mic لمتابعة إذاعة مجمع اللغة العربية اضغط هنا

id card مجمع اللغة العربية بمكة يطلق عضوياته الجديدة
لطلب العضوية:
اضغط هنا

youtube لمتابعة قناة المجمع على اليوتيوب اضغط هنا

 


الانتقال للخلف   منتدى مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية > القسم العام > البحوث و المقالات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
رقم المشاركة : ( 1 )
 
علاء التميمي
عضو نشيط

علاء التميمي غير موجود حالياً

       
رقم العضوية : 2146
تاريخ التسجيل : Oct 2014
مكان الإقامة : الرياض
عدد المشاركات : 725
عدد النقاط : 10
قوة التقييم :
جهات الاتصال :
افتراضي المعجم العربيّ وهويّة الأمّة

كُتب : [ 03-01-2016 - 07:56 PM ]


المعجم العربيّ وهويّة الأمّة([1])
حسن حمزة([*])
يفحص هذا البحث المعجم العربيّ منطلقًا من مقولة إنّ المعجم هو المكان الطبيعيّ الذي يعكس نظرة اللّغة إلى العالم، وهو يعكس أيضا تطوّر اللّغة وتطوّر أهلها .ويتوقّف الكاتب عند نزوع صُنّاع المعاجم إلى "السلفية اللغوية" بإقفال باب التجديد، وذلك بدعوى الحفاظ على فصاحة اللغة ونقائها، وهو ما قاد إلى قطيعة بين المعجم واللّغة التي يعاين مفرداتها، ليحوّل نفسه إلى "مدوّنة ليس فيها إلا الأموات". وتخلص الدراسة إلى أنّ اللّغة العربية تخضع لامتحان عسير بعد احتكاكها بالمستعمر الأوروبيّ السابق ولغاته، وهو الأمر الذي يستدعي ثورةً معجميةً جديدة.
أولا: اللّغة والعالم
في الفلسفة القديمة التي لا تزال رائجةً إلى حدٍّ كبيٍر؛ يسبق الفكر اللّغة، وتُعدّ اللّغة أداةً للتّعبير عن فكر سابقٍ لها ،قائم من دونها، وغير محتاج إليها. فالمعاني قائمةٌ في النّفس، كما يقول ابن رشد في شرحه لأرسطو؛ ولذلك فهي واحدةٌ بعينها للجميع، مثَلُها كمثَل أشياء العالم الخارجيّ التي هي موجودةٌ بأعيانها للجميع. ولا خلافَ فيها إلّا في الألفاظ التي هي تعبيرٌ عن هذه المعاني والأشياء، وفي الخطّ الذي هو صورةٌ للّفظ ([2]).
بيد أنَّ اللّسانيات الحديثة قد سعَت إلى إبطالِ هذا القول، وبيَّنتْ أنَّ العلاقة بين اللّغة والفكر ليست علاقةً يمكن فيها لواحدٍ منهما أنْ يستغني عن صاحبه. كما بيَّنت أنَّ كلماتِ اللّغة ليست مطابقِةً لأشياء العالَم الخارجيّ، مثلما كان يتوهّم الأقدمون؛ وإنّما تقسِّم كلُّ لغةٍ العالم بالطريقة التي ترتضيها([3]). فلا تتساوى الكلمات في لغتيْن؛ بل تحمل كلّ واحدةٍ منها في اللّغة ما لا تحمله الكلمة المقابلِة في اللّغة الأخرى. ولهذا فإنّ ترجمة كلمات لغةٍ من اللّغات بكلماتِ لغةٍ أخرى؛ هي أمرٌ مستحيلٌ على المستوى النظريّ، ولا يكون التّكافؤ مُمكنًا إلّا في الخطاب، بين هذا القولِ وذاك، لا بين كلمات هذه اللّغة وكلمات تلك.
إنْ كانت المعاني واحدةً عند الجميع، كما يقول ابن رشدٍ، وكما تزعم النّظرة التّقليدية السّائدة إلى اللّغة؛ فلا تختلف اللّغات إلّا في أنّ كلَّ واحدةٍ منها تستخدم لفظًا مغايرًا للّفظ الذي تستخدمه اللّغة الأخرى للتعبير عن المعنى نفسه. وهو معنًى موجودٌ بالطّبع، وبالتالي فهو مشترَكٌ بين جميع الأمم؛ وذلك على خلاف الألفاظ التي تتواطأ كلّ أمّةٍ عليها، فتختلف باختلافها. فإنْ سلَّمْنا بهذه المقولة؛ صارت اللّغات جداولَ بالتّسميات، يتكوّن كلّ جدول منها من عددٍ من الخانات التي يوضع في كلّ واحدةٍ منها لفظٌ إزاء لفظِ الخانة الذي في اللّغة الأخرى .ذلك أنّ أصوات اللّغات وتصاريفها، ليست واحدةً، ولم يعُدْ بين المعاجم في اللّغات المختلفة فارقٌ حقيقيٌّ؛ لأنَّ المعاني واحدةٌ بعينها لدى جميع الأمم. فإنْ كان ثمّة فارقٌ، فهو يكمن في وجود خانةٍ في جدول هذه اللّغة، توازيها خانةٌ فارغةٌ في تلك، فيؤتَى بلفظٍ جديدٍ لها قد يبتدعُه أهلُ هذه اللّغة، أو يستعيرونه من اللّغة الأخرى. وهذا أمرٌ واضحُ الفساد، وإنْ تمسَّكَ به كثيرون([4]).
أمّا إنْ كان الأمر على خلاف هذا، كما تقول اللّسانيّات الحديثة؛ فإنّ لكلّ لغةٍ طريقًا في النّظر إلى العالم، تختلف قليلًا أو كثيرًا عن الطريق التي تسلكها اللّغات الأخرى. فلا تختلف الألفاظ بين اللّغات فحسب؛ وإنّما تختلف المعاني أيضًا. ويختلف تناولُ الألفاظ لهذه المعاني في آن واحد؛ فلا يكون المعنى الذي تدلّ عليه لفظةٌ ما في لغةٍ ما مطابقًا -بالضّرورة- تمامَ المطابقة للمعنى الذي تدلّ عليه اللّفظة المقابلةُ في لغةٍ أخرى، وإن كانت بين المعنييْن وجوهُ شبهٍ قد تكون كبيرةً جدًّا .
تَرسم مفردات اللّغة الصّورة التي تقسِّم بها اللّغةُ العالَمَ، وبها تنظرُ إليه. وفي هذه الحالة يُفترَض أن يكون المعجم مكانًا طبيعيًّا تنعكس فيه نظرة اللّغة، أي نظرةُ أهلها، إلى هذا العالَم. ويُفترض أن يكون المعجم أيضًا مكانًا يعكس تطوّر اللّغة وأهلها معًا .
وانطلاقًا من هذا التصوّر لعلاقة اللّغة بالعالَم، ولدور المعجم في رسم ملامح صورته؛ اخترنا النّظر في المعجم العربيّ، لمعرفة مدى مواءمته لحركة المجتمع العربيّ وهويّته وعمليّة الإحياء اللّغويّ فيه.
ثانيًا: المدوّنة الحيّة
وُلد المعجم العربيّ ليسدّ حاجات في المجتمع العربيّ الإسلاميّ النّاهض في القرون الأولى للهجرة. فوُضعت معاجم المعاني، أو معاجم الموضوعات المخصّصة لمجالات الحياة المختلفة؛ مثل الزّرع والنّخل والإبل والبئر والحشرات وغيرها([5]). ثمّ ظهر كتاب العين، للخليل بن أحمد الفراهيدي (المتوفّي في عام 170 أو 175 للهجرة)؛ فكان كتابًا مؤسِّسًا للعمل المعجميّ العربيّ، وتتويجًا لمرحلةٍ نضجت فيها علوم الشّريعة وعلوم اللّسان. وظهرت الكتب المؤسِّسة في هذه العلوم، مثل النّحو واللّغة والفقه والتّفسير([6]). وكان طبيعيًّا أن يضمّ هذا المعجم بين دفّتيه ما وصلت إليه لغة العرب من تطوّر في النّصف الثّاني من القرن الثّاني للهجرة. وآيةُ هذا التطوّر ما جدَّ من مفاهيمَ، وما استقرّ من مصطلحات في هذه العلوم. ولا ريب في أنّ ظهور هذه المصطلحات خيرُ تعبير عن التطوّر الذي عرفه المجتمع العربيّ الإسلاميّ في القرن الأوّل ومنتصف القرن الثّاني للهجرة. وهذا التطوّر الذي عرفه المجتمع على شتّى المستويات؛ أمرٌ وقع الحرص عليه والتمسّك به من جانب القائلين إنّ اللّغة مواضعةٌ واصطلاحٌ. فهم يقولون: إنّ "أبا الأسود الدؤليّ أوّلُ من وضع العربيّة"، وإنّ "الخليل أوّلُ من تكلّم في العروض"، مع ما يستدعيه هذا التطوّر من ابتداع مصطلحات جديدةٍ لم تكن معروفةً؛ مثل مصطلحات النّحو والإعراب والرّفع والنّصب والجرّ والهمز، والطّويل والكامل والمديد من أسماء بحور الشّعر، وغير هذا. يقول ابن درَيدٍ: "وقد وُلدت أسماء في الإسلام لم تكن العرب قبله عارفةً بها، إلّا أنّها غيرُ خارجةٍ عن معاني كلامها ،واستفادة معرفتها؛ إذ كانت على أوضاعها، والمعاني التي تعقِلُها نحو: الكافر، والفاسق، والمنافق (...) إلى كثير من ذلك يطول تعداده"([7]). ولأنّ في هذا الأمر ما فيه من نقضٍ لمقولة التّوقيف؛ فإنّ ابن فارس يقول في الردّ عليهم([8]): إنّه لا يُنكر ما يقولون عن أبي الأسود وعن الخليل، وكيف له أن ينكر ما يقولون؟ لكنّه يضيف إنَّ هذين العِلْمَين، علم العربيّة وعلم العروض: "قد كانا قديمًا، وأتتْ عليهما الأيّام وقلّا في أيدي الناس، ثمّ جدَّدهما هذان الإمامان"([9]).
يقدّم معجم العين للخليل صورةً حيّةً عن اللّغة التي كانت متداوَلةً في أيّامه؛ لأنّ المدوّنة التي يعتمد عليها هي مدوّنةٌ حيّةٌ. فمصادر الخليل في معجمه هي القرآنُ والحديث وأشعار العرب وأمثالهم وأقوالهم في عصره، وفي العصور السّابقة. وما يصحّ عن الخليل بن أحمد في معجمه يصدق على تلميذه سيبويه في الكتاب. فمثل التّلميذ كمثل الشّيخ؛ لا يعود إلى سابقِيه في التّقعيد، وفي استخراج الأصول فحسب، بل يعود إلى معاصرِيه أيضًا .ولهذا تقرأ في كتابه عبارات تدلّ على هذا السّماع الحيّ من أفواه العرب في زمانه، مثل قوله: "فهذا سمعناه من العرب"، و"سألنا العُلْويين والتميميّين"، و"سمعنا العرب تقول"، و"سمعنا العرب يقولون"، و"كلّ هذا على ما سمعنا العرب تتكلّم به رفعًا ونصبًا"([10]). إنّ السّماع عند الخليل كما هو عند تلميذه؛ هو سماعٌ حيٌّ، يأخذ فيه صانع المعجم عن العرب الذين يعيشون في زمانه. فيسمح له هذا السّماع الحيّ بنقل الواقع اللّغويّ في الزّمان الذي يعيش فيه، وبمواكبة ما فيه من تحوّلات. وقد نقل إبراهيم ابن مراد عن كتاب العين عددًا مهمًّا من الأمثلة التي يمكن من خلالها استنتاجُ أنَّ الخليل لم يكن يعتمد على القديم وحدَه، بل كان أيضًا ينقل عن معاصريه ،وينقل لغات الأمصار وما استحدثه أهل هذا البلد أو ذاك من مفردات لم تكن معروفةً قبلَهم. ولهذا ترى الخليل يذكر أحيانًا في معجمه لغات الأمصار؛ مثل العراق والشّام واليمن ومصر، ومفردات تخصّ مُدنًا أو جهات بأعيانها؛ مثل "أهل البصرة"، و"أهل السّواد"، و"أهل حمص"، و"أهل الجوف" من بلاد اليمن .ويَسمح له هذا الاعتداد بلغات أهل الأمصار بأن يسجّل جديدًا لم يعرفه العرب القُدامى ،وإنّما جاء لمواكبة تغيير في عاداتهم، أو شيءٍ ابتدعوه في زمانهم، أو عادةٍ مستحدثةٍ فيهم. فالخليل يذكر -على سبيل المثال لا الحصر- "نَوى العَقوق"؛ "وهو نوًى هشٌّ ليّنٌ رخو المضغة... من كلام أهل البصرة، ولا تعرفه الأعراب في بواديها". كما أنّه يذكر ما استحدثه أهل البصرة في القتال؛ فمن ذلك "الحرّاقات"، وهي "سفنٌ فيها مرامي نيران يُرمى بها العدوّ في البحر بالبصرة، وهي أيضًا بلغتهم مواضع القلّائين والفحّامين"، و"البيّاب"، وهو عند أهل البصرة "السّاقي الذي يطوف عليهم بالماء في أسواقهم". كما أنّه يذكر ما استحدثه أهل الشّام في طعامهم؛ فمن ذلك "الخَذيعة"، وهي "طعامٌ يُتّخذ من اللّحم بالشام"، وما استحدثه أهل مصر في ميدان العمل، فمن ذلك "الوهين"، وهو "رجلٌ يكون مع الأجير في العمل يحثّه على العمل"، وما استحدثته العامّة، فيقول عن المحراب: "والمحراب عند العامّة اليوم: مقام الإمام في المسجد". بل إنّ الكشف الذي قام به عبد العزيز إبراهيم في "معجم الشّعراء في كتاب العين"، يدلّ على أنّ نسبة الشّعر الإسلاميّ -ولا سيّما الأمويَّ منه- لا تقلّ عن نسبة الشّعر الجاهليّ فيه، بل قد تزيد عليها ([11]). وإنّ في الرّجوع إلى هذه الأشعار في العصْرين الإسلاميّ والأمويّ، وفي العودة إلى لغات أهل الأمصار وما استحدثه أهلُ هذا المصِرِ أو ذاك؛ دلالةٌ بالغةُ الوضوح على أنّ مدوّنة الخليل لم تكن تقتصر على ما هو قديمٌ في اللّغة، وعلى أنّها كانت تنقل ما كان سائدًا في ثقافة عصره من قديم ومن جديدٍ.


رد مع اقتباس
 
 رقم المشاركة : ( 2 )
علاء التميمي
عضو نشيط
رقم العضوية : 2146
تاريخ التسجيل : Oct 2014
مكان الإقامة : الرياض
عدد المشاركات : 725
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال :

علاء التميمي غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 03-01-2016 - 07:58 PM ]


ثالثًا: المدوّنة الميّتة
إذا ما انفتحت مدوّنة الخليل على القديم والجديد في اللّغة؛ فإنّ صُنَّاع المعاجم بعده -كصُنّاع كتب النّحو بعد سيبويه- قد أقفلوا الباب أمام عصرهم، وأداروا ظهورهم لكلّ جديدٍ. ذلك أنّهم رأوا أنّ لغة العرب قد اختلطت عليهم بعد اختلاطهم بالأعاجم، وعدّوا هذا الاختلاط أمرًا يطعن في فصاحة اللّغة وصفائها ."ولهذه العلّة فسدت لغاتُ مَن خالَط من الأعراب أهلَ الحضَر؛ لأنّهم سمعوا كلامَ غيرهم، فاختلط عليهم كلامُهم" ([12]).
هكذا أُقفلت عصور الاحتجاج بما يقوله العرب أو ما يُسمع عنهم، وانتهى عصر الرّواية؛ فما عاد ممكنًا أن يقول عالم اللّغة: "سمعنا العرب يقولون"، فإن قال: "سمعت"، فإنّما يسمع ممّن سمع، وإنْ نَقَلَ فإنّما ينقل عمَّن نقَلَ، حتّى ينتهي الأمر إلى العرب في عصور الرّواية. فهذا الأصمعي في أوائل القرن الثالث لا يرفض الاحتجاج بمعاصريه فحسب؛ بل يُعيد النّظر في بعض المتقدّمين من أهل الحواضر ممّن لم يكن الخليل يتحرَّج من الاحتجاج بهم. وهذا ابن الأعرابيّ المعاصر للأصمعيّ، لا يعتدّ بشعر أبي نواس ومن في طبقته؛ لأنّه "من الشّعراء المحدَثين"، كما يقول الزّجاجي([13]). وعلماء اللّغة بعد الأصمعي وابن الأعرابي، لا يتّخذون من شاعر جاء بعد منتصف القرن الثّاني للهجرة مرجعًا، مهْما علا شأنه، وإن كان عالماً باللّغة([14]). وسيظلُّ شاعرُ ذلك العصر، مثلما سيظلّ شعراءُ هذه الطّبقة -التي بدأت ببشّار بن بُرد، ووالبة، وأضرابهما- من المحدَثين مهما امتدّ الزّمان، وطال العهدُ بهم .
إنّ المسألة تتعلّق إذن بالموقف ممّا جدَّ بعد عصر الرّواية، حين اختلط على العرب كلامُهم، كما يقول الزجّاجي .ومن شأن هذا الموقف أنْ يُقفل الباب أمام كلّ جديدٍ في المعجم، وأن يقيم قطيعةً بينه وبين اللّغة التي يزعم أنّه يصف مفرداتها. وبهذه القطيعة، تتحوّل المدوّنة إلى مدوّنةٍ ميّتةٍ؛ لا تعتمد على ما يكتبه العرب وما يقولونه في أشعارهم ومخاطباتهم وعلومهم، بل على ما قاله الأقدمون منهم. فتصبح بذلك مدوّنةً للمدوّنات السّابقة، أي مدوّنةً من الدّرجة الثانية؛ تختلف اختلافًا جوهريًّا عن المدوّنة الحيّة .إنّ أقصى ما يمكن أن يقوم به واضع المعجم بعد الخليل؛ هو أنْ يعود إلى ما عاد إليه الخليل، أو أن ينسخ ما في كتابه العين، وأن يصرف همّه في نسخه إلى أمرين اثنين -لا ثالثَ لهما- يمكنه التّجديد فيهما. وهما:
العودةُ إلى المادةّ القديمة واستخراج ما فيها، ثمّ إعادة ترتيب هذه المادّة اللّغويّة القديمة المنقولة، وتقديمها بحلّةٍ جديدةٍ.
العودة إلى الأشعار والرّوايات والأخبار والأحاديث المنقولة عن الأقدمين، ما نقله الخليل منها، وما لم ينقله؛ فلعلّ فيها ما ليس له ذكرٌ في كتاب العين. ولعلَّ فيها أمرا بدا لواضع المعجم، ولم يبدُ للخليل. وكلّ جديدٍ في هذا المجال، إنّما هو في حقيقة الأمر جديدٌ قديمٌ؛ لأنّه لا يتجاوز زمان الخليل، بل يُعيد النّظر في ما كان قبْله.
جاء في مقدّمة لسان العرب -وهو من أكبر المعاجم العربيّة وأهمّها وأشهرها- على لسان صاحبه ابن منظور: أنّ علّة تأليفه لكتابه ذاك، هي أنّه رأى علماء اللّغة في الكتب التي سبقته "بين رجلين: أمّا من أحسنَ جمعه فلم يُحسن وضْعه، وأمّا من أجاد وضعه فإنّه لم يُجِد جمعَه؛ فلم يُفِد حسنُ الجمع مع إساءة الوضع، ولا نفعتْ إجادةُ الوضع مع رداءة الجمع"([15]).
أمّا إساءة الوضع فلا يعنينا أمرها هنا؛ لأنّها لا تتعلّق بما نحن فيه، وأمّا رداءةُ الجمع فهي بيت القصيد؛ لأنّها ترتبط بجمع المادّة اللّغويّة التي يعتمد عليها المعجم في وصفه. وحين يتحدّث ابن منظور عن رداءة الجمع؛ فإنّه لا يعيب على المصادر التي اعتمد عليها سوء اختيار مدوّناتها، ولا اقتصارها على زمان دون آخر. بل إنّه يعني بالتّحديد أنّ أصحابها قصَّروا في جمع المادّة التي وُجدت في الزّمان القديم. ومثَلُ ابن منظور في القرن الثّامن ،كمثلِ أصحاب مصادره: ابن الأثير الجزري، وأبي السعادات المبارك بن محمد في القرن السابع؛ وابن بريٍّ في القرن السادس؛ وابن سيده في القرن الخامس؛ والجوهري والأزهري في القرن الرّابع. فهو يعود إلى المدوّنة نفسها التي عادوا إليها؛ وهي كلام العرب قبل نهاية القرن الثاني للهجرة. ولا يختلف اللّاحق عن السّابق في أنّه جاء في زمان غير زمانه؛ فجميعهم في هذه المسألة سواءٌ ينقلون عن سابقيهم. وفي هذا يقول صاحب اللسان بصريح العبارة: "وأنا مع ذلك لا أدّعي فيه دعوى، فأقول شافهت، أو سمعت، أو فعلت، أو صنعت ،أو شَدَدْت، أو رحلت، أو نقلت عن العرب العرباء، أو حملت؛ فكلّ هذه الدّعاوى لم يترك فيها الأزهري وابن سيده لقائل مقالًا، ولم يخلّيا فيه لأحدٍ مجالًا، فإنّهما عيّنا في كتابيهما عمّن رويَا..."([16]).
جاء في كتاب الاقتراح في علم أصول النّحو للسّيوطي: "أوّل الشّعراء المحدَثين بشّار بن بردٍ، وقد احتجّ سيبويه في كتابه ببعض شعره تقرُّبًا إليه؛ لأنّه كان هجاه لتِرْكِ الاحتجاج بشعره. ذكرَه المرزُباني وغيره .ونقَلَ ثعلب عن الأصمعي، قال: خُتمِ الشّعر بإبراهيمَ بن هرمةَ، وهو آخرُ الحُجج([17]).
ليس في "الفهارس" التي أعدَّها عبد السّلام هارون لكتاب سيبويه ما يشير إلى استشهاده بشعر بشّار .فإنْ كان ما ذكره صحيحًا؛ فذلك يعني أنَّ في نسخة الكتاب التي بين أيدينا ما سقط منها. على أنَّ الحجّة التي ذكرها من استشهاد سيبويه ببشّار بسبب هجائه له، لا تستقيم بوجهٍ من الوجوه؛ فما عهدنا علماء اللّغة يستشهدون بشعر شاعر لأنّه هجاهم، أو خشيةً من هجائه. وها هم علماء العربيّة على مدى اثني عشَر قرنًا، من أيّام سيبويه إلى أيّامنا، لم يستشهدوا بواحدٍ من شعراء عصرهم. ألم يخفْ أحدهم -وهم ألوفٌ- من هجاء واحدٍ من معاصريهم لهم؟ ثمّ كيف يستقيم أنْ يكون هجاه لأنّه لم يذكره في كتابه، والكتَاب لم يُعرف في أيّام سيبويه؛ وإنّما شهره تلميذه الأخفش، وأشاعه بين النّاس بعد موته؟
على أنَّه إنْ صحَّ ما ذكره المرزباني وغيرُه ممّن نقل عنه السّيوطي هذا الخبر؛ فإنّه يُعدّ حجّةً تُضاف إلى ما ذكرناه من اعتماد الخليل وسيبويه على المعاصرين، على أنَّ المدوَّنة التي يعتمدان عليها هي مدوَّنةٌ حيَّة، يأخذ فيها اللغويّ والنحويّ عن أهل زمانه، ويصف لغتهم لا لغةَ قرون مضت. وتعليل المرزباني وغيره بأنّ الخوف كان باعثًا على الاستشهاد بشعر بشّار، يعني أنّه كان على سيبويه ألّا يذكرَه في شعره، لأنّه من المولّدين الذين لا يُحتجُّ بكلامهم .وهذا يصرف عن سيبويه ما تواضع عليه علماء العربيّة بعده من عدم جواز الاستشهاد بالمولّدين؛ وهو دليلٌ إضافيٌّ على أنّهم هم -لا سيبويه وشيخه- مَن لا يقبل الاستشهاد بغير الأقدمين.
أمّا الجزء الثاني من كلام السّيوطي؛ فهو الذي ينقل فيه قول ثعلب عن الأصمعي: "خُتمِ الشعرُ بابن هرْمة". فقد وُجِد بين الباحثين المعاصرين من يعترِض عليه، ويجعل حدود الفصاحة ممتدّةً حتّى أواخر القرن الرابع الهجريّ. وقد اعتمد الباحثون في تأكيد هذه المقولة على شهادة الأزهري (المتوفّي في عام 370 للهجرة) عن غياب اللّحن عند البدو في البحرين في زمان وقوعه في أسْر القرامطة ([18])، وعلى شهادة الجوهري (المتوفّى في حدود عام 400 للهجرة) في مقدّمة كتاب الصّحاح التي يقول فيها: "أمّا بعد، فإنّي أودعت هذا الكتاب ما صحّ عندي من هذه اللّغة (...) بعد تحصيلها بالعراق روايةً، وإتقانها درايةً، ومشافهتي بها العرب العاربة في ديارهم بالبادية"([19]).
كما اعتمدوا على ما جاء في كتاب الخصائص لابن جنّي في مساءلته للأعراب، وفي امتحانهم قبل الأخذ عنهم .واعتدّوا بشرحه أرجوزة أبي نوّاس وشعر المتنبّي، وبإحالته على هذا الشعر([20])، وبما ورَد في الصّحاح واللّسان من شعراء محدَثين؛ مثل إبراهيم بن إسحاق الموصلي وأبي تمّام في الصّحاح، والشّريف الرضيّ في اللّسان ([21]). وفي هذا المعنى، يقول سعيد الأفغاني عن سكّان البوادي: "فقد استمرّ العلماءُ يدوِّنون لغاتهِم حتّى فسدت سلائقهم في القرن الرابع الهجري" ([22]). ويمضي عبد الرحمان الحاج صالح في الاتّجاه نفسه، حين يقول: إنَّ "دائرة الفصاحة أُقفلت تمامًا في نهاية القرن الرابع الهجري" ([23]).
وعلى الرّغم من أنّ لنا موقفًا مغايرًا في هذا الموضوع؛ فكلّ ما ذُكِر لا يقوم -في رأينا- حجَّةً على الاستشهاد بالمولّدين. فالمتنبّي الذي يكثر ذكره من بينهم، لا يستشهد به ابن جنّي في اللّغة على الرغم من إعجابه به، وكثرة اهتمامه بشعره؛ فهو يقول معتذرًا حين ذكَرَه: "ولا تستنكِرْ ذِكْر هذا الرّجُل، وإنْ كان مولّدًا (...)؛ فإنَّ المعاني يتناهبُها المولّدون، كما يتناهبُها المتقدِّمون. وقد كان أبو العبّاس -وهو الكثير التعقُّب لجِلَّة الناس- احتجّ بشيءٍ من شعْر حبيب بن أوس الطّائي في كتابه في الاشتقاق، لماّ كان غرضه فيه معناه دون لفظِه" ([24]).
لكنَّ المبرِّد -كغيره من علماء العربيّة- لا يذكُرُ المولَّدين إنْ ذكرَهم مستشهدًا بهم؛ وإنّما يذكرهم إعجابًا، بمعنى تناولوه في شعرهم. وليس المعنى من أمور اللّغة، ولا من نحوها وصرفِها. ينقل البغداديّ في الخزانة عن أبي جعفر الأندلسي في شرح بديعيّة رفيقه ابن جابر:
"علوم الأدب ستّةٌ: اللّغة والصّرف والنّحو، والمعاني والبيان والبديع؛ والثّلاثة الأُوَل لا يُستشهَدُ عليها إلّا بكلام العرب، دون الثّلاثة الأخيرة. إذ يُستشهَدُ فيها بكلام غيرهم من المولَّدين؛ لأنّها راجعةٌ إلى المعاني. ولا فرق في ذلك بي العرب وغيرهم؛ فهو أمرٌ راجعٌ إلى العقل. ولذلك قُبلِ من أهل هذا الفنّ الاستشهادُ بكلام البحتري، وأبي تمّام، وأبي الطيّب، وهلمَّ جرّا" ([25]).
وعلى هذا يجب أنْ يُحمل ما يذكره علماء العربية نحوًا وصرْفًا ومُعجمًا عن المولَّدين. وعلى هذا المعنى ينبغي أن يُفهم ما جاء في كتاب الكامل حين ذكر أحد المولَّدين: "قال أبو عليٍّ البصير، واسمه الفضلُ ابن جعفر، وإنْ لم يكن بحجّةٍ، ولكنّه أجاد، فذكرْنا شعرَه هذا لجودته لا للاحتجاج به". وكنّا قد خصّصنا فصلًا من رسالتنا لدكتوراه الدّولة لهذه المسألة، لذلك فإنّنا لن نعود إليها في هذه الدّراسة ([26]).
وليس المحدَثون بأحسن حالًا في معاجم العربيّة بعد الخليل، ممّا هم عليه في كتب النّحو واللّغة. ويمكن أنْ نعتمد على لسان العرب، وهو من أضخم الموسوعات اللّغويّة العربيّة لإثبات ما نقول ."إن تصفُّح أسماء الشّعراء في هذا الفهرس الضّخم، لا بدّ من أن يصيب الباحث بالصّدمة والذّهول؛ إذ يبدو له أنّ الأمّة التي أنجبت آلاف الشّعراء في القرون الأولى قد أصابها العقم". فشعراء العربيّة "المُحْدَثون" على مدى ستّة قرون، من أيّام بشّار بن برد (المتوفّي في عام 167للهجرة) إلى أيّام ابن منظور المتوفّي في بداية القرن الثامن، عام 711 للهجرة) "يغيبون غيابًا شبه كامل في هذا البحر الهائل من أشعار القدماء التي ذكرها صاحب اللّسان. ومُجْمل أشعار المحدَثين في هذا المعجم لا يجاوز ثلاثين بيتًا؛ وهو عددٌ لا يُذكر إذا ما قورن بالآلاف المؤلّفة من الأبيات الواردة في اللّسان".
بيد أنَّ التّدقيق في هذه الأبيات القليلة النّادرة للمحدَثين في لسان العرب، يُظهر أنَّ موقف واضعي المعاجم لم يكن مغايرًا لموقف النحويّين. فهذه الأبيات، على نُدرتها؛ تأتي إمّا تمليحًا وتطريةً في مسألةٍ لا يُحتاج فيها إلى شاهدٍ، وإمّا تأكيدًا على أمر استشهد عليه صاحبُ المعجم بشاهدٍ قديم، وإمّا على سبيل التّمثيل .
هذا في الشّعر. أمّا كُتّاب العربيّة ومنشئوها المبدعون؛ فإمّا أن يغيبوا غيابًا كاملًا عن اللّسان فلا يُذكرون البتّة، مثل الصّابي، والصّاحب بن عبّاد، وأبي حيّان التّوحيديّ، وغيرهم كثُرٌ...؛ وإمّا أن يغيبوا على الرغم من حضورهم في المعجم (مثل المرزباني، والمرزوقي، والمطرزي، وابن حزم، والطّبري)، فلا يُستشهد بالعالمِ منهم لمِا أنشأه وأبدعه، بل لروايةٍ ينقلها، أو لتفسير يذكره. فالحجّة -لماّ تكون هناك حجّة يوردها صاحب المعجم- إنّما هي في الرّواية التي ينقلها العالمِ، وفي التّفسير الذي يذكره عن السّابقين؛ وليس في كلامه هو، أو في ما هو من إنشائه .
"النّاثرون بما ينقلون، جزءٌ من المدوَّنة، لكنّهم ليسوا جزءًا منها بما يُبدِعون"([27]). يقول التفتازاني في التفريق بين هاتَين المسألتين، أي بين ما يرويه المُحدَث عن السّابقين، وما يقوله هو ويُنشِئه: "الحجّة فيما روَوْه لا فيما رأوْه" ([28]). ضيَّق علماءُ العربيّة كثيرًا على أنفسهم في قضيّة الاحتجاج، حين وضعوا قيودًا صارمةً ينبغي لهم ألا يخرجوا عليها؛ فإنْ خرجوا فإنّما يكون هذا الخروج مداورةً ومناورةً في أمثلةٍ نادرةٍ، قد يُعاملُ المثالُ فيها باللّطفِ والصَّنْعة معاملةَ الشّاهد الذي يُحتجّ به. وقد تكون هذه المداورةُ بالشكّ في نسبة البيت إلى شاعر محدَث، أو بالاحتجاج بسكوت علماء اللّغة عن الاعتراض عليه([29]).
ليس في مدوّنات المعجميّين العرب بعد الخليل إذن سماعٌ. وإن كان ثمّة سماعٌ؛ فإنّه نقلٌ عن سماعٍ سابقٍ. وليس فيها نقلٌ عن كتاب أنشأه صاحبه إنشاءً في زمانه بعد عصر الرّواية؛ فكلّ كتاب إنّما هو نقلٌ عن كتاب منقول عن السّابقين. إنّها مدوّنةٌ ليس فيها إلّا الأموات.
أين ما قام به العرب في عصورهم الذهبيّة بعد القرن الثّاني للهجرة؟ وأين أثرُ هذا في لغتهم؟ وكيف استجابت هذه اللّغة لتكون لغة حضارةٍ عربيّةٍ إسلاميّةٍ كبيرةٍ قادت النّهضة الفكريّة في العالم على مدى قرون وقرون؟
أين ما ترجمه العرب من علوم اليونان، وطوّروه في الطبّ والفلسفة والفلك والرياضيّات وغيرها من العلوم ،ثمّ نقله عنهم الأوروبيّون في نهضتهم الحديثة؟ أين ما قيل عن تفنّن هذه الحضارة في طعامها وشرابها؟ أين ما يعبّر عن افتنانها بأزيائها؟ أين هذا الفيض الوافر من الألفاظ التي لا بدّ من أنَّ الحضارة الجديدة قد ولَّدتها؟
لا يوجد في المعجم العربيّ سوى غيضٍ من هذا الفيض، يتمثّل في ما كانت ولادته قبل منتصف القرن الثّاني للهجرة. ومن يبحثْ في بطون المعاجم، يحسبْ أنّ العرب ظلّوا في القرن الثّاني للهجرة لم يتجاوزوه؛ لأنّ الجديد عندهم لم يجدْ له إلى المعجم طريقًا، فهو غير فصيح. وما كان كذلك، فسبيله أن يكون في لغة العامّة، حيث لا رقيبَ ولا حسيبَ، أو في مخاطبات أهل الصّناعات والحِرَف، أو في ما كتب أهل العلوم في الكتب التي تخصّهم .
فإن شئت أن تعرف مصطلحات العلوم، وما أحدثه العرب فيها؛ فعليك بكتبهم، أو بما بقي من هذه الكتب .وإن شئت أن تعرف ما كان يستخدمه أهل الحِرف والصّناعات من أدوات ووسائلَ من خلال الألفاظ التي كانوا يعبّرون بها عن حاجاتهم؛ فعليك أن تتلمّس ما بقيَ منها خارج المعجم. أمّا في المعجم، فلم تتغيّر صورة العرب عبر القرون؛ إذ ليس في لغتهم من جديد.
في أواخر القرن التّاسع عشر الميلادي، وفي عام 1881 تحديدًا؛ نشر المستشرق الهولندي رينهارت دوزي معجمًا سمّاهٍ: Supplément aux dictionnaires arabes، أي المستدرَك على المعاجم العربية ([30])، وهو كائنٌ في أكثر من ألف وسبع مئة ٍصفحة من القطع الكبير .
لم يؤلِّف دوزي معجمًا للعربيّة، بل مُلحقًا يستدرك فيه ما فات المعاجم العربيّة ذكره. من أين أتى دوزي بكلّ هذه المادّة؟ وكيف فات المعاجم العربيّة -على كثرتها وتنوُّعِها واتّساعِها- كلّ هذا الكمّ الهائل الذي يستدركُه عليها واحدٌ من غير أهلِها؟ أهو الجهلُ به أم السّعة في نقله؟
كِلا الأمرين خطيرٌ. والجواب: لا هذا ولا ذاك؛ بل إنّه أخطر منهما الاثنين. إنّه إصرارٌ على حصْرِ لغةِ العرب في ما كانت عليه قبل قرون وقرون. ليس صحيحًا أنّ المعجم العربي سجِلٌّ للغة العرب وتاريخها. فهذا المعجم يجعلها لغةً بلا تاريخ؛ لأنّه لا يسجّل ما ابتدعه أهلها، وما طوّروه، وما تفتّقت عنه عبقريّتهم طوال أكثر من عشرة قرون.
إن بعضَ ما في معجم دوزي يمكن أنْ يُبحثَ عنه في المعجم العربيّ المختصّ؛ غير أنَّ هذا الصّنف أقلُّ شهرةً من المعجم العامّ، لأنّه لم يكن شائعًا إلّا بين جمهور ضيِّقٍ، هو جمهورُ العلماء والمتخصّصين. وتشملُ هذه المعاجم مصطلحات علميّةً وفنّيةً؛ ظهر جلُّها "بعد العصر الذي جُمِعت فيه اللّغةُ الفصحى، ويُسمّى "عصر الاحتجاج"، وقد ارتبط ظهورُ جُلِّ تلك المصطلحات بعلوم وفنون مستحدَثةٍ في الثّقافة العربيّة، فهي علومٌ أعجميّةٌ دخيلةٌ قد انتقلت إلى العربيّة بواسطة التّرجمة. ولذلك عُدَّت المصطلحات التي استُعمِلتْ للدّلالة عليها من المولَّد الذي لا يسمو سمُوَّ العربيِّ الصّريح الفصيح من الألفاظ" ([31])، ولأنّها كذلك فليس من شأن المعجم العامّ أنْ يُسجِّلَها


رد مع اقتباس
 
 رقم المشاركة : ( 3 )
علاء التميمي
عضو نشيط
رقم العضوية : 2146
تاريخ التسجيل : Oct 2014
مكان الإقامة : الرياض
عدد المشاركات : 725
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال :

علاء التميمي غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 03-01-2016 - 08:00 PM ]


رابعًا: مدوّنة المعجم الحديث
بعد أكثر من عشرة قرون من ذلك الزّمان، ها هي العربيّة تخضع لامتحان عسير في احتكاكها بالمستعمر الأوروبيّ ولغاته التي تحمل حضارةً جديدةً تكتسح العالم. ويحلّ ما سُمّي بعصر النّهضة، الذي تواضع أكثر الباحثين على القول إنّه بدأ مع حملة نابوليون بونابرت على مصر. إنّه إعلانٌ فجٌّ، وإنْ كان فيه قدرٌ كبيرٌ من الصحّة. هكذا إذن ،وبلا مُقدّمات؛ يُضغط على المفتاح فيُضاءُ العالَمُ العربي، وينتقل الناس من الظّلمات إلى النّور!
كان على العرب أن يسايروا الحضارة الوافدة، وكان ينبغي أن يتغيّر شيءٌ في عاداتهم وتقاليدهم وعلومهم. ولم يكن ممكنًا أن تبقى العربيّة بمنأًى عن التغيّر، ولا أن يبقى المعجم العربيّ على حاله إلى ما شاء الله. لكنّه لم يكن ممكنًا أيضًا أن يخلع المعجم العربيّ رداءَه ليكتسي رداءً آخرَ.
كانت بوادر التّغيير حييّةً في بادئ الأمر ."ينسخ" محيط المحيط للبستانيّ القاموس المحيط للفيروز آبادي، أو فلْنقُلْ إنّه يُكثر من الاعتماد عليه. و"ينسخ" المنجد للأب لويس معلوف اليسوعي محيط المحيط للبستانيّ. لكنَّ كلَّ واحدٍ منهما كان يعمل على أن يُضفيَ مسحةً من التّجديد على معجمه، وأن يفيد من المعجم الفرنسيّ والإنكليزي في أيّامه. فقد نشرت المطبعةُ الكاثوليكيّة في بيروت -قبل المنجد الذي صدَر في عام 1908- المعاجمَ المزدوجة الفرنسية - العربية( 1857)، والإنكليزية العربية، والفرائد الدرِّرية في اللغتين العربية والفرنسية(1883)، ثمّ في العربية والإنكليزية(1899) ([32]).
غير أنّه لم يكن من المسموح به أن يخترق المعجمُ الحديثُ حدودَ الفصاحة التي أقامها الأقدمون سياجًا يحمي اللّغة من رياح التّغيير؛ فظلّت معاجم العربيّة تستنسخ الماضي، كما ظلّت قواعد النّحو وشواهدُه تستنسخ كتبَ الأقدمين. فهذا الأب لويس معلوف اليسوعي نفسُه، وهو الوثيقُ الصّلة بالمعجم الفرنسيّ؛ يعلِنُ في مقدّمة الطّبعة الأولى لمنجده -وهو معجمٌ مدرسيٌّ ([33]) - تمسّكه بعبارات الأقدمين. فيقول: "وقد تحرَّيْنا ما أمْكننا المحافظة على عبارات الأقدَمين". وليس في هذه المقدّمة إعلانٌ عن جديدٍ يتعلَّق بخطوةٍ على طريق الانعتاق من سيطرة مفهوم الفصاحة وصفاء اللّغة الذي رأيناه عند السّابقين، فإن خَرَجَ على مفهوم الفصاحة وصفاء اللغة؛ كان أكثرَ محافظةً من أولئك السّابقين ."وأغْفَلْنا ذكر ما يمسُّ حُرْمة الآداب من الكلمات البذيئة التي لا يضرُّ جهلُها وقلَّما أفادَ علمُها". كلّ ما في المقدّمة من جديدٍ، هو مرتبطٌ بالشّكل ،حتّى يكون المعجم "قريبَ المأخذ ممتازًا بما عُرفت به المعجمات المدرسيّة في اللّغات الأجنبيّة، من إحكام الوضع ووضوح الدّلالة". و"قد أظهرناه بأدقَّ ما لدينا من الأحرف وأجلاها، ورتَّبْنا صفحاته على ثلاثة أعمدةٍ"، و"قد زيَّنّاه بصور عديدةٍ تمثِّل للعين بعض الأوصاف ،وتقوم مقام الشّروح الطّويلة". أمّا مادّةُ المعجم فلا ذِكْرَ لها في المقدّمة.
يسجّل "التّصدير" الذي كتبه إبراهيم مدكور للطّبعة الأولى من المعجم الوسيط الصادر عن مجمع اللّغة العربيّة في القاهرة صعوبةَ المسألة؛ إذ حاول البستاني والشرتوني والمعلوف تحديث المعجم -على حدّ قوله- "ولكنّهم لم يستطيعوا التخلّص من قيود الماضي، ولم يجرؤوا على أن يسجّلوا شيئًا من لغة القرن العشرين. وما كان لهم أن يفعلوا والأمر يتطلّب سلطةً أعظم، وحجّةً لغويّةً أقوى" ([34]).
لم يكن ممكنًا -في نهاية القرن التّاسع عشر وبداية القرن العشرين- أنْ يتخلَّص المعجم العربيّ من القيود التي كبَّلته أكثر من عشرة قرون، فالإرْثُ ثقيلٌ. ولم يكن ممكنًا أنْ يخرج غيرُ المسلمين، وإن أرادوا ذلك، على تقليدٍ لغويٍّ راسخ في العربيّة، وهي لغةُ الإسلام؛ وبينها وبينه وشائجُ لا يمكن لمن كان من خارج هذا الدّين أنْ يفصلها حتّى لا يُتَّهَم بأنه يشوّهه، خصوصًا إن كان من رجال دين آخَر؟ ثمّ إنّه ليس بوسع فرْدٍ، مهْما علا شأنه ،أنْ يقْطع في أمر خطير كهذا، مخافةَ الشّطَط. كان لا بدَّ إذن من أنْ يتصدّى لهذا العمل جماعةٌ كبيرةٌ من العلماء ،تملك من المكانة اللغويّة ما يسمح لها بالاختيار، وأن تكون هذه الجماعةُ بمنأًى عن الاتّهام؛ أو أنْ تكون -على أقلّ تقدير- قادرةً على ردِّ سهام النّقد التي ستُوَجَّه إليها، وعلى الدّفاع عن نفسِها من الاتّهام بتشويه اللّغة وخيانتها ،وبالخروج على الدّين. وربّما يكون هذا ما عناه إبراهيم مدكور حين قال إنّ تحديث المعجم يتطلّب سلطةً أعظمَ، وحجّةً لغويّةً أقوى .
كان مجمع اللّغة العربيّة -الذي ينصّ البند الأوّلُ من بنود تأسيسه على أنَّه يهدف إلى حماية اللّغة العربيّة- وحدَه قادرًا على ركوب الخطر للقيام بهذه المهمّة؛ لاسيّما أنّه يضمّ علماءَ لا يشكّ النّاسُ في علمهم، وأزهريّين لا يراودُ النّاسَ الشّكُّ في إيمانهم ودفاعهم عن الدّين الحنيف. وقد قام بتلك المهمّة؛ فكان المعجم الوسيط.
خطا المعجم الوسيط خطوةً كبرى حين قرّر أنّ "للُّغة ماضيًا وحاًضرًا، فلها قديمُها الموروث، وحاضرُها الحيّ الناطق، ولا بدّ من أن يلاحَظ ذلك في وضع معجم جديدٍ للّغة العربية"، ولا بدّ من أن "تُثبتَ الألفاظ الطّارئة التي دعت إليها ضرورات التطوّر، وفرضها تقدّم الحضارة ورقيُّ العلم"([35]). وكان من آثار هذه السّياسة ،أنْ جعل المعجم الوسيط إلى جانب اللّفظ العربيّ الفصيح خمسة أصنافٍ أخرى هي: المولَّد للّفظ "الذي استعمله الناس قديمًا بعد عصر الرّواية"، والمعرَّب للّفظ "الأجنبيّ الذي غيّره العرب بالنّقص، أو الزّيادة، أو القلب"، والدّخيل للّفظ "الأجنبيّ الذي دخل العربيّة دون تغيير"، والمجمعيّ للّفظ "الذي أقرّه مجمع اللّغة العربيّة"، والمحدَث للّفظ "الذي استعمله المحدَثون في العصر الحديث وشاع في لغة الحياة العامّة"([36]).
لا ريب في أنّ خطوة مجمع اللّغة العربيّة بالقاهرة تفتح الطّريق أمام ربط المعجم بحياة اللّغة؛ حتّى يكون صورةً صادقةً عنها. وهي تضيِّقُ الهوّة السّحيقة التي كانت تفصل المعجم عن حركة المجتمع وقواه الحيّة. وقد حذا المعجم العربيّ الأساسيّ الذي أصدرته المنظّمة العربيّة للتّربية والثّقافة والعلوم حذو المعجم الوسيط؛ فاعتمد الأصنافَ الخمسة التي جاء بها هذا المعجم إلى جانب اللّفظ العربيّ الفصيح. وأصدر بيتُ المشرق المنجدَ في اللّغة العربيّة المعاصرة، الذي يشير في عنوانه إلى نوعٍ من القطيعة مع المعاجم السّابقة؛ فالمنجد في اللّغة والأعلام (للويس معلوف) هو للعربيّة المتوارَثة في المعاجم، وهذا القادم الجديد (نعني: المنجد في اللّغة العربيّة المعاصرة) هو للعربيّة المعاصرة .
غير أنّ الطريق لا تزال طويلةً أمام المعجم العربيّ الحديث؛ ليكون صورةً حقيقيّةً للواقع العربيّ، فيمثّل حركيّة اللّغة وحيويّتها الظّاهرة. وذلك على الرغم من التّقدير لما قدَّمه كلّ واحدٍ من المعاجم المذكورة في رصْدِ التطوّر اللغويّ في العربيّة. فلقد قامت هذه المعاجم -ولا سيّما الوسيط منها- بعمل هائل يؤسِّسُ لمِا بعده. لكنّ الباحث لا يلبث أن يصحو من صدمة الحداثة الظّاهرة في مقدّمات المعاجم الثلاثة، وفي عنوان المعجم الأخير منها. وليس السّبب في هذا ما في المعجم الحديث من عثرات وعيوب في موادّه، ووسمه، وتعريفاته، وأمثلته وشواهده، وتصنيف معانيه ومستوياته اللّغويّة وسِماته العارضة، وغير هذا ممّا يُعتمد في المعاجم؛ فهذه أمورٌ -على أهمّيتها- لا تعنينا في هذه الدراسة. وإنّما يعود ذلك أيضًا إلى مدوّنة المعجم التي يعتمد عليها في تصنيفه.
تفتح معجمًا فرنسيًّا غير متخصّصٍ، هو معجم روبير الصّغير([37])، في المدخل المخصّص للفظ( zénith) "السَّمْت" ولفظ( nadir) "النّظير"، على سبيل المثال؛ فتقرأ فيه أنّ هاتين اللفظتين في علم الفلك لفظتان عربيّتان دخلتا إلى الفرنسية في القرن الرّابع عشر. فإن بحثت عنهما في المعجم العربي قديمِه وحديثه أعياك البحث؛ لأنّهما من المولَّد الذي جاء بعد عصر الرّواية، وليس من هذا المولّد في المعجم العربيّ الحديث إلّا نزرٌ يسيرٌ.
من حقّ الباحث أن يسأل عن المدوّنة التي يعتمد المعجم العربيّ عليها لاستخراج مادّته ووصفها؛ لأنّه لا يكون صورةً للّغة، إلّا حين تكون مدوّنتُه ممثّلةً لها تمثيلًا صحيحًا، أو أقربَ ما تكون إلى التّمثيل الصّحيح. ولهذا يُفترَض أنْ تُجمَعَ مدوَّنَة المعجم اعتمادًا على عددٍ من المعايير، أهمّها:
أن تكون أصيلةً لم تتعرّض لتغيير أو تحريفٍ.
أنْ تكون ممثّلة تمثيلًا حقيقيًّا للّغةِ التي يُراد وصفُها. نريد بالطّبع تمثيلًا نسبيًّا، لأنّ جمعَ نصوص اللّغة كلِّها من المحال.
أنْ تكون غنيّةً واسعةً؛ ولهذا صار من الصّعب في أيّامنا أنْ يُكتفَى بالنّصوص الورقيّة، وصار لا بدَّ من الاعتماد على ما هو مخزَّن في الحواسيب([38]).
غير أنّ المعجم العربيّ الحديث لا يكاد يعتمد على مدوّنةٍ حقيقيّةٍ تمثّل الواقع اللغويّ الذي يتصدّى لوصفه .وغالبًا ما يُبنى المعجم على المعاجم التي سبقته، فينسخ مداخلَها؛ ثمّ يقوم ببعض التّعديل فيها -حذفًا، أو زيادةً- حتّى تستقيم له مداخله من دون العودة إلى استقراء نصوصٍ يمكن أنْ يعتبرها شاهدًا على اللّغة التي يريد جمع مفرداتها. ويتجلّى غياب المدوّنة، أو غياب مدوّنةٍ حقيقيّةٍ في مظهرَين اثنين:
أوّل مظهر منهما غيابٌ لافتٌ للنّظر لعددٍ كبير جدًّا من المفردات من دون سبب ظاهر؛ فليست هذه المفردات ممّا خرج من التّداول فمات، أو صار من النّادر فلم يجد المعجميّ فائدةً في ذكرِه. إذ أكثر المفردات الغائبة حديثةُ العهد، أو ألفاظٌ قديمةٌ حُمِّلَتْ معنًى حديثًا لم يكن لها من قبل. ويمكن أنْ نمثِّل لهذا النّوع من المفردات بفأرة الحاسب مثلًا؛ وهي بلا شكٍّ أكثر تواترًا في أيّامنا من الفأرة، أي الحيوان الذي هو من رُتبة القوارض، ومن "الفارة، بتخفيف الهمزة: أداةٌ للنجّار يُقشَرُ بها الخشب (محدثة)"([39]). ومثال هذا أيضًا الهاتف المحمول، أو الجوّال، أو النقّال، أو المنقول، أو المتجوّل، أو اللّاسلكيّ، أو الخلويّ، أو غير هذا. وقد بحثنا عنها كلّها في المعاجم فما وجدنا لها أثرًا. ومثلُ هذا أيضًا الشّاحن والفاكس، أو النّاسوخ، والطّابعة، وفلم الكرتون، وغير هذا كثير.
كيف تغيب هذه المفردات عن معجم حديث إن كان يعتمد على مدوّنةٍ حقيقيّةٍ، ولا يكتفي بنسخ مداخل المعاجم السّابقة، وإضافة بعض المداخل التي تخطر بالبال، وحذف بعضها الآخر؟
لا ريبَ في أنَّ لـ المعجم الوسيط عُذرًا في ترْك هذا اللّفظ، وفي ترك كثير غيرِه ممّا شاع في السّنوات الأخيرة؛ فقد صدرت طبعتُه الأخيرة منذ أكثرَ من رُبع قرن من الزّمان. ولكنّ العذرَ أقلُّ في المعجم العربيّ الأساسيّ، وفي المنجد في اللّغة العربيّة المعاصرة، وقد أبصرا النّور بعده بسنوات .
يغيبُ عن المعاجم الثلاثة كثيرٌ من المفردات الحديثة الشّائعة التي لا يستغني مستخدم المعجم العامّ عنها. ويغيب عنها أيضًا كثيرٌ من مصطلحات العلوم والفنون التي دخلت العربيّة حديثًا؛ فهذه سِمةٌ مهمّة من سمات عصرنا ،إذ يُبتدعُ في كلّ يوم عشراتٌ، بل مئاتٌ من المصطلحات العلميّة والفنّية الحديثة، ثمّ لا يلبثُ عددٌ من هذه المصطلحات أنْ يشيع استعمالُه بين عامّة أهل اللّغة، فيتحوّل إلى لفظٍ لغويٍّ عامٍّ لكثرة تداوله .وأكثرُ ما نراه من تحديث في مفردات المعجم العامّ؛ إنّما هو من هذا القبيل.
المظهر الثاني من مظاهرِ غياب المدوّنة، هو غيابُ الشّواهد التي قد تكون خيرَ ما يكشفُ وجهَ المعجم في تعبيره عن الأمّة؛ فليست الوظيفةُ اللّغويّة إلا وجهًا من وجوه استخدام الشّواهد. وقد درس الحبيب النّصراوي وظائف الشّاهد فجعلها أربعًا: لغويّةً، وبلاغيّةً، وثقافيّةً، وأيديولوجيةً([40]).
ليس المعجم كتابًا يجمع بين دفّتيه ألفاظ اللّغة فحسب، وإنّما هو أيضًا كتابٌ يكشف عن ثقافة العصر وذوقه ،كما يكشف عن مواقف صاحبه، ونوازعه ورغباته. ويبدو هذا جليًّا في ما يختاره صاحب المعجم من شواهدَ، وأمثال، وعبارات؛ فقد يميل إلى هذا الشّاعر دون ذاك، وقد يتبنّى موقفًا مذهبيًّا من هذه المسألة، أو من تلك ،فيتجلّى موقفه في ما يأخذ، وفي ما يترُك .
كانت المعاجمُ العربيّة القديمة، وما زالت، كنزًا يزخرُ بمعطيات كثيرةٍ في شتّى مناحي الحياة القديمة. وكان ممكنًا أنْ يستخرِج الباحثُ من خلالها أنماط العلاقات الاجتماعيّة السّائدة، وخيارات صاحب المعجم في الدّين واللّغة والأدب، فضلًا عمّا كان يتداولُه الناسُ في حقول المعرفة، ومجالات العلوم والفنون في عصر الرّواية. تقرأ لسان العرب لابن منظور، فترى فيه هذا الفيض الغامر لحياة العرب في الجاهليّة، وفي صدر الإسلام، شعرًا وخُطبًا وحكايات وأمثالًا، وآيات وأحاديثَ.
وفي الوسيط، عددٌ كبيرٌ من الشّواهد القرآنيّة والأحاديث النبويّة، يحتجُّ بها المعجم في معنى هذا اللّفظ أو ذاك. ولا شكّ في أنَّ هذا الاستشهاد يحيل إلى الاستخدام العربيّ الصّافي للّفظ؛ غير أنّ الوسيط يترك الشّواهد الأخرى ،فلا شواهدَ من أقوال المنشئين العرب لا في العصر القديم، ولا في العصر الحديث، ولا شواهدَ من الشعر العربيّ القديم إلّا في مواضعَ قليلةٍ ([41]). ليس في الوسيط -إذن- شاهدٌ على لفظٍ حديث، ولا على معنًى حادث؛ فليس للمولَّد والمحدَث ما يُستشهَدُ به عليهما. وليس للدّخيل والمجمعي بالطّبع شواهدُ على استعمالهما. فكثيرٌ من هذا الدّخيل والمجمعيّ ألفاظٌ أجنبيّةٌ، أخذتها العربُ لحاجتها إليها في مجالات العلوم والفنون.
ويمضي المعجم العربيّ الأساسيّ على خطى المعجم الوسيط في اعتماده على آيات قرآنيّةٍ، وأحاديثَ نبويّةٍ؛ مبتعدًا عن الشّعر، وعن كتابات المبدِعين في القديم والحديث، ومضيفًا إلى الآيات والأحاديث أمثلةً مصنوعةً، كما هي الحال في مادّة (ث. ق. ل)، فقد جاء فيها:
ثَقَلٌ ج أثقال 1- المتَاع ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إلِى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالغِيهِ إلِاَّ بشِقِّ الأَنفُسِ إنِّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾
(النّحل: 7).
2- الشّيء النّفيس الخطير "إنّي تاركٌ فيكم الثّقَلَين: كتاب الله وعترتي" ([42])، الثَّقَلان: الجنُّ والإنس .﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيّهُا الثَّقَلانِ﴾ (الرّحمن: 31).
ثقِلٌ ج أثقال: 1- الوزن ماديًّا ومعنويًا "ألقت الحكومة السّعودية بكلّ ثقلها وراء المشروع"، رفْعُ / حمْلُ الأثقال: نوعٌ من الألعاب الرياضيّة ،2- الحمل الثّقيل "مهمّة الدّفاع عن الوطن تتطلّب منّا القيام بما يتناسَبُ وثقِلها"،
3- ما يشُقُّ على النفْس من دَيْن أو ذَنْب أو نحوهما ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالهِمِ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ (العنكبوت: 13).
أمّا المنجد في اللغة العربية المعاصرة، فيستغني عن الشّواهد قديمِها وحديثهِا. وهو في هذا يتابع ما في طبعات المنجد السّابقة التي تجري على ما كان قد سنَّه الفيروز آبادي في القاموس المحيط من حذف الشواهد -إلّا ما ندر- رغبةً في الاختصار، وضبْطًا للصّياغة المعجميّة. ويكتفي المنجد في اللغة العربيّة المعاصرة في مقابل هذا الغياب، بتقديم أمثلةٍ مصنوعةٍ على غرار أمثلة المعجم العربيّ الأساسيّ؛ تُفصَّل على قدر ما يحتاج المعجمي إليه .بيد أنّ الأمثلة المصنوعة لا تقوم مقام الشّواهد؛ فليست المُستأجَرةُ كالثّكلَى، ولا يقوم ما يصنعه الفرد الواحد في التّمثيل لمعنًى مقام ما تبدعه الأمّة في تواصلها الحيّ في مقامات الخطاب، وليس ما يصنعه المعجميّ في التمثيل من الخطاب في شيءٍ. إنّه جسدٌ بلا روح.
لا تنطلق المعاجم العربيّة من مدوَّنةٍ، "ولا تدَّعي ذلك، وإنّما تكتفي بادِّعاء تصوير الواقع اللغويّ الحيّ"([43])؛ بل إنّها في أحيان أخرى لا تزعم أنّها تقوم بتصوير هذا الواقع. ولنا في مقدّمة المنجد في اللغة العربيّة المعاصرة دليلٌ على ما نقول؛ فهذا المعجم لا يقول إنّه يعتمد على مدوّنةٍ غنيّةٍ متنوّعةٍ من نصوص العربية المعاصرة في بناء مداخله، بل على المعجمين الثنائيّين اللّذين أصدرتهما دار المشرق: المنجد الإنكليزي العربيّ، والمنجد الفرنسيّ العربيّ. فمداخل المعجم العربيّ إذن في قسم صالح منها؛ إنّما هي الألفاظ العربيّة المعتَمَدة في ترجمة المداخل الإنكليزية والفرنسيّة في المعجمين الثّنائيّين، وليست ألفاظًا مستخرجةً من كلام العرب في مخاطباتها عن طريق استنطاق المدوَّنة، لأنّ في هذين المعجمين، كما تقول مقدّمة المنجد في اللغة العربيّة المعاصرة: "جردًا للمفردات والعبارات التي يحتاج إليها المثقّف الغربيّ ([44]) للتّعبير عن أفكاره ومشاعره"، "ولا نظنّ (والكلام دائمًا لمقدّمة المنجد) أنّ الأفكار والمشاعر هذه تختلف كثيرًا عن أفكار المثقّف العربيّ ومشاعره، في عصر يسير فيه العالم كلّه نحو التوحّد"([45]).
لم يصنع المعجم العربيّ بعدُ مدوّنته التي يجمع فيها كلام العرب، أو ما يمثّل كلام العرب تمثيلًا جزئيًّا. وما دام الأمر على هذه الصّورة، فلن يكون المعجم العربيّ الحديث صورةً حقيقيّةً عن هذه اللّغة، وعن هويّة أصحابها.


رد مع اقتباس
 
 رقم المشاركة : ( 4 )
علاء التميمي
عضو نشيط
رقم العضوية : 2146
تاريخ التسجيل : Oct 2014
مكان الإقامة : الرياض
عدد المشاركات : 725
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال :

علاء التميمي غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 03-01-2016 - 08:01 PM ]



الهوامش:
[*]أستاذ اللسانيات العربية والمصطلح والترجمة في جامعة ليون 2 في فرنسا .
[1]لا نتناول في هذا البحث إلا المعجم العربي اللغوي العامّ الذي ينصرِفُ إليه الوهمُ حين يُذكرُ لفظ (المعجم) دون تخصيص. أمّا ما يُعرف بالمعجم المختصّ فله شأن آخَر .
[2]يقول ابن رشد: "إنّ الألفاظ التي يُنطق بها هي دالة أوّلًا على المعاني التي في النفس، والحروف التي تُكتب هي دالة أوّلًا على هذه الألفاظ. وكما أنّ الحروف المكتوبة، أعني الخطّ، ليس هو واحدًا بعينه لجميع الأمم، كذلك الألفاظ التي يُعبَّر بها عن المعاني ليست واحدة بعينها عند جميع الأمم، ولذلك كانت دلالة هذين بتواطؤ لا بالطبع. وأمّا المعاني التي في النفس فهي واحدة بعينها للجميع، كما أنّ الموجودات التي المعاني التي في النفس أمثلة لها ودالة عليها هي واحدة وموجودة بالطبع للجميع". (تلخيص كتاب العبارة، تحقيق محمود قاسم (القاهرة: الهيئة المصرية العامّة للكتاب ،1981) ، ص57).
[3] Hassan Hamzé , " Logique et Grammaire dans l’Oeuvre d’Averroès ", In : Raif Georges Khoury (éd.), Averroes (1126-1198) oder der Tiumph des Rationalismus, Universitأ¤tsverlag (Heidelberg : C. Winter, 1998), p. 160.
[4] انظر مناقشتنا لمسألة الخانات الشاغرة : ( ولاسيما : ص 24 و 26)
Hassan Hamzé, " Le Kitâb de Sîbawayhi et la Formation de la Terminologie Grammaticale Arabe, pour une Relecture Dynamique ", Revue de la Lexicologie, Tunis, No. 20 (2004).
[5] انظر على سبيل المثال: حسين نصار ،المعجم العربي: نشأته وتطوّره (القاهرة: دار مصر للطّباعة ،1988)، ج1، ص 33 - 175.
[6] يمكن النظر مثلًا إلى: كتاب العين للخليل، والكتاب لسيبويه في النحو، وكتاب الموطّأ للإمام مالك، وكتاب المبسوط لمحمد بن الحسن الشيباني في الفقه، والرّسالة للشافعي في أصول الفقه... إلخ.
[7] جلال الدين السيوطي ،الأشباه والنظائر في النحو، تحقيق عبد العال سالم مكرم، ط1 (بيروت: مؤسسة الرسالة ،1985)، ج 5، ص.152-153.
[8] André Roman, " L’Origine et l’Organisation de la Langue Arabe d’Après le Sâhibî d’Ibn Fâris ", Arabica, tome XXXV (1988).
لا سيّما الصفحات 10-17.
[9] ابِن فارس ،الصاحبي في فقه اللغة وسنن العرب في كلامها، حقّقه وقدّم له مصطفى الشويمي (بيروت: مؤسّسة بدران ،1963)، ص 38.
[10] يمكن الرّجوع إلى واحد من هذه الأمثلة في: كتاب سيبويه، تحقيق عبد السّلام هارون (القاهرة: الهيئة المصرية العامّة للكتاب ، 1971-1977)، ج 3، ص 29. كما يمكن الرّجوعُ إلى هذه الأمثلة وإلى غيرها في النصّ الإلكترونيّ لكتاب سيبويه في القرص المدمج: المرجع الأكبر للتّراث الإسلامي، شركة العريس للكمبيوتر، المملكة العربية السعوديّة.
[11]إبراهيم بن مراد ،"الشاهد والفصاحة في القاموس العربي"، في: المثال والشاهد في كتب النحويّين والمعجميّين العرب، منشورات مركز البحث في المصطلح والترجمة بجامعة ليون2، السلسلة العربية، تحت إشراف حسن حمزة (بيروت: دار ومكتبة الهلال ،2010)، ص 56 - 57.
[12]الزجاجي ،اشتقاق أسماء الله، تحقيق عبد الحسين المبارك، ط 2 (بيروت: مؤسسة الرسالة ،1986)، ص 284.
[13] الزجاجي ،كتاب اللامات، تحقيق مازن المبارك (دمشق: مطبوعات مجمع اللغة العربية ،1969)، ص 15- 16.
[14] انظر ما رواه ابن سنان الخفاجي من تسجيل ابن الأعرابي أرجوزة لأبي تمّام على أنها لبعض العرب القدامى، فلمّا عرف أنّها له رماها ،وما رواه عن إعجاب الأصمعي ببيتين لإسحاق بن إبراهيم الموصلي، فلمّا عرف أنهما له عابهما عليه .سرّ الفصاحة، ط1 (بيروت: دار الكتب العلمية ،1982)، ص 278- 279.
[15] ابن منظور ،لسان العرب (بيروت: دار صادر ،1968)، ج1، ص 7.
[16] المصدر السابق، الصفحة نفسها.
[17] Abderrahmane Hadj Salah, " Linguistique Arabe et Linguistique Générale ", Thèse de Doctorat d’Etat ès Lettres, Université Paris Sorbonne, 1979, Vol. 1, p. 71.
[18] Abderrahmane Hadj Salah " Lingusitique Arabe et Linguistique Generale ", these de Doctorat 'd Etat es lettres, universite pairs Sorbonne,1979,vol.1,p.71
[19] إسماعيل بن حماد الجوهري ،الصِّرحاح، تاج اللغة وصحاح العربية، تحقيق أحمد عبد الغفور عطا، ط 4 (بيروت: دار العلم للملايين ،1990)، ج 1، ص 33.
[20] ) انظر في رسالة دكتوراه الدولة لعبد القاهر المهيري عن ابن جني الفصل الرابع المخصّص لمنهج ابن جني ولا سيّما ص 130- 131 منه.
Abdelkader Mehiri, Les Théories Grammaticales d’Ibn Jinni, (Tunis : Publications de l’Université de Tunis, 1973), Sixième SZérie : Philosophie Littérature- Vol. 5, pp. 130-131.
[21]نصار ،المعجم العربي: نشأته وتطوّره، مرجع سبق ذكره، ج 1، ص 210 -211.
[22]سعيد الأفغاني ،في أصول النّحو (دمشق: مطبعة الجامعة السورية ،1957)، ص 18.
[23]Abderrahmane Hadj Salah, Op. Cit., Vol. 1, p. 72.
[24]ابن جني ،الخصائص، تحقيق محمد علي النجار (القاهرة: دار الكتاب العربي ،1952)، ج 1، ص 24.
[25]عبد القادر بن عمر البغدادي ،خزانة الأدب ولبّ لباب لسان العرب، تحقيق عبد السّلام هارون، ط 3 (القاهرة: مكتبة الخانجي ،1989)، ج 1، ص 5.
[26] Hassan Hamzé, " Les Théories Grammaticales d’Az-Zajjâjî ", Thèse de Doctorat d’Etat ès Lettres, Université Lyon 2, 1987, Vol. 1, pp. 128-151.
[27] حسن حمزة ،"المدوَّنة وقضايا الاستشهاد في المعجم العربي العامّ"، ورقة مُقدّمة أمام اللقاء العلميّ الدوليّ الثاني للقاموسيّة عن: القاموسية والمدوَّنة، تونس 19-21/06/2004، مجلّة المعجمية، تونس، العدد 27 (2012). )تحت الطّبع
[28]البغدادي ،خزانة الأدب، مرجع سبق ذكره، ج 1، ص 7.
[29] حسن حمزة ،"في انقلاب الأدوار بين الشاهد والمثال في التراث النحوي واللغوي العربيّ"، في: المثال والشاهد في كتب النحويين واللغويين العرب، مركز البحث في المصطلح والترجمة بجامعة ليون2، السلسلة العربية، يشرف عليها حسن حمزة (بيروت: دار ومكتبة الهلال). انظر خصوصًا ص 39 - 44.
[30]Reinhart Dozy, Supplément aux Dictionnaires Arabes (Beyrouth : Librairie du Liban, 1991). (reproduction de l’édition originale : Leyde, E.J. Brill, 1881).
[31]إبراهيم بن مراد ،المعجم العلمي العربي المختصّ حتى منتصف القرن الحادي عشر الهجري، ط 1 (بيروت: دار الغرب الإسلامي ، 1993)ص 7
[32]لويس معلوف ،المنجد في اللغة والأدب والعلوم، ط 15(بيروت: المطبعة الكاثوليكية ،1956).
[33]المصدر نفسه.
[34]مجمع اللغة العربية بالقاهرة ،المعجم الوسيط ،ط3 (القاهرة: دار عمران ،1985)، ج1، ص 9.
[35] المصدر السابق، ج 1، ص 10.
[36] المصدر السابق.
[37] Le Nouveau Petit Robert (Paris: Editions Dictionnaires Le Robert, 2004).
[38] انظر في معايير المدونة في حقل من حقول العلم :
Tatiana El-Khoury," La Terminologie Arabe de la Greffe d' Organes" , These de Doctorat, universite Lyon2,2007,pp 25-77
[39] المعجم الوسيط، مدخل: فأر.
[40] الحبيب النصراوي ،"وظيفة الشاهد في القاموس العربي الحديث بين المحافظة والتجديد من خلال المعجم الوسيط والمعجم العربي الأساسي"، في: المثال والشاهد في كتب النحويّين والمعجميّين العرب، مركز البحث في المصطلح والترجمة بجامعة ليون2، السلسلة العربية بإشراف حسن حمزة (بيروت: دار ومكتبة الهلال ،2010، ص 188- 199.
[41]ينظر على سبيل المثال: مدخل (كان)، ومدخل (كي)، في المعجم الوسيط، ففي كلّ واحد منهما بيتٌ هو من شواهد النحويّين ،أمّا البيتان اللذان في مدخل (كمنجة) واللذان أنشدهما الخفاجي صاحب شفاء الغليل، فهما من مرويّاته.
[42]رواه مسلم وأحمد بألفاظ متقاربة
[43]) ) النصراوى ،" وظيفة الشاهد في القاموس العربى...." ، مرجع سبق ذكره ، ص 196
[44]ليس في النصّ خطأ طباعي، ولكن تسويد الحرف الغليظ منّا، لا من المعجم.
[45]) )صبحي حموي التوفر، المنجد في اللغة العربية المعاصرة، ط 1 (بيروت: دار المشرق ،2000)، المقدمة.


رد مع اقتباس
إضافة رد


ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على الموضوعات
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

الموضوعات المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى الردود آخر مشاركة
الحفاظ على اللغة الأمّ حفاظ على الأمّة مصطفى شعبان البحوث و المقالات 0 12-24-2019 07:25 AM
لسان العرب المعجم اللُّغويّ العربيّ الكبير في التراث العربيّ مصطفى شعبان البحوث و المقالات 1 10-22-2018 12:25 PM
الحفاظ على اللغة الأمّ حفاظ على الأمّة شمس البحوث و المقالات 1 03-21-2017 09:05 AM
هل لخيريّة الأمّة من شروط ؟ أ.د عبد الرحمن بو درع مشاركات مفتوحة 0 07-16-2013 05:12 PM


الساعة الآن 09:09 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc. Trans by