البنيــة الإسناديـة المجردة في الفكر النحوي العربي
كتبه: د.صلاح الدين ملاوي، د.ليلى كادة
كلية الآداب واللغات، جامعة محمد خيضر- الجزائر
المصدر: مجلة جيل الدراسات الأدبية والفكرية - مركز جيل البحث العلمي - الجزائر،ع14
تاريخ النشر: 2015م
الملخص:
يسعى المقال المنجز إلى بسط القول في تصورات النحويين للإسناد، باعتباره بنية صورية مجردة سابقة للتعجيم ، تتكهن بمختلف ضروب الأبنية المنجزة ؛ متجاوزًا بذلك ما تواصفه البلاغيون في منظومتهم من علاقة إسنادية منحدرة إلى الجانب الخطابي من الكلام مجراها في الأشيع الأعم الأقوال على مستوى التنجيز. فالطرح يؤسس لمفهوم البنية الإسنادية الإنشائية التي تعدّ بحقّ البنية النحوية الأولى المنشئة للمعاني والمسيّرة لها، فهي تمثّل الدرجة الصفر في سلَّم الأبنية المنجزة.
كما يتوخى البحث المنجز الظفر بتقسيم جديد للإسناد، يتجاوز ما رسخ في المنظومة النحوية، وفشا في مصنفات أربابها، فضلًا عن مساءلة بعض التصورات النحوية الموصولة بالإسناد، كعدهم الفعل مركبًا يؤسس لنواة إسنادية.
يعدّ الإسناد بحق من أهمّ العلاقات الوظيفية المجرَّدة التي تنهض على أساسها الجملة العربية، فهو قرينة معنوية تهدي إلى درك محصول الفائدة، وتقود إلى تحقيق الرباط المركزي بين الوحدات الصرفية في التركيب النحوي المتماسك.
لأجل ذلك اهتم به الدارسون اللغويون القدامى والمحدثون على حدّ سواء، فالتفتوا إليه باحثين وممحصين، وأسبغوا عليه الاهتمام على اختلاف بينهم، بالنظر إلى كونه يؤسس لعلاقة محورية سابقة للتعجيم، تتكهن بجميع ضروب الأبنية المنجزة، فلا يغنى عنها الخطاب اللغوي في جميع تلوُّناته. فقد قال الخليل بن أحمد الفراهيدي: «الكلام سند ومسند، كقولك: عبد الله رجل صالح، فعبد الله سند، ورجل صالح مسند إليه»،[1] وفي المقول إشارة قوية إلى مدى وضوح هذه القرينة المعنوية في تصوره، ليخلفه تلميذه سيبويه، فيعقد للإسناد بابًا يدعوه «هذا باب المسند والمسند إليه»، ويفسّر طرفيه بقوله: «وهما ما لا يغنى واحد منهما عن الآخر، ولا يجد المتكلم منه بدًّا. فمن ذلك الاسم المبتدأ والمبني عليه. وهو قولك: عبد الله أخوك، وهذا أخوك».[2] ويتضح من هذا التعريف قيام الإسناد على جهة ارتباط إحدى الكلمتين بالأخرى على سبيل الإفادة. لكن أهي فائدة الخبر المجتناة من ضروب القول المنجز، والراجعة إلى مساق التخاطب حسب ما يفهم من عبارة البلاغيين، أم هي شيء أدقُّ من ذلك موغل في التجريد، كما يفاد من إشارات كثير من النحويين؟ في المسألة قولان: فَهِمَ بعض الدارسين أنّ مدار الإسناد على الأقوال المنجزة التامة التي يحسن السكوت عليـها ؛ إذ هو بؤرة الجملة ونواتهـا.[3] فلم يتردّد الحاج صالح في إخراج الإسناد من حيّز البنية الصورية إلى الجانب الخطابي التبليغي الدلالي للكلام.[4] ونظيره محمد صلاح الدين الشريف[5]؛ إذ يقول: «وعلى كلّ فلا معنى للإسناد في البنية الإعرابية [التركيبية] المجردة، إذ الإسناد لاتصاله في الاستعمال بدلالة الإخبار صار من مصطلحات الأبنية المنجزة المحيلة على المقام».[6]وقد كان الباحثان مدفوعين بما ألفياه لدى القدامى عامة، والبلاغيين خاصة، من عبارات توحي بهذا المفهوم، وتومئ إليه ؛ منها قول ابن يعيش: «وتركيب الإسناد أن تركب كلمة مع كلمة، تُنسب إحداهما إلى الأخرى […] على السبيل الذي يحسن به موقع الخبر، وتمام الفائدة».[7] ومنه قول الأردبيلي: «والإسناد هو نسبة أحد الجزئين إلى الآخر ليفيد المخاطب فائدة تامة يحسن السكوت عليها».[8]وقد استقرّ هذا المعنى لدى علماء المعاني، لمّا كانوا أعنى بـ«ـتتبع خواص تراكيب الكلام في الإفادة»،[9] فذكروا أنَّ الإسناد حكم، «وهو نسبة أمر إلى أمر بالإثبات أو النفي».[10]
غير أنَّ المحققين من النحاة، لمَّا كانوا معنيين «بتجاوز ظاهر الأمور وواقع الاستعمال بحثًا عن اندراجها في نظام متكامل رغم اختلاف معطياتها، متماسك رغم تنوع مكوناته، أو بوضع جهاز نظري يعقلن ما يبدو فوضويًّا، ويرجع ما هو في واقعه استعمالات فردية في مقامات متباينة ولأغراض مختلفة إلى نمط موحّد يفي بكلّ كلام مهما كانت دواعيه وغاياته، ومهما كان تصرُّف المتكلم فيه»،[11]رأيتَهم فَطِنُوا إلى أنَّ الإسناد مفهوم يختزل الأنشطة الكلامية جمعاء، ويتجاوز مفهوم الخبر والإخبار باعتباره الضرب الأول من ضروب الكلام المنجز، قال الرضيُّ: «وإنّما قال بالإسناد ولم يقل بالإخبار لأنّه أعمّ إذ يشمل النسبة التي في الكلام الخبري والطلبي والإنشائي»،[12] وعليه ابن يعيش بقوله: «وإنَّما عُبِّر بالإسناد ولم يعبَّر بلفظ الخبر، وذلك من قِبَل أنَّ الإسناد أعمُّ من الخبر، لأنَّ الإسناد يشمل الخبر، وغيره من الأمر والنهي والاستفهام، فكلُّ خبر مسند، وليس كلُّ مسند خبرًا».[13]ومن ثمَّة لا يصحُّ اعتبار الإسناد إلاُّ بنية مجردة قابلة للوسم اللفظي على مستوى الإنجاز، «ينعقد بها المعنى النحوي الأوَّل في المستوى المجرَّد الأعمِّ».[14] فهي، لأجل ذلك، شرط في حصول الفائدة ؛ «[...] لأنَّ الفائدة إنَما تحصل بالإسناد».[15] لكنها ليست بذات فائدة يحسن السكوت عليها حيثما وجدت، فهي، على حدِّ عبارة الفاكهي، «كلُّ كلمتين أسندت إحداهما إلى الكلمة الأخرى سواء حصل مع الإسناد فائدة أم لا».[16]
تحقيق القول فيما سبق يظهر أنَّ تعريف سيبويه، حقًا، نصٌّ في قيام الإسناد على أساس من عملية التركيب (التأليف)، وتقطع بذلك عبارة «وهما ما لا يغنى واحد منهما عن الآخر». أمَّا صرفه جهة الإفادة التامة التي يحسن السكوت عليها، فادعاء لا برهان عليه. فمنتهى عبارة «ولا يجد المتكلم منه بدا» الإشارة إلى أنَّ باب الإسناد، بأركانه الثلاثة: المسند إليه، والمسند، ورابطة الإسناد، يمثِّل النواة المجرّدة التي تجمع جميع أضرب الكلام المنجز، فكأنَّما هو العلاقة التركيبية الأولى، وما زاد عليها فمن باب تمدّد العبارة، أو تعدد الإسناد فيها.
ولا شكَّ أنَّ الثقل الدلالي الذي أشربته عبارةُ الإسناد إنَّما مأتاه من سياقات استعمالها. أمَّا العبارة في أصلها الأوَّل، فلا تعني سوى جعل أحد الشيئين متكئا على الآخر،[17] ومبنيا عليه، سواء أحصلت الفائدة أم لم تحصل من هذا الارتباط.
وقد وقف الدارسون، على اختلاف أزمنتهم وتباين مشاربهم، على الرباط الذي تترتب عليه العلاقة الإسنادية، فعبروا عن ذلك بعبارات واضحة دالة على القصد. فقد جلّى الرضي المسألة بقوله: «وذلك أنّ أحد أجزاء الكلام وهو الحكم أي الإسناد الذي هو رابطة، ولا بد من طرفين مسند ومسند إليه»[18]، ويأتي في السياق نفسه قول ابن مالك: «الإسناد عبارة عن تعليق خبر بمخبر عنه، أو طلب بمطلوب منه»[19]، ويجمع هذين المعنيين قول التهانوي: «[الإسناد] نسبة إحدى الكلمتين إلى الأخرى؛ أي: ضمها إليها وتعلقها، فالمنسوب يسمَّى مسندا، والمنسوب إليه: مسندا إليه».[20]
ويمضي على الطريقة نفسها مهدي المخزومي، فيعرف الإسناد على أساس كونه عملية ذهنية تربط المسند بالمسند إليه.[21]
لكنّه يمضى، من جهة أخرى، إلى افتراض أنَّ الجملة العربية كانت تتضمن في استعمالاتها القديمة شيئا من الرابط الإسنادي اللفظي، كان معبرا عنه بفعل الكينونة، بيد أنَّه انقرض في الاستعمال، ولم تحتفظ العربية إلاَّ ببقايا منه، ترشدنا إليه، وتدلنا عليه. من نظائرها قول الشاعرة أُمِّ عَقيل ابن أبي طالب:[22]
أَنْتَ تَكُـونُ مَا جِـدٌ نَبِيـــلُ***إِذَا تَهُّــبُّ شَمْــأَلٌ بَلِيـلُ[23]
ومثله قول الشاعر:[24]
وَمَا كُلُّ مَنْ يُبْدِي الْبَشَاشَةَ كَائِنًا***أَخَاكَ إِذَا لَمْ تُلْفِهِ لَكَ مُنْجِدَا
حيث أجري لفظ الكينونة لمجرد الربط الإسنادي، وليس لوجوده من فائدة أخرى ؛ إذ لو قيل: وما كلُّ من يبدي البشاشة أخوك أو أخ لك، لما سُلب الكلام شيئا من معناه أو دلالته.[25]
بل ويمضي المخزومي إلى أبعد من هذا، مفترضا أنَّ العربية ما لبثت أن أخذت تستغني عن استخدام فعل الكينونة، مستعيضة إيَّاه بضمير الفصل أو العماد «هو»، ولاسيَّما في الجمل الاسمية التي يكون فيها طرفا الإسناد معرفتين، فيجاء بضمير الفصل رفعا للبس، فيصير الكلام نصًّا في الإسناد،[26]كما في قوله تعالى: (( وَالَّلهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ)) وقوله أيضا: ((وَالَّلهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ)).
وقد تعقَّب افتراضه جماعة90 من الباحثين، فأنكروا عليه مقالَته ؛ فذهب أحمد سليمان ياقوت إلى أنَّ اللغات السامية لم تعرف فعل الكينونة باعتباره رابطًا إسناديًّا مطلقًا، وإنَّما مأتي به زائدًا قصد إقامة الوزن لا غير ؛ بدليل وقوعه في شواهد أخرى حيث يتعذر الإسناد، كالذي بين الجارّ والمجرور، والنعت والمنعوت، والمعطوف والمعطوف عليه.[29]
وأرجع كلّ من مصطفى جمال الدين وعثمان أمين القول بالرابط إلى إقحام قضايا المنطق في الدرس النحوي.[30] وارتأى عبد الجبّار توامة أن يحمل كلام المخزومي على محمل التناقض ؛ إذ ذكر هذا الأخير أنَّ جملة «محمد الشاعر» استوفت شروط الإسناد ومتطلباته. فإذا جيء بضمير الفصل، كان الغرض إزالة اللبس، فيصير الضمير لا لغرض الإسناد، بل لتوكيده.[31] وقد أصاب محمد خان؛ إذ لم ير داعيا إلى تخيّل لفظ يدلّ على الإسناد، فالعلاقة معنوية صرف، ليس بالمتكلم اضطرار إلى تمحلّ تقدير رابط لفظي.[32] فـ«ـلا يعدو هذا الرأي أن يكون مجرد افتراض، فلا ينبغي أن نسلم به إذ لكلّ لغة طبيعتها وخصائصها. فإذا وجد لفظ يدلّ على الإسناد في بعض اللغات العالمية، فليس بلازم أن يوجد في جميع اللغات».[33]
حاصل النظر فيما تقدم يظهر أنّ الإسناد في اللغة العربية علاقة ضمنية مجردة في وضعها الأول، قابلة للتعجيم على مستوى الإنجاز، ينشئها الذهن قصد التأليف بين كلمتين أو ما كان في حكمهما، وتعليق إحداهما بالأخرى على نحو يفي بتحصيل الفائدة التي هي معقد الكـلام. فالإسناد، انطلاقا من هذا الفهم، يمثل الدرجة الصفر في سلَّم الأبنية المنجزة، فهو سابق لها، فإذا عُجِّمتْ بنيته صار ضربًا خبريًّا ابتدائيًّا، يمثِّل الدرجة الأولى من درجاته، أي أنَّ الابتداء والإسناد لا يختلفان إلاَّ من حيث اتجاه الأول جهة البنية اللفظية المعجَّمة، واتجاه الثاني جهة البنية المجرَّدة. ولا جرم أنَّ بين البنيتين خيطًا رفيعًا يجب التفطن إليه ؛ فقولك: مسند إليه+مسند،أو مبني عليه +مبني،[34] تعبير منك عن البنية الإسنادية (الجملة)، وتمثيلك بعبارة: محمد كريم، عبارة عن كلام منجز من الضرب الخبري الابتدائي. فهذا وجه الفرق ومحصول الخلاف.
.