ليس سافرَ الغريبُ
يرى أستاذنا الدكتور عباس حسن أن ((هذا الأسلوب صحيح، ولكنه غير شائع في الكلام القديم، فلا داعي لمحاكاته. والفعل والفعل في محل نصب خبر "ليس" واسمها ضمير الشأن، مستتر فيها، طبقا لرأي بعض النحاة، ومنهم ابن مالك... والأحسن في هذا الأسلوب ونظائره "مما يقع فيه فعل بعد "ليس" مباشرة بغير فاصل...." أن تكون هي حرف نفي مهمل، أي: لا يعمل، فليس له اسم ولا خبر. وهذا الإعراب أيسر وأنسب، لأن وقوع الفعل معمولا تاليا مباشرة لعامله الفعل الذي هو من نوعه، قليل جدا في الكلام الصحيح- ولهذا الحكم صلة بما سبق في رقم 1 من هامش ص 547 - وإهمالها في هذه الصورة يوافق لغة تميم التي تهملها في كل الأحوال، وبلغتهم: "ليس الطيب إلا المسك" ولكن لا يحسن اليوم الأخذ برأي تميم، إلا في هذه الصورة التي أشرنا إليها.
ويقول القرطبي في ص 72 من مقدمة تفسيره، في باب: "الرد على من طعن في القرآن"، ما نصه: "إن العرب لم تقل ليس قمت: فأما لست قمت بالتاء فشاذ، قبيح، خبيث، رديء لأن "ليس" لا تجحد "أي: لا تنفي" الفعل الماضي، ولم يوجد مثل هذا إلا في قولهم: "أليس قد خلق الله مثلهم" وهو لغة شاذة...." " أهـ.
واشترط الكوفيون للقياس على هذا الأسلوب دخول "قد" على خبر "ليس" مجاراة للمثال المسموع، ولأن قد " تقربه من الحال)).
ثم خرَّج الأستاذ أن وقوع الفعل الماضي في خبرها صحيح لكنه قليل قبيح، وأن المستحسن أن يكون هذا الماضي مقرونًا بالحرف ((قد)) ليقربه من الحال طبقًا لرأي الكوفيين الذين يشترطون هذا في الماضي خبر ((ليس)).
قلتُ: ليس الأمر على إطلاق الكوفيين المشترطين لأسبقية (قد) للماضي، ضرورة أنه قد جاء في الشواهد الحديثية دخول ليس على (كان) وهي الأصيلة في الماضوية، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: «أَلَيْسَ كَانُوا يُحِلُّونَ لَكُمُ الْحَرامَ فَتَسْتَحِلُّونَهُ , وَيُحَرِّمُونَ عَلَيْكُمُ الْحَلالَ فَتُحَرِّمُونَهُ؟».
وقوله: «لَوْ وضِعَ فِي الحَرَام أَلَيْسَ كانَ عَلَيهِ وِزرٌ؟ فَكَذَلِك إِن وَضَعَها فِي الحَلالِ كَان لَهُ أَجْرٌ».
ومنه: «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: مَرَّ عَلَى مَجْذُومٍ فَخَمَّرَ أَنْفَهُ، فَقِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَلَيْسَ قُلْتَ: «لَا عَدْوَى، وَلَا طِيَرَةَ» ؟، قَالَ: «بَلَى، وَلَكِنِّي أَقْذَرُهُمْ».
وفي حديث عائشة رضي الله عنها: «أَلَيْسَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ؟».
و: «أَلَيْسَ كُنْتَ تَأْمُرُنَا بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَانَا عَنِ المُنْكَرِ؟ قَالَ: كُنْتُ آمُرُكُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَلاَ آتِيهِ، وَأَنْهَاكُمْ عَنِ المُنْكَرِ وَآتِيهِ ".
و «أَلَيْسَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ كَذَا وَكَذَا؟» ، قَالَ: قُلْنَا: نَعَمْ، قَالَ: «فَاصْنَعُوا كَمَا كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ».
بل قد جاء في الشواهد الحديثية ما فيه دخول ليس على الماضي غير (كان)، ومنه:
عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: " مَا أَعْرِفُ شَيْئًا مِمَّا كَانَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قِيلَ: الصَّلاَةُ؟ قَالَ: أَلَيْسَ ضَيَّعْتُمْ مَا ضَيَّعْتُمْ فِيهَا ".
ومنه « أَلَيْسَ حَدَّثْتَنَا أَنَّ الْمَلَائِكَةَ لَا تَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ صُورَةٌ؟ قَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِلَّا رَقْمًا فِي ثَوْبٍ أَوْ ثَوْبٌ فِيهِ رَقْمٌ».
و «أَلَيْسَ تَوَضَّأْتَ وَأَنْتَ تُرِيدُ الْجُمُعَةَ؟، قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: فَأَنْتَ فِي صَلَاةٍ».
و «إِنَّهُمْ تَحَدَّثُوا أَنَّ بِكُمْ جَهْدًا وَهَزْلًا فَأرْمِلُوا ثَلَاثَةَ أَشْوَاطٍ حَتَّى يَرَوْا أَنَّ بِكُمْ قُوَّةً» قَالَ: فَلَمَّا اسْتَلَمُوا الْحَجَرَ رَفَعُوا أَرْجُلَهُمْ، فَرَمَلُوا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: أَلَيْسَ زَعَمْتُمْ أَنَّ بِهِمْ جَهْدًا وَهَزْلًا».
و «أَلَيْسَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا حِلْفَ فِي الْإِسْلَامِ».
و «قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَيْسَ أَخْبَرْتَنَا أَنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ أَكْثَرُ الْأُمَمِ مَمْلُوكِينَ وَيَتَامَى؟».
و «أَلَيْسَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ».
وفي حديث علي رضي الله عنه: «أَلَيْسَ أَمَرَكُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تُطِيعُونِي؟ قَالُوا: بَلَى، قَالَ: فَاجْمَعُوا لِي حَطَبًا».
ومنه " عَجِبْتُ مِنْ مُجَادَلَةِ الْعَبْدِ رَبَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يَقُولُ: يَا رَبِّ، أَلَيْسَ وَعَدْتَنِي أَلَّا تَظْلِمَنِي؟ قَالَ: بَلَى".
ومنه «اقْرَأْ عَلَيَّ» ، قُلْتُ: أَلَيْسَ تَعَلَّمْتُ مِنْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «إِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي».
ومنه " أَلَيْسَ سَمِعْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَزِيدُهُ طُولُ الْعُمُرِ إِلَّا خَيْرًا "؟
إلى غير ذلك مما لا يُحصى كثرة من الشواهد التي جاء فيها الماضي تاليًا لـ(ليس)، وإن كان الأغلب منه وقوع (ليس) بعد همزة الاستفهام، وربما يكون لذلك سرُّ، فقد يقول قائل: إن قرب الاستفهام من الحال جعل لدخول ليس على الماضي وحده مسوغًا.
غير أن ما أقنع به أن دخول (ليس) على الماضي المقترن بـ(قد) هو الأكثر الأفصح باستقراء شواهد العرب، وأن تجرده من (قد) لا يجعل هذا الأسلوب قليلًا قبيحًا كما- ذهب أستاذنا عباس حسن،ومِنْ قبله الكوفيون- غاية الأمر أن نعُدَّه كثيرًا فصيحًا لا دون ذلك...
والنقاش مطروح لمن يُدلي بدلوه وبالله التوفيق.