 111]. ولهذا فإن د جاسم حتى لو لم يكن متخصصا في العلوم الشرعية بمعناه الدقيق، لكنه قارئ نهم، ومفكر استراتيجي، فكيف لا يقبل نقده إذا كان مبرهنا، ثم إذا تماهينا مع شرط الاستيعاب، فهذا الشرط لا يتحقق إلا في العلماء الراسخين، وقليل مَّا هم، وطويل مَّا سننتظرهم.
3– أخلاق النقد:
إن نقد التراث إذا كان في محله: وهو الفهم البشري، وبشرطه العلمي: وهو أن يكون ببرهان، وبشرطه الأخلاقي: وهو أن يكون في حدود الأخلاق، والبعد عن محاكمة النيات، وعن الطعن والتجريح والاستعلاء. وهنا نجد د جاسم في كتابه كان عف اللسان، أديبا مؤدبا.
فها هو يقول عندما طرح إشكالية خبر الآحاد عن البخاري: “إن صحيح البخاري رضوان الله عليه كان تتويجا لعمل جبار، استمر عقودا طويلة في تنضيج مناهج محاصرة الروايات وانتهى بجمع كل الأحاديث وتدوينها”.
ويقول عن المفسرين وكتب التفسير: “بين أيدينا جهد ضخم عملت عليه عقول وهمم علمية كبيرة لا شك، فمن عرف جهد شيخ المفسرين محمد بن جرير الطبري (224 – 310هـ)، ومن بعده، يقف إكبارا وإجلالا لذلك العمل الرائع، ولكن كل عمل هو ابن عصره، قوة وضعفا، وابن وعي من أنتجه وتصوره عن الحياة، وبالتالي لا يمكن محاسبة منتج عصر ما بوعي عصر آخر وثقافته”.
ثانيا: من ميزات الكتاب:
–السهولة في الطرح: فالكتاب مصوغ بلغة سلسلة سهلة، يستطيع فهمها المتخصص في علوم الشريعة وغير المتخصص، والمبتدئ والمتوسط والمتقدم. ولا ننتظر من د جاسم أن يكتب بلغة شرعية صارمة كلغة الفقهاء والأصوليين، ولهذا فالتوسع في التعبير هو سمة الكتاب. كما لا ننتظر منه أن يكتب بلغة الأكاديميين؛ لأن الكتاب موجه لعموم الشباب والمثقفين، وبالتالي لا ننتظر من الكتاب أن يكون مكتوبا بمنهجية علمية كتلك التي تكتب بها الرسائل الجامعية، أو كتبت بها العلوم الشرعية المختلفة. وهذه الخاصية جعلت د نايف يحسبها من السطحية في الطرح، وهي لعمري سهولة في الطرح؛ لأن هدف الكتاب كشف الإشكالات المعيقة للنهضة في تراثنا، وليس هدفه إيجاد الحلول لها، فهذا لم يصرح به الكاتب، لأن كشف الإشكالات الجزية العميقة ومعالجتها هي ببساطة من اختصاص أهل الشأن كل بحسب تخصصه. ولهذا ففي أصول الفقه تحدث عن إشكالية تجديده وتطويره، من خلال بيان أن تطوير أصول الفقه واقع تاريخي قد حدث فعلا، وخاصة ظهور مقاصد الشريعة، وذكر بعض الأفكار التي يطرحها بعض علماء الشريعة باختصار شديد، وانتهى إلى أن الباب مفتوح، والأصوليون هم أولى الناس بولوج هذا الباب الذي أثبت أن إشكالات الواقع المعاصر تستدعي تطوير ما يحتاج إلى تطوير، وإضافة ما يمكن إضافته. ولكن د جاسم لم يتقحم فيما يجب تطويره، لأنه ليس معنيا بذلك، وإنما أهل الاختصاص في الأصول والفقه هم المعنيون بذلك.
–النظرة الكلية: الكتاب مرور سريع على أكثر من ألف سنة، وعلى آلاف مؤلفة من الإنتاجات، وهذا اختيار الكتاب وقراره، ولهذا فهو (مقدمة) في الإشكالات الكبرى للتراث، ولهذا فالقضايا العامة هي موضوعه، وهي ما يثيره، أما تعميق البحث فيها، فهذا ما يدعو إليه، ولا يدعي أنه هدف الكتاب، ولا أنه أهل له. ولهذا فأخي د نايف اعتبر هذا الأمر منقصة في الكتاب، ولكنه يكون كذلك لو ادعى أن له هدفا غير إثارة الأفكار الكبرى، ووضع صوى ومنارات لمشاريع تجديدية كما تبدو له من وجه نظره. وقد جاءت “الآجرومية” في النحو بعمومات، ولكن لا غنى عنها للمبتدئ، مع الفرق الكبير طبعا بين النحو والفكر الإسلامي.
–التشويق: فالكتاب لا يتركُك تتركُه حتى تنهيه، فالأفكار مترابطة متسلسلة في المجمل، وهو شبيه بالروايات تشدك فصولها ومشاهدها حتى النهاية. وهذا الأسلوب مفيد لتقريب الأفكار الكبرى للناس، وحتى لا يبقى الفكر محصورا في دائرة صغيرة، وهو يدل على أفكار الكاتب تعتمل في قلبه كما في عقله.
–قاعدة المآلات: د جاسم ينتقد القضايا التراثية بناء على مآلاتها التاريخية، أي بناء على أن حالة التخلف الذي تعيشها الأمة تقف وراءها عوامل ذاتية بناء على القاعدة القرآنية (قل هو من عند أنفسكم)،كما تقف وراءه عوامل خارجية سهلتها تلك العوامل الداخلية. والعوامل الذاتية منها أشياء موجودة في التراث، وهنا يبحث د جاسم عن عوامل القصور تلك التي ساهمت في صناعة التخلف، ولا يعنى بعوامل البناء التي ساهمت في صناعة النهضة كما نبه على ذلك في كتابه. ولهذا عندما انتقد د نايف غياب المنهجية، فاته أن ينتبه إلى أن المنهج التاريخي –المبني على قاعدة المآلات والنتائج، خاصة ما يتعلق بصناعة النهضة– هو عمدة د جاسم، وقد صرح به أكثر من مرة بأسلوبه الخاص.
ثالثا: نماذج من إشكالات الكتاب:
بعد هذه المقدمة أنتقل إلى خمسة من أهم الإشكاليات الواردة في الكتاب.
(1) إشكالية عدم أجرأة القيم والأحكام الإسلامية وتنظيمها ومأسستها :
الإشكال الأساسي الذي تناوله د. جاسم في أسئلة السياسة في الفصل الأول هو عدم تنظيم ومأسسة الحكم وما يتعلق به من اختيار وتنازع.
وما سجَّله د جاسم ورد أيضا على لسان عدد من العلماء. جاء في كتابه (الشورى في معركة البناء) للأستاذ الريسوني بخصوص تنظيم الشورى ومأسستها:
“وفي هذا يقول العلامة الفقيه محمد الحجوي الثعالبي: “ولعدم الشورى المنظمة في الإسلام وقع ما وقع من الفتن والحروب بعد عمر، ليقضي الله أمره. ولا أزال أقول: إنه كان يجول في فكر عمر شيء من ذلك، بدليل تنظيمه لمجلس شورى الخلافة”.
ويتابع الريسوني قائلا: “لو أمكننا أن نتحدث عن ” تاريخ الشورى عند المسلمين”، لوجدنا أن أكبر ثغرة في هذا التاريخ هي أن الشورى لم يقم لها نظام مفصل ومحدد في أي مرحلة من تاريخ المسلمين وفي أي دولة من دولهم، إلا ما قد يكون عابراً واستثنائياً ومحدوداً. ولم تقم لها مؤسسات قارة، كما قامت مؤسسات أخرى للإمارة والإدارة، والزكاة … وغيرها.
فلماذا لم يقم للشورى نظام مفصل ولا مؤسسة قارة؟.
أما العصر الأول فقد تبين أن ذلك لم يكن مطلوباً ولم يكن ملائماً لطبيعة المرحلة. وكان فيه من البداهة والبساطة ومن الصدق والثقة، ما يجعل الشورى قائمة منتظمة وفعالة، ولو بدون نظام محدد ومؤسسة متخصصة.
وإذا كانت هذه التدابير التنظيمية ليس لها وضع شرعي محدد، وليست منصوصاً عليها ولا مأموراً بها على وجه التفصيل والتعيين، فإن الشرع قد تضمن عدداً من القواعد العامة، الحاكمة والموجهة في كل مجال وفي كل وظيفة شرعية. انتهى كلام الأستاذ الريسوني.
ولست أتفق على مع القول بأن اللوم في ذلك يتوجه على عصر الراشدين، كما يفهم من كلام د جاسم، ولكن اللوم في الحقيقة موجه في هذا الموضوع أساسا إلى من تهيأت لهم الظروف، وجهلوا بما يتيحه واقعهم من إمكانات ووسائل موصلة إلى تلك الأحكام والقيم العظيمة، ذلك أن التكليف في الشريعة بحسب الوسع والطاقة، فمن قصر عن وسعه وطاقته فهو مقصر وملوما شرعا. ولهذا نجد الدكتور جاسم نفسه يبين بأن القيم التي جاء بها الإسلام تشكل “حالة انتقال عملاقة في عالم الأفكار، معدة لاستيعاب الإنسان عبر كل مراحل تطوره ونموه المعرفي والثقافي، وبالتالي فإن إنسان الجزيرة اغترف منها بحسب وعائه الحضاري لحظتها، وتمثل بعضها في سلوكه اللاحق، وبقيت هي من حيث طاقتها الإلهامية عابرة للزمان والمكان”.
(2) إشكالية تقصيد وفلسفة الأحكام والقيم الدينية:
هذه من الإشكاليات التي جاءت في الكتاب، حيث ورد قول الكاتب: “ولكن لنا ملحظ بعد كل هذا، أننا بالتأمل في هذه العناوين الكبيرة نستطيع أن نرى أن معظمها بقيت قيما جنينية لم نبحثها حضاريا في عمقها الفلسفي، وغالبا ما تم التعامل مع تجلياتها الخارجية في شكل مفردات الحلال والحرام، وهي مفردات قانونية فقهية، ولم نحولها حتى الآن إلى أول محطة ضرورية وهي بحثها فلسفيا، بحيث تصبح وعيا مستقرا عند النخب، أولا، ثم بين العموم”.
إن التعليل المقاصدي في القرآن الكريم في أكثر من ألف موضع، كما قال ابن القيم في مفتاح دار السعادة، وهو في جميع المجالات، ولكنه يحتاج إلى بحث ومدارسة، والنهج على منواله في تعليل ما لم يعلل، فهل استوفي المسلمون الآثار المقاصدية للأحكام الدينية، ومعلوم دورها في فهم الشريعة، والإقبال عليها، وقد احتجنا قرونا لكي يتبلور علم مقاصد الشريعة مع الشاطبي، وقرونا أخرى، ليأتي ابن عاشور ليكتب لنا في المقاصد الخاصة لبعض أبواب الشريعة وليس كلها، كمقاصد المعاملات، ومقاصد أحكام العائلة.
طبعا يجب أن نفرق بين تقصيد الدين، وبين الفتوى بناء على هذه المقاصد، وللأسف فقد دخل في المقاصد من لا يصلح أن يدخل في شيء، وللأسف كذلك بعض من يهتم بالمقاصد يريد أن ينتصب مفتيا، مع أن هذا مجال وذاك مجال، فللفتوى شروط أهليتها، غير شروط أهلية معرفة المقاصد.
إن تقصيد الشريعة ليس دائما من أجل توظيفه في الفتوى والفقه، بل من أجل توظيفه في قبول الشريعة، وتحسين تدين الناس أفرادا وجماعات، ومن أجل أسلمة المعرفة والعلوم الإنسانية والتطبيقية، وترشيد الممارسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
وقد كتب في هذا الموضوع الأستاذ الريسوني كتابه (مقاصد المقاصد)، حيث تكلم عن الفوائد العلمية والعملية للمقاصد.