التفاعل اللغوي بين اللغة العربية واللغات السامية في صدر الإسلام
"الازدواجية اللغوية بين العربية واللغات السامية"
حين نزل القرآن الكريم في مكة المكرمة، وبدأ الإسلام رحلته -لم يكن بمكة من أهل الكتاب أحد، بل كان مجتمعًا إما كافرًا وإما مسلمًا فقط، وليس بينهما جنس ثالث؛ كالمنافق أو الذمي.
ولذلك كانت اللغة العربية شبه صافية في مكة المكرمة؛ عبارة عن لهجة قريش السائدة آنذاك، واللغة المشتركة الفصحى التي هي شتات متجمع من لهجات شبه الجزيرة العربية كلها أو معظمها، ولم ترد لنا الأخبار عن معرفة أحد من الصحابة في مرحلة ما قبل الهجرة لغةً من اللغات السامية، أما في المدينة المنورة، فقد عرف بعض الصحابة اللغات السامية أو واحدة منها، ويمكن أن نرى ذلك واضحًا من خلال اتجاهات ثلاثة؛ هي:
اختلاف جنس الصحابة:
لم يكن مجتمع الصحابة مجتمعًا من أصل عربي فقط، بل كان فيهم غير العرب؛ مثل: سلمان الفارسي، وصهيب الرومي، وبلال الحبشي.
ولذلك كان كل منهم يحمل لغته الأصلية، وهذا أمر طبعي في أي شخص يتحول من بلده الذي يتكلم لغته الأصلية، إلى بلد آخر لا يستخدم تلك اللغة، وعندئذ تظل اللغة الأولى لغةً أُمًّا، ولا تُمحى من الذاكرة أبدًا رغم وجود لغة ثانية.
وإذا كانت لغة سلمان هي الفارسية، ولغة صهيب هي الرومانية تبعًا لموطنهما الأصلي، فإن ما يهمنا هنا هو لغة بلال الحبشي؛ حيث كانت اللغة الحبشية، وهي من اللغات السامية، ولكن المراجع تسكت عن لغة بلال الأصلية، وهل كان يستخدمها أحيانًا؟ أم حاول نسيانها مع ما كان عليه من دين قبل الإسلام؟
ورغم ذلك فنحن نرجح أنه كان يتكلمها أحيانًا، ولكن غلبة حبه للإسلام ولغته العربية التي نزل بها القرآن الكريم، حال دون ممارسة استخدام اللغة الحبشية، ولعله كان يجد من يتكلم معه بها مثل أبي هريرة الذي رُوِي عنه أنه كان يعرف اللغة الحبشية، يقول الإمام البخاري في ذلك: عن أبي هريرة يقول: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا يُورِدَنَّ مُمرض على مُصح))، وأنكر أبو هريرة حديثه الأول، قلنا: ألم تحدث أنه لا عدوى، فرطنَ بالحبشية.
فجملة: (فرطنَ بالحبشية) تعني أنه تكلم باللغة الحبشية كلامًا لم يفهمه مَن سمِعه مِن الصحابة، ولو عرفوا معنى ما قال، لأوردوه في هذا الحديث، وإذا كان أبو هريرة عربيًّا يتكلم اللغة الحبشية، فمن المرجح أنه تعلَّمها من بلال الحبشي، ولو أنه أسلم قبل هجرة الحبشة، لقلنا: إنه تعلَّمها من أهلها هناك، ولكنه أسلم بعد الهجرة إلى المدينة المنورة، ولم يهاجر إلى الحبشة؛ لأنه ما كان مسلمًا آنذاك.
ويلاحظ أن اللغة الحبشية كانت معروفة لدى بعض القرشيين، بدليل أن الفضل بن العباس بن عتبة بن أبي لهب، كانت جدته حبشية، كما أن الشاعر سحيمًا عبد بني الحسحاس كان يرطن بلكنة أجنبية، فكان يقول:
(أحسنك) بدلًا من (أحسنت)، والكاف هذه هي ضمير المتكلم في الحبشية.
ولكن يوهان فك يرى أن التفاصيل التي وردت عن تلك اللكنة ليست جديرة بالثقة.
اختلاط مجتمع الصحابة بغيره من أهل الكتاب:
اختلط المسلمون الأوائل في المدينة المنورة بغيرهم من أهل الكتاب، وبخاصة اليهود؛ حيث كان في المدينة ثلاث قبائل من اليهود هم بنو قريظة، وبنو قينقاع، وبنو النضير، وذلك عكس مكة المكرمة التي خلت منهم كما بيَّنَّا آنفًا.
وكان هؤلاء اليهود متمسكين بلغتهم العبرية، بوصفها لغة كتابهم المقدس، وهو ما عبَّر عنه يوهان فك بأنهم كانوا ينطقون لهجة تختلف كثيرًا عن لغة السكان الآخرين بالمدينة، بحيث لم تكن مفهومة لهم.
وكثيرًا ما كان يحدث بين المسلمين الأوائل (الصحابة) واليهود - مجادلات كثيرة بشأن العقيدة أو المعاملات أو الحدود، فكان اليهود يستشهدون ببعضٍ مما في كتابهم الذي يُقدسونه، فيقرؤون منه باللغة العبرية، ثم يترجمون ذلك إلى اللغة العربية؛ ليفهمه المسلمون، وفي ذلك يقول البخاري:
عن أبي هريرة قال: كان أهل الكتاب يقرؤون التوراة بالعبرانية، ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تُصدقوا أهل الكتاب ولا تُكذبوهم، وقولوا: آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ)).
وقد تعلم بعض الصحابة اللغة العبرية؛ ربما بالممارسة ومخالطة أهل الكتاب - فيما ذكرنا من شؤون - ومنهم:
• عبدالله بن عتيق الذي كان يرطن باليهودية؛ أي: يعرف العبرية.
• عبيد الله بن جحش الذي كان يقرأ الإنجيل والتوراة.
ولا ندري كيف يقرأ عبيدالله وعثمان الإنجيل والتوراة، هل قرأ كلاهما كلَّ كتاب منهما في لغته الأصلية: الإنجيل بالسريانية، والتوراة بالعبرية؟ أم قرأ كلاهما بالعبرية فقط؟ أم قرأاهما مُترجمين باللغة العربية من خلال ترجمتي الإنجيل، ولكنا نظن أن عبيدالله بن جحش كان يعرف الحبشية؛ لأنه هاجر إلى الحبشة، وظل بها وتفاعَل مع أهلها، لدرجة أنه ترك دينه، وتنصَّر ومات على ذلك، وهو ما يوحي بأنه قد تعلَّم لغتهم؛ كي يقرأ كُتبهم.
الرسائل المتبادلة لنشر الإسلام:
كانت هناك في المرحلة المدنية في الإسلام رسائل من رسول الله صلى الله عليه وسلم وإليه، لنشر الإسلام ودعوة غير المسلمين للإسلام، وكان معظم هؤلاء المدعوين من غير العرب - كالفرس والروم والقبط من أهل الكتاب - ولذلك كان لا بد من الكتابة لهم بلغتهم، وكذا استقبال رسائلهم ومعرفة ما فيها، وهي مكتوبة بلغتهم أيضًا.
ولما كان الرسول الكريم لا يقرأ ولا يكتب، فقد أمر أحد الصحابة أن يتعلم اللغة العبرية؛ ليقوم بالكتابة إليهم، وترجمة ما يكتبونه هم؛ أي: الكتابة والترجمة إليهم، والقراءة والترجمة عنهم، وهذا الصحابي هو زيد بن ثابت، حيث يروي عنه البخاري، فيقول:
عن زيد بن ثابت أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يتعلم كتاب اليهود، حتى كتبتُ للنبي صلى الله عليه وسلم كُتبه، وأَقْرَأْتُه كُتبَهم إذا كتبوا إليه، وفي وراية أخرى أن رسول الله أمره أن يتعلم اللغة السريانية، فتعلَّمْتُها في سبعة عشر يومًا.
ولنا أن نشك في مدة (سبعة عشر يومًا)؛ حيث لا يمكن أن يحيط الفرد بلغة كاملة - صوتًا وصرفًا وتركيبًا ودلالة - في شهرين، ناهيك عن هذه المدة؛ حيث يحتاج تعلُّم لغة أجنبية إلى مدة طويلة قد تصل إلى شهور، ويصاحبها أخطاء كثيرة، ولعله قد تعلم قليلًا مما يفي له بغرض الكتابة في مجال الدعوة إلى الإسلام، وبخاصة الألفاظ الدالة على تلك المعاني الإسلامية، دون غيرها من الألفاظ، كما لا ندري هل تعلَّمها عن طريق معلم، أو بالطريقة الاتصاليةCommunicative Method التي تعنى الاتصال بأصحاب اللغة والاختلاط بهم في بيئتهم اللغوية؛ في السوق والشارع والاجتماعات، وسماع لغتهم وتقليدها حتى إتقانها؟ وربما تكون هذه هي الطريقة التي تعلم بها؛ ذلك لأنه لو كان قد تعلَّمها عن طريق معلم، لأخبرنا هو، أو لأخبرتْ كتب الطبقات عنه، كما لا ندري هل تعلَّمها في صورتها الفصحى، أم في صورة لهجة من لهجاتها؟ ولكن المرجح أنه تعلَّمها في صورتها الفصحى؛ لأنه تعلم لأجل الكتابة والقراءة فقط، وليس لأجل التعامل اليومي مع أصحابها، ومعروف أن لغة القراءة والكتابة هي الفصحى، إذ لو تعلَّمها في صورة لهجة، لكان من الصعب النقل منها أو إليها، لوجود ازدواجية لغوية Bilingualism في اللغة الثانية؛ حيث تطغى اللهجات الاجتماعية للغة الثانية على متعلمها من غير أهلها.
ومع ذلك لم تحفظ كتب السيرة النصوص العبرية التي كانت تُكتب بها تلك الرسائل، وربما كان السبب في ذلك هو عدم معرفة كُتَّاب السيرة والتواريخ للغة العبرية، ولذلك سجَّلوا هذه الرسائل باللغة العربية فقط، ولو أنهم سجَّلوها باللغة العبرية، لكان ذلك مادة جيدة للدراسة المقارنة، ودراسة عملية الترجمة Translation من لغة إلى أخرى في تلك العصور.
مما سبق يتبيَّن لنا أن المجتمع العربي - قبل الإسلام وعند ظهوره - كانت فيه ازدواجية فردية كالتالي:
• بين العربية والعبرية.
• بين العربية والحبشية.
فأما العبرية فقد كانت لغة الأحبار والرهبان الذين كانوا منتشرين في شبه الجزيرة العربية، لسبب ديني، وهو محاولة التنبُّؤ ببعثة الرسول الكريم وظهور الإسلام؛ إذ إن هؤلاء الرهبان والأحباركانوا يهودًا، واستمرت هذه اللغة تتفاعل مع العربية، وبخاصة في العهد المدني - كما وضَّحْنا سابقًا - واستمر التابعون يعرفون العبرية بعد ذلك؛ حيث ترجموا أسماء الأنبياء السابقين.
وأما الحبشية فقد كانت لغة الأحباش الذين اختلط بهم العرب قبل الإسلام في رحلاتهم التجارية إلى اليمن، وبعد الإسلام اختلطوا بهم في هجرة الصحابة إلى الحبشة وإسلام بعضهم كبلال، ورغم أن هجرتَي الحبشة قد اختلط فيهما المسلمون بأهل اللغة الحبشية، فإنهما لم تُثمرَا كثيرًا في مجال التفاعل اللغوي بين العربية والحبشية؛ وذلك لاهتمام المهاجرين إليها بفَهْم الدين الجديد، وتَقوقُعِ أهل الحبشة على أنفسهم ولغتهم ودينهم، وكذلك حالة المهاجرين النفسية السيئة التي كانوا عليها، نظرًا لتعقُّب قريش إياهم، وقلقِهم على إخوانهم في مكة لِما يلاقونه من تعذيب.
أ. د. أحمد عارف حجازي