mic لمتابعة إذاعة مجمع اللغة العربية اضغط هنا

id card مجمع اللغة العربية بمكة يطلق عضوياته الجديدة
لطلب العضوية:
اضغط هنا

youtube لمتابعة قناة المجمع على اليوتيوب اضغط هنا

 


الانتقال للخلف   منتدى مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية > القسم العام > البحوث و المقالات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
رقم المشاركة : ( 1 )
 
دكتور محمد مصطفى الكنز
عضو جديد

دكتور محمد مصطفى الكنز غير موجود حالياً

       
رقم العضوية : 2347
تاريخ التسجيل : Jan 2015
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 4
عدد النقاط : 10
قوة التقييم :
جهات الاتصال :
افتراضي في وداع الْـمَـلِـك (شيخ العربية محمد حماسة)

كُتب : [ 01-15-2016 - 12:51 AM ]


رحمَ اللهُ ابنَ مُـعَـلّـى؛ شَجَانـي - واللهِ - قولُه :

وتَلْجَلَجَ النَّـاعِـي بـــهِ ، فسألْـتُـــهُ عَـــوْدَ الحـديــثِ لَـعلَّـه يَــرْتَــابُ
أَنْـفِـي، ويُـوجِـبُ أنْ يقولَ حقيقةً فِـعْـلَ الشَّفِـيقِ، وغُلِّبَ الإيجابُ
فطَـفِـقْتُ ألْـتَـمِسُ الْعَـزاءَ فَخانَـنِـي نَــفَـسٌ يَـذُوبُ، وأدْمُعٌ تَـنْسَـابُ

كانت السَّنةُ الميلادية في النَّـزْع الأخير، في حين ِكان شيخُنا وأستاذنا العلامةُ الدكتور محمد حماسة عبد اللطيف - على موعدٍ مع مولاه، مُلَـبِّـيًا النداءَ الأقدس، تاركا هذا العالَـمَ الموبوءَ وراء ظَهْره .

هتكَ نبأُ وفاته حجابَ نفسي، أرسل عليها رياحَ الحزن، فعصفتْ بما فيها من نبات وشجر؛ اقتلعَـتْـه اقتلاعا. وما زال الأمر بي حتى وَقَـرَ في الفؤاد الجزَعُ والوَجَعُ، وتكاثف الألم، فردَّ صدري ضيِّقًا حَرَجًا، وظهر معدنُ الطينة البشرية المنتثرة؛ فاستحال ثباتُـها تَـهافُتًا، واستقرارُها زعزعةً، واطمئنانُـها هَياجًا، وأُنْسُها وَحْشةً، وصفاؤُها كَدَرًا . ولعمرُ الله، إن فَقْدَ الأحباب لَـفَـعُـولٌ لهذا كلِّه، ولأكثر منه !!

للهِ أنا !! أراني حائرا حيرانَ !! من أين أبدأ الكتابةَ عن هذا الطَّوْد الباذخ ؟! والخوضُ في سيرة العظماء على البديهة مما يَـشُـقُّ على النَّـفْس، ويتأبَّـى على القلم؛ فهذا وأمثالُه سبيلُه نارُ الرَّوِيَّـة، والفكرةُ الطويلة !!

كيف ؟ ولا مناصَ من البوح؛ فالقلب فاض بما يجد؛ لا الكتمانُ ينهض بِـطَـيِّـه، ولا التجلُّدُ يَقْوَى على كَظْمِه، هذا - والله - هو العذاب الأكبر، ولا مَـفَـرَّ من الإعراب عما في الضمير، فهو أَشْفَى له، وأَقْوَمُ لراحته !!

رأيتُ الرجلَ - أولَ ما رأيتُه - أيام الطَّلَب، في دارة العز- دار العلوم - وأنا إذ ذاك في شَـرْخ الشباب، لا هيئةَ لي في لقاءِ الكُبراء، ومُـحاورةِ العظماء، وقد كانتْ مُكافحةُ هؤلاء السادةِ الملوكِ أشبهَ بالثرى حين يرنو إلى الثريا، وهذه حالٌ يحتاج المرءُ فيها إلى عادةٍ غير عادته، وكلامٍ غير كلامه، بهما يستقيم اللقاء، ويكون الظَّـفَـرُ.

تقع عينُك عليه -أولَ ما تقع- فإذا مَـلِـكٌ عزيز الجانب، وثيقُ الجاه، يَـفيضُ بملامح الفتوَّة، وحبائل المروءة، في رباطة جَأْش، وسكون بالٍ، وجُـموم خاطر، فتمتلئ النفسُ منه مهابة وإجلالا.

وتلمح في عينيه - أولَ ما تلمح – نَـباهةً تلمع، وذكاءً يتوقَّد، ونظرةً تَـخْترقُ حُجُبَ النَّـفْـس، يَـأْنَس له من يراه، فيَـبِـيـنُ عن لِـيـن جانب، ورِقَّـةِ حاشية، قد صَفَتْ روحُه من شوائب الصَّلَف، ومَقابِـح الكبرياء، وتلك أمارةُ النَّسابة، وعلامةُ الشَّرف، وآيةُ الْـحَسب، وسَجِـيَّـةُ أهل البصيرة .

والعالِـمُ الحقُّ ينبسط لطلابه ومُريديه، في سماحة نَـفْس، وخَفْض جَناح، ولا يكون التكلُّف حين يكون، إلا في النفوس المريضة التي تَـجْـبُـرُ نقصَها بالزهو والخيلاء !!

أما إذا تكلم، فما هو إلا اللفظ الحلو الرشيق، كأنه الذهب والياقوت، وما هي إلا الحكمة النادرة، تنزل على مَوات النفوس، نزولَ الماء على ذي الغُلَّـة الصادي، فتُحييها، وتُلامسُ الروحَ فتجلو صدأها، وتصقلُها بعد عَفائها. وآيةُ رضا الله على العبد أن يُـوقِـفَه على مواطن الحكمة، ومواضع الجمال، ومساقط الْـحُسْن.

وكم في محادثة أهل العلم والأدب من تلقيح للعقول، وتسريح لِلْهَمِّ، وترويح للقلوب، وكم في مُـجالستهم مما يُـعِـيـن على الدَّهْر، ويُذلِّـلُ الْـحَـزَن والْـحَـرُون. ومن ظفر بواحد منهم -وهم في زماننا أعزُّ من الكبريت- فقد حَظي بوجه الجمال، ونال عين الرضا .

وللهِ مقالةُ عمر بن عبد العزيز -رضي الله عنه- : والله، إني لأشتري المحادثةَ من عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود بألف دينار من بيت مال المسلمين. فقيل له: يا أمير المؤمنين، أتقول هذا مع تَـحـرَّيكَ وتنزُّهكَ، وشدةِ تَـحفُّظك ؟ فقال : والله، إني لأعود برأيه ونُـصْحه على بيت مال المسلمين بألوف الدنانير.

وقد شاء اللهُ أن يكون الشيخُ قَـدَرَ أُمَّـةٍ، عاقبةُ النبوغِ فيها الصدُّ القبيح، والجفاءُ الفاحش، والتغافلُ عن الثواب؛ أن يكونَ قَدَرَ زمانٍ يتبارى فيه المنافقون لشراء رضا السيد بكل صفراء وبيضاء، زمانٍ الناهضون فيه بأثقال الأمة من النَّـوْكَى، وعمَّت البلوى بأن نَـرى النِّـكْـسَ مُـبْـرِمًـا ناقضًا، رافعًـا واضعًا، باسطًا قابضًا، والغِـمْـرَ متجاوزًا حَدَّه، مُتطاولا إلى ما ليس له، والحقيرَ مُتقحِّمًا ذُرا المناصب، مُتَعاليًا على السادة الأشراف. وتلك آياتُ الخذلان !!

فصلتْه الجامعةُ من عمله؛ لـحُجَّةٍ أَوْهَى من بيت العنكبوت؛ وهي الجمع بين وظيفتين: العملِ بالجامعة، ونيابةِ رئاسة مجمع اللغة العربية، وهذا -لعمر الله- موضعُ محمدة، وموطن مفخرة، تتيه به الجامعة، وتزهو على مثيلاتها، وإذا لم يكن أعضاءُ مجامع اللغة من أساتذة الجامعات، فمن أي وادٍ يكونون ؟!

إن أرواحنا في أزمة، وأمةٌ هذا صنيعُها بنُـبلائها هي أمةٌ كتب الله عليها الحرمان، ورحم اللهُ الشريفَ الرضيَّ :
إذا أنتَ أَفْـنَـيْتَ العَـرانينَ والذُّرَى رمَـتْكَ الليالي من يَـدِ الخاملِ الذِّكْرِ

وما ذاك المصيرُ الذي وَرَدَهُ الشيخُ إلا لأنه أبَـى أن ينام واللهُ ماقِـتٌ عليه، نأى بجانبه أن يقترف ما يَـرْذُل مُروءتَـه، هذا غيرُ معهودٍ بين أحرار الناس، أَبَـى أن يَـنْسُج على مِـنْوال القوم، أو أن يدخل في سَـوادهم، أَبَـى أن يَـجذِبَ رِشاءَهم، أو أن يَغْمِس يَـدَه فيما غمسوا فيه أيديهم من الضَّعَة والْـحَطِّ، حفظ لسانه أن يَـلَـغَ في الحامض، وصان عِـرْضَه أن يخوض فيما يُـزْري به .

وهذا فيه ما فيه من الكُلْفة والمشقة؛ إذ ليس لكلٍّ هذه الْـمُـنَّـة، والفِطامُ عن دار الدنيا صعب، لكن عاقبته السؤدد والمجد؛ وعَهْدُنا بالعظماء أنهم لا يمزجون رقيقا بـخاثر، ولا سَـمِينا بـغَـثٍّ؛ إن الله اصطفاهم لاستخلاص الحكمة، وقيادة قلوب الناس .
ومن جميل قولِ أبي حيانَ التوحيدي – رحمه الله - : "من تَـخَـنَّـثَ وتَـلَـيَّـثَ، لم يكن رجلا ولا امرأة ".

وإنا لنعرف العالِـمَ الصادق إذا رَكِـب جَدَدَ القول من غير تَـقِـيَّـة، وامتطى صهوةَ التصريح من غير تعريض؛ فلا تزاحمُ منكبَه الكناياتُ، ولا تعوقُ نضالَـه التوريةُ، وقد ظفر بالفوز من قطع طمعَه عن الخلق أجمعين .
وقديما قال معاويةُ لأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث - وقد رآه لا يَـلِـي له عَملا، ولا يَـقْـبَـلُ منه عَطِـيَّـةً - : يا ابن أخي، هذه الدنيا؛ فإما أن تَـرْضَـعَ معنا، وإما أن تَـرْتَـدِع عنا !!

وشاء اللهُ أن يكون قَـدَرُه غالبا، لا ينازعه فيه أحدٌ، فيموت الشيخُ واقفا كما تموت الأشجار، صامدا كالجبل الأشمِّ، شامـخا كصهيل الخيول يقتلعُ صمتَ الليل، ويرقد في مثواه الأخير كما يرقد العظماء، ويُطَـوِّف ذِكْـرُه في الآفاق، يُشرِّق ويُغرِّب، يُـتْـهِم ويُـنْـجِد .

وكأني الآن بمن نازعوك ثياب المجد -سيدي- وقد ألقى بهم التاريخُ في مَـزابله، ولقَّـنَـهم أن الصَّعْل الأخرق أبدا لا يُسامق بِبَـاعِه قُـنَـنَ الجبال، كأني بهم الآن يأكلون أصابعَهم من الأسَف، ويَـزْدَرِدون ريقَهم من الندم، على ما فاتهم من النظر في عاقبة ذلك اليوم، الذي أبان عن ضُؤولتهم؛ حين احتشدت هذه الجمهرة المتكاثرة في وداعك، واسْتَـوْفَـزَتْ في موكب رحيلك، لاهجةً بالترحُّم عليك؛ إن هذا -والله- لمن علامات الغنيمة، وبِـشارات حُسْن الخاتمة، ودلائل النُّجْح، وهو أمارةُ من له مع الله أسرار خفية، ومع عباده عادةٌ جاريةٌ على الحب والخير، وحالُ من جُـمِـعتْ له ذخائرُ الشكر، وودائعُ الأجر .

نَـمْ هانئا -سيدي- فهذه مجامعُ القلوب أنتَ مَليكُها، وأقطارُ النفوس أنت سلطانُـها، وتلك آثارك تبعثُ رميمَ العقول، وتوقظُ ناعسَ العيون، تفتح أبواب الْـهِمَّة، وتُـعَـبِّد سُـبُلَ البركة، وهؤلاء طلابك قد ضاق عنهم السَّهْلُ والعَـلَم، ينتجعون من عُشْـبك، ويَـرْتوون من نَـبْـعك، أعانهم الله على فَقْدِك الْـجَلَل، وشفى أكبادهم المقروحة، وأفئدتهم الملتاعة !!

ربِّ، لا تُسْهِمْ وجهَه عندك، ولا تُـزِلَّ قدمَه في حَضْرتك، ولا تَـقْطعْ عنه إحسانَـك ولُطْـفك، واصرفْ عنه غضبك، وسُقْ رحمتَك إليه سَوْقا، واكُـنُـفْه بكرمك ومغفرتك.
ربِّ، ولا تكتبْ علينا الوحشةَ بفقد علمائنا، ولا تكافئْ غفلتَـنا برحيلهم، ولا تُسلِّطْ علينا فسائلَ الناس وأراذلَـهم.


رد مع اقتباس
 
 رقم المشاركة : ( 2 )
عبدالله بنعلي
عضو نشيط
رقم العضوية : 1630
تاريخ التسجيل : Apr 2014
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 6,053
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال :

عبدالله بنعلي غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 01-15-2016 - 09:07 AM ]


من موقع رابطة ادباء الشام :
فمن ليد ترميك من حيث لا تدري؟

بقلم: الدكتور جابر قميحة
komeha@menanet.net
كان الشعر ديوان العرب» فقد حفظ تاريخهم, وأيامهم, وأحوالهم في السلم والحرب, ونقل لنا تضاريسهم العقلية والنفسية والروحية, لذلك كان -ومازال- أشهر وأثري جنس أدبي في حياتهم.
وكان الشعر من أقوي الأسلحة في الدفاع عن الإسلام, وكم دعا النبي صلي الله عليه وسلم لحسان بن ثابت وأثني عليه, ويُروي عنه قوله عن الشاعر الشهيد عبد الله بن رواحة «إن أخا لكم لا يقول الرفث هو عبد الله بن رواحة».
وكان عمر بن الخطاب يتمني لو كان شاعرًا حتي يرثي أخاه الشهيد زيد بن الخطاب كما رثي متمم بن نويرة أخاه مالكًا.
ومن أقواله في تقدير الشعر:
- ارووا من الشعر أعفه, ومن الحديث أحسنه...
- وكتب إلي أبي موسي الأشعري: مر من قًبلَك (عندك) بتعلم الشعر, فإنه يدل على معالي الأخلاق, وصواب الرأي, ومعرفة الأنساب.
- ومما قاله لابنه عبد الرحمن: ...واحفظ محاسن الشعر يحسن أدبك.. فمن لم يحفظ محاسن الشعر لم يؤدًّ حقًا, ولم يقترف أدبًا.
والشعراء يتفاوتون في مستوي أشعارهم, بل إن أشعار الشاعر الواحد تتفاوت في مستواها قوة وقدرة وتأثيرًا, تبعًا لمدي انفعال الشاعر بموضوعه, ومعايشته تجربته الشعورية وغير ذلك مما لا يتسع المقام لبسطه.
الشعر الخالد...
ومن الأشعار ما يخلد علي الزمان, فلا يبلَي, ولا يفقد قدرته وبريقه وتأثيره, فكأنه نظم اليوم, وهو الذي وُلد من ألف عام, أو يزيد, ويسير ويلهج به الناس مثلاً ساحرًا, وحكمة قوية الجذب والتأثير.
ومن هذا الشعر الخالد هذان البيتان للشاعر الشريف الرضًيًّ (359 - 406 هـ) يخاطب بهما الطاغية:
إذا أنت أفنيتَ العرانينَ والذُّرا
رمتٍك الليالي من يدً الخاملً الذكٍرً
وهبكَ اتقيتَ السهمَ من حيثُ يُتقي
فمن ليد ترميكَ من حيث لا تدري?
(والعرانين جمع عرٍنين: وهو أعلي الأنف. والذّرا جمع ذروة وهي القمة. ويقصد الشاعر بالعرانين والذرا: كرام الناس وأشرافهم وأعزتهم).
وخلاصة المعني: أيها الطاغية الجبار المفتري, إنك إذا قضيت علي معارضيك من أصحاب الإباء والشمم والشرف, انتقم الله منك بيد واحد من المغامير غير المشاهير. وقد تأخذ حذرك, وتحيط نفسك بقوة هائلة تمنعك وتحميك. ولكن قد تأتيك الضربة القاصمة من «ثغرة» لم تخطر لك علي بال, من يد ترميك من حيث لا تدري. ومن حيث لا تتوقع
سر الخلود...
وهما بيتان خالدان لا يبليان علي الزمن, وسر خلودهما:
1- أن ناظمهما شاعر نبيل شريف صادق الوجدان, ثري الفكر, موسوعي الثقافة من ذوي النخوة والشرف والمروءة والإباء وعزة النفس, لا تناقض أقواله أفعاله وأخلاقياته.
2- براعة التصوير والتعبير دون إسراف وإغراق.
3- تواتر «الحدث» وتكرُّره في كل العصور: فلا يخلو عهد من طاغية متجبر, يقضي علي كل من يقف في وجهه, مهما كان علمهم, ووضوح منهجهم, ونبل مقاصدهم. ثم تكون النهاية القاصمة الحاسمة للطاغية, التي قد تتحقق بيد مغمور لا يخطر علي بال, ولا مكانة له في المجتمع, ولا مكان له في التاريخ.
كلمة التاريخ..
ومضمون البيتين حُكم يمثل واقعًا مطردًا متكررًا علي مدار التاريخ كما أشرت آنفًا. والوقائع أكثر من أن تُحصي كشواهد علي اطراد هذه الوقائع, ونكتفي بالقليل منها:
ومن أشهرها ما حدث ليوليوس قيصر (120 ق. م - 44 ق. م) السياسي الروماني والقائد العسكري الفذ, وقد تولي القنصلية (وهي أعلي المناصب آنذاك) وكانت دورته القنصلية تنتهي في مارس 49 ق. م. ولكنه أصر علي ترشيح نفسه ثانية, فاعترض مجلس الشيوخ (السناتو) لمخالفة ذلك للقانون. فشرّدهم, وطاردهم, وأراد أن يثبت قدراته العسكرية, فسيطر علي روما, واكتسح اليونان, وشمال أفريقيا وإسبانيا. وأخذ يتطلع إلي أن ينصّب نفسه ملكًا, ولم ير فيه العالم «إلا طاغية من الطراز الإغريقي». ثم كانت نهايته «بيد طعنته من حيث لا يدري», نعم لم يخطر علي باله أن تكون نهايته بطعنة غادرة من «بروتس» الذي قرّبه إليه, وأخلص المحبة له. ويقال إنه لما اكتشف أن طاعنه هو صديقه «بروتس» قال قولته المشهورة «حتي أنت يا بروتس» فصارت مثلا يُضرب للصديق الذي يغدر بصديقه دون توقع (انظر الموسوعة العربية الميسرة ص 1411 - 1412).
مصرع أُمية وفرعون العرب
كان أمية بن خلف من زعماء كفار مكة, ولما أسلم عبده «بلال بن رباح» أذاقه كل ألوان العذاب, ومنها إلقاؤه معرًّي في صحراء مكة, ووضع الحجارة المحماة علي صدره, وإغراء الصبيان به, ولكنه تمسك بعقيدته, وهاجر مع المسلمين إلي المدينة.
ولما زحف جيش الكفار لقتال المسلمين في بدر كان أمية بن خلف يتولي -ومعه بضعة من الكفار- إطعام الجيش والإنفاق عليه. وبعد انتصار المسلمين رآه بلال -ولم يعرفه إلا هو- وكان معه ابنه فصرخ بلال: يا معشر الأنصار: أمية ابن خلف رأس الكفر لا نجوتُ إن نجا, فصرعه المسلمون هو وابنه. وبذلك رماه الله برجل «خامل الذكر» في نظر الكفار.
وبعد تحقيق النصر أمر النبي صلي الله عليه وسلم المسلمين بحفر قليب (حفرة كبيرة) لدفن جثث الكفار. وكان أمية شحيمًا لحيمًا فتورمت جثته ونتنت, وحاول المسلمون حمله لإلقائه في هذا القبر الجماعي, فوجدوا أعضاءه قد تفككت, وكأنما أراد الله سبحانه وتعالي أن يُري المسلمين فيه آية. ومن إنسانية النبي صلي الله عليه وسلم أنه أمر أن يبقي مكانه, ويُحجّر عليه (أي يبني علي جثمانه قبر من حجر حتي لا يكون طعامًا للوحوش).
أما فرعون الأمة فهو أبو جهل (عمرو بن هشام) فهو الذي قاد جيش الكفار إلي بدر. وكان هدف هذا الجيش هو تخليص أو حماية القافلة التجارية الضخمة العائدة من الشام, وعليها أبو سفيان, ولكن القافلة أفلتت من يد المسلمين. ومن ثم لم يعد أمام أبي جهل وجيشه مبرر لمواصلة السير والقتال, ولذلك نصحه بعض عقلاء الكفار بالعودة إذ لا مبرر للقتال. فرفض أبو جهل بصلافة وغرور... وهتف:
ما تنقمُ الحربُ العَوانُ مني
بازلُ عامين حديثى سني
لمثل هذا ولدتني أمي
- البازل: هو الجمل القوي – واعوان الشديدة العنيفة *
(أي أنني رجل حرب, تعجز أمامي الحرب الطاحنة, فأنا أملك قوة الشباب وفتوته). وأعلن أبو جهل في جيش العدوان «لابد أن نقيم ببدر ثلاثًا: نأكل اللحم, ونشرب الخمر, وتغنينا القيان (الجواري المغنيات) فيسمع بنا العرب, فيهابوننا أبد الدهر»... إنه نموذج للقائد الغبي الأحمق الطائش المفتري الذي أخذته العزة بالإثم فمضي في حماقته, ولم ينصت لصوت العقل.
وفي المقابل كانت القيادة الرشيدة البصيرة الهادية المتمثلة في شخص رسول الله -صلي الله عليه وسلم- الذي وقف في «العريشة» يدعو ربه بقلب خاشع.. ومما قال «اللهم نصرك الذي وعدتني... اللهم إن تهلك هذه العصابة (جماعة المسلمين) فلن تُعبد في الأرض».
ورمتٍه يد من حيث لا يدري
وصُرع أبو جهل, وقام بالدور الأكبر في صرعه طفلان أخوان هما: معاذ ومعوّذ ابنا عفراء, وبعدها استشهدا بأيدي الكفار. فوقف النبي صلي الله عليه وسلم أمام جسديهما وقال «يرحم الله ابني عفراء, فإنهما قد شَرًكا في قتل فرعون هذه الأمة» فقيل: يا رسول الله, ومن قتله معهما? قال: الملائكة, ودَافَّهُ ابن مسعود (أي أجهز عليه)».
وبذلك جاء مصرع فرعون العرب بيد طفلين «خاملي الذكٍر»... «... يدي رمته من حيث لا يدري»... لأنه أخذ عدته كاملة لقتال الرجال, ولم يعمل حسابًا لضربة طفلين صنعهما الإيمان.
إنجازات... إلي دمار
إن الطغاة -في العصر الحديث بخاصة- قد يقيمون من المشروعات والإنشاءات أضخمها, وقد يجهزون من الجيوش أوٍفاها عدة وعددًا. مفاخرين بهذه (النهضة) البنائية, متخذين منها ذريعة لتعطيل القوانين والهيمنة علي الشعوب, وحولهم «كتائب» المنافقين من حملة القماقم, وباعة الضمائر والأقلام. ولا يهتم هؤلاء الطغاة «ببناء المواطن» علي قيم العزة والكرامة والشجاعة والإباء والشمم, بل إنهم «يفرًّغون» المواطن من كل قيمة نبيلة, حتي يسهل التحكم فيه والهيمنة عليه.
وأذكر في هذه السياقة: شاعر القطرين: خليل مطران الذي رأي في هرم خوفو رمزًا لاستعباد الملك لشعبه علي عظمة البناء وضخامته, وهو بذلك يخالف وجهة الآخرين من الشعراء. يقول مطران في مطلع قصيدته عن خوفو
شادَ فأعلي, وبني فواطَّدا
لا للعلا, ولا له بل للعدَي
مستعبد أمتَه في يومه
مستعبد بنيه للعادي غدا
ويصرخ مطران صرخة احتجاج مشيرًا إلي من استعبدهم الملك لبناء هذا «آلقبر» فيقول:
أَكُلُّ هذي الأنفس الهَلٍكي غدًا
تبني لفان جَدَثًا مُخلَّدا?!!
* الجدث: هو القبر ويقصد الهرم الأكبر *
يا طواغيت العرب...
يا طواغيت العرب وفراعينها, هلا تأملتم هذه الكلمات الربانية:
- {...وخاب كل جبار عنيد } [إبراهيم: 15].
- {...وقد خاب من افترى } [طه: 61].
- {...وقد خاب من حمل ظلما} [طه: 111].
- {.... إنَّه لا يفلح الظالمون } [الأنعام: 21].
- {...وأغرقنا آل فرعون وكلّ كانوا ظالمين } [الأنفال: 54].
تأملوا -يا طواغيت العرب- هذه الكلمات العلوية لتروا أن الخيبة والهزيمة والضياع والهلاك مرتبطة دائمًا بالظلم والطغيان والجبروت والافتراء... ارتباط المسبّب بالسبب.
... فتأملوا... وتوبوا إلي الله توبة نصوحا.
يا طواغيت العرب وفراعينها: انزعوا من حياتكم المنطق الجاهلي:
* ما تنقم الحرب العوان مني.. لمثل هذا ولدتني أمي. *
وأخرجوا من حياتكم المنطق الفرعوني {أليس لى ملك مصر وهذه الأنهار تجرى من تحتى } [الزخرف: 51].
واخلعوا من حياتكم المنطق القاروني {... إنَّمّا أوتيته على علم عندى..} [القصص: 78].
وتذكروا... بل احفظوا عن ظهر قلب -أيها الطواغيت الفراعنة- بيتي الشريف الرضيًّ:
إذا أنت أفنيت العرانين والذرا
رمتك الليالي من يد الخامل الذكر
وهبك اتقيت السهم من حيث يُتَّقي
فمن ليد ترميك من حيث لا تدري?
وإلا فانتظروا الطوفان والدمار والهلاك.



التعديل الأخير تم بواسطة عبدالله بنعلي ; 01-15-2016 الساعة 09:14 AM

رد مع اقتباس
إضافة رد

الكلمات الدليلية
في رحيل الدكتور حماسة


ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على الموضوعات
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

الموضوعات المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى الردود آخر مشاركة
اللغة العربية تفقد عاشقها محمد حماسة للعربية أنتمي أخبار ومناسبات لغوية 0 01-02-2016 08:22 AM


الساعة الآن 05:33 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc. Trans by