3- المُسلمونَ في الحَقيقَةِ، وَرَثةُ عُلماءِ المنهَج في التّفكيرِ والتّعبيرِ والعَمَلِ، والأمّةُ أمّةُ مَنهَجٍ، وقد حرَصَ العُلماءُ المسلمونَ
منذ عهودٍ خلَت، ومن خِلالِ ما لا يَكادُ يَنحصرُ من المُؤلّفاتِ والتًّصانيفِ، عَلى تربيةِ الوَعْيِ بالمنهَج وغَرْسِ بُذورِه في النُّفوسِ،
والاستغناءِ عن مناهجِ يونانَ وأرسطو؛ لأنّ الذينَ يَعتمدونَ مناهجَ يونان وأرسْطو إنَّما يعتقدونَ أصالَةَ فكْرِ يونان وأرسطو(1) .
والحقيقةُ أنّ أصالةَ المنهَجِ لا تُلتَمَسُ عندَهُم؛ لأنّ منابِتَ منهجِهم غيرُ منابِتنا وعَقيدتهم غيْرُ عَقيدَتِنا، وإنّما تُلتَمَسُ عند عُلَماءِ
الأصولِ والكَلام، ولا بأسَ أن يُنظَرَ في ثقافةِ أوربّا وحضارتِها فيُنتَقى منها ما يَصلُح ولا يُعارِضُ، ويُتْرَكُ ما يُعارِضُ ولا يَصلُحُ، فَما
كانَت حضارَةُ عُلماءِ الإسلامِ ومناهجُهُم في يومٍ من الأيّامِ صورةً لحضارةِ يونان ومناهجِهم، وما كانَت الأولى جسراً لعبورِ الثّانيةِ،
أو ذَيْلاً لَها، وقد شكّكَ بعضُ القُدَماءِ وعلى رَأسهِم عبد الله بن المُقفَّع في نظامِ الإسلام من خلالِ كتابِه "مَزْدَك" وكتبَ باباً سمّاه
بابَ "برزويْه" لإثباتِ تناقُضِ الأدْيانِ وأنّ اليقينَ يُلتَمَسُ في طريقِ الفلسَفَة؛ ففيها اليقينُ المُطلَقُ والحقّ المُصدَّقُ، بزعمه، واستدَلّ
على دَعْواه بصُوَرٍ من منطقِ أرسطو، وخلفَ من بعدِ ابن المقفع خلْفٌ كثيرُ العدَدِ، ينهجونَ منهجَه، ولكن ظهَرَ مِن بعدِهِم مَن تفرّسَ
في عقيدَةِ "اليقينِ الفلسفيّ المُطلَق" فألفاها مُتهافتةً، وأسّس منهجاً استقْرائياً، لم يعُدْ فيه منطقُ أرسطو قانونَ العقْلِ الذي لا يُردُّ،
فظَهَرَ في تاريخ الثّقافَةِ والمناهجِ عند عُلَماءِ المُسلمينَ مَن انتقدَ ذلِك المنطقَ وبيّنَ تناقُضَه وتَهافُتَ أركانِه، ومنهم شيخُ الإسلامِ
ابنُ تيميّةَ وكثيرٌ من عُلماءِ الفقه والأصولِ و الكَلام .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) تجدرُ الإشارةُ في هذا السّياقِ إلى أنّ مِن النُّقّاد والأدباءِ والباحثينَ مَن أثبتَ قِدمَ الثّقافةِ العربيّةِ – عَقيدةً ومعرِفَةً -
على الثّقافةِ اليونانيّةِ، وأنّ هذا القِدَمَ حقيقةٌ منَ حقائقِ التّاريخ الثّابتِ، غيرَ أنّها حقيقةٌ غريبةٌ مُفاجِئةٌ عندَ كثيرٍ ممّن
يَستكثرونَ على هذه الأمّةِ سبقَها إلى امتلاكِ ثقافةٍ، ولكنّ جهلَ كثيرٍ من الدّارسينَ العربِ المُحدَثينَ بهذه الحقيقةِ
أغربُ؛ فقد بيّنَ الأستاذ عَبّاس محمود العقّاد رحمه الله أنّ مجرّد الاطّلاع على الأبجديةِ اليونانيّة وعلى السفرَيْن الأوّل
والثّاني وهما سِفْر التكوين وسفر الخُروج، وبعد التّثبُّت والتأنّي في اكتشاف هذه الحقيقَة، سيتبيّنُ أنّ الإشاعَةَ الموهومةَ
كثيراً ما تطغى على الحقيقةِ المَكتوبةِ المُسجّلَة، ولا سيَّما الإشاعة المحميّة بالقوّة والجَبَروت والصّولَة، وغير ذلِك
من الأسبابِ التي ساعَدت على انتشارِ الوهم بالسبقِ اليونانيّ وإخمادِ الحَقيقَة بسبقِ الثّقافةِ العربيّة. انظر كِتاب:
"الثّقافَة العربيّة أسبَق من ثَقافة اليونانِ والعبريّينَ"، الأستاذ عبّاس محمود العقّاد، سلسلة المكتبة الثقافيّة (1)،
إصدار وزارة الثّقافَة والإرشاد القوميّ، نشر دار القَلَم، مكتبة النهضة المصريّة، ص:5 وما بعدَها..