" إن الخيار بين اللغة العربية ولغة أجنبية أمر غير وارد البتة ولا رجعة في ذلك، ولا يمكن أن يجري النقاش حول التعريب بعد الآن، إلا فيما يتعلق بالمحتوى والمناهج والمراحل". الميثاق الوطني الجزائري (1986، ص 14).
* اللغة العربية هي اللغة الوطنية والرسمية... وتمازيغت هي كذلك لغة وطنية". (المادة 3 من دستور 1996)
إذا أردنا أن نعرف المعنى الحقيقي للتنمية، يتعين علينا منذ البداية أن نشير إلى أنه بفضل التنمية، أصبحنا نعيش في "مجتمع المعرفة" وليس في مجتمع زراعي أو صناعي، لأن "مجتمع المعرفة" يتميز عن غيره من المجتمعات بامتلاك المعلومات العلمية والتقنية وتوظيفها في الإنتاج والخدمات والإدارة. فالمجتمع الذي تنتشر فيه المعلومات بغزارة يتمتع بصفة آلية بالتنوع الاقتصادي وتتكاثر فيه فرص العمل، وبالتالي، يرتفع دخل الفرد.
وبناء على هذه الحقيقة، يمكننا أن نقول بأن مصطلح التنمية في جوهره يعني بناء مؤسسات تعليمية وثقافية وسياسية لإحداث مجموعة من التغيرات الجذرية في مجتمع معين وذلك بقصد إكساب ذلك المجتمع القدرة على التطور الذاتي وتلبية الحاجات الأساسية والضرورية المتزايدة للأفراد. وكما لا يخفى على أي فرد فينا، فإن التنمية في إطار المؤسسات والقوانين الموضوعية التي تعتبر بمثابة مقاييس للعمل المنظم والهادف إلى إحداث التغيير الإجتماعي العادل، تهدف في الأساس للوصول إلى مستوى الدول الصناعية في مجالات التنمية الاقتصادية وترسيخ مفاهيم الوطنية والولاء للدولة الوطنية.
وانطلاقا من تحديدنا لمفهوم التنمية، يمكننا أن نقول بأن مفهوم التنمية يرتبط بالعديد من حقول المعرفة. فمفهوم التنمية الثقافية يهدف إلى رفع مستوى الثقافة في المجتمع وترقية الإنسان، ومفهوم التنمية الإجتماعية يسعى إلى تطوير التفاعلات المجتمعية بين أطراف المجتمع، سواء أكانوا أفرادا أم جماعات أم منظمات المجتمع المدني.
إنني لا أقول شيئا جديدا إذا قلت أو تساءلت لماذا توحد الجزائريون لمحاربة الظلم المسلط عليهم من طرف قوات الاحتلال الأجنبية الدخيلة واقتنعوا بضرورة استعادة حريتهم وممارسة السيادة داخل وطنهم، غير أنه لم يقع توافق فيما بينهم حول استعادة سيادة لغتهم في بلدهم. إننا نلاحظ أن هناك نسبة معتبرة من الجزائريين الذين لم يظهروا نفس العزيمة القوية لاستكمال الاستقلال وعودة الجزائر إلى سابق مجدها الحضاري وهو الشيء الذي لن يتم إلا بالعودة إلى سيادة العربية على أرضها. إن هذه الفئة من الناس تكاد تنسى حقيقة جوهرية وهي أن اللغة العربية، لغة القرآن، قد تعرضت للغزو من طرف لغة المستعمر التي عادت لتغزوا بيوت الجزائريين وعقولهم وأفكارهم عن طريق الفضائيات الفرنسية التي أحكمت قبضتها على الفكر والمجتمع في الجزائر. يبدو أن هناك من ينسى أن سلطات الاحتلال الأجنبي في بلدنا قد حاولت طوال وجودها بهذا البلد طمس ومحو ومحاربة ونسخ لكل ماهو جزائري طيلة تواجد الاحتلال الأجنبي. وزيادة على ذلك، فقد لعبت سنوات الأزمة السوداء الدور الرهيب في تكريس ابتعاد المجتمع عن الاهتمام باللغة العربية الفصحى، وبروز حزازات نخبوية منذ الاستقلال أو صراع أيديولوجي بين الدوائر الفرانكوفونية والدوائر المعربة في دواليب النظام السياسي قد ألقى بتبعاته لاحقا على القالب العام للبلد، والذي أثر على قالب العقل والشخصية الجزائرية ككل. ونتيجة لهذا الصراع كانت انطلاقة الجزائر في استرجاع المكانة اللائقة باللغة العربية، تكاد تكون عرجاء من الأساس. وعليه، فإن إصرار بعض القيادات، في أعلى مستويات المسؤولية في اتخاذ القرار، على الاستمرار في تهميش اللغة العربية قد خلق فجوة بين المواطنين وتأثرت بذلك قضية اللغة العربية والهوية في المجتمع الجزائري.
من الناحية المبدئية، هناك إجماع بأن اللغة العربية هي لغة الحياة لأنها تختزن حياة وتاريخ الأمة، وتحمل ذاتيتها واختصاصها ومن ثم يستحيل إلغاؤها إلا إذا ألغينا ذاتنا وحضارتنا. كما أن ميزة اللغة العربية أنها ارتبطت بالدين الإسلامي، ودفع بها القرآن إلى العالمية، وأضحت السبيل الوحيد لممارسة الشعائر الإسلامية. إنه لمن الواضح أن أجدادنا تربوا على حب أمتهم لأنهم تعلموا بلغة شعبهم، فحافظوا على كيانها ومكانتها، ومن لا يحترم لغته وأصله لا يحترم نفسه وبالضرورة لا يحترمه أحد.
إن مجتمع المعرفة يتطلب حماية الهوية الوطنية، وتدعيم اللغة في أرضها، لأن اللغة هي تجسيد حي لكل معارف الإنسان، وخيراته، ودليل على شخصيته وهويته الثقافية. وفي إمكان أي باحث متخصص في الموارد البشرية أن يجزم أن الاستثمار الموجه للموارد البشرية يعتبر ركيزة أساسية لأية أمة تسعى للتطور والتنمية. فالإنسان هو الثروة الأساسية الأولى والأخيرة لتحقيق معدلات التنمية الشاملة لأن جودة التعليم والتعلم هي التي تساهم في تماسك النسيج الاجتماعي وتمنع تزايد الفجوة بين الأغنياء والفقراء، وتقضي على التفاوت الطبقي، وبالتالي، تساعد على استتباب الأمن وتحول دون تحول الفقراء للعنف.
إنه لمن الواضح أنه لا يمكن أن تتم عملية التنمية اللغوية في المجتمع بفصل رأس المال المادي عن رأس المال البشري، فبفضل الإنسان المعلم والمتعلم يمكن تنمية المواهب والقدرات وإحداث التغيرات الإيجابية في بنيان الأمة. إن تنمية رأس المال البشري اللغوي يساعد على بناء الإنسان عن طريق التدريب باعتباره سياسة تعليمية أساسية في إعادة تكوين وتشكيل محتوى المعارف والمهارات لدى الشباب، وبذلك تتمكن الأمة من رفع مستوى المهارات والمعرفة اللغوية اللازمة لبناء العقول.
إن ما نقصده بتنمية اللغة ومساهمة العنصر البشري في ترقيتها هو أن المعرفة اللغوية هي العنصر الأساسي للتحصن ضد الجهل، وهي التي تمكن الإنسان وتساعده على إنتاج الجمل المفيدة، وتوليد الأفكار والتعبير عنها وتجسيد الوعي اللغوي المتميز وإنتاجه، وبالتالي، ترتفع قدرات الأفراد على الابتكار والتجديد من خلال الإسهامات الذاتية في الأنشطة اللغوية وتوطيد علاقاتها بالتكنولوجيا.
إننا كدولة نامية، نحتاج إلى تكثيف برامجنا اللغوية وإدخال النوعية عليها بحيث يكون في إمكاننا التنافس مع لغات أخرى، وهذا يتطلب العمل لإنتاج علمي غزير في مستوى تطلعات شبابنا. إن التقدم والتطور في التخصصات العلمية يفرض علينا وجود تراكم معرفي في مجال المعرفة اللغوية أو الإنتاج اللغوي. وبطبيعة الحال إن الابتكار اللغوي والتجديد يعدان مصدر الإنتاجية اللغوية.
إذا افترضنا أن العنصر البشري متوفر، نسبيا، وأن مؤسسات تنمية التعليم تكاد تكون كافية، وأن الثروة المالية مكدسة في البنوك الوطنية والأجنبية وتبحث عن من يستثمرها ويخدم بها مصالح شعبه، وأن المعرفة مبعثرة في جميع أنحاء العالم، فماذا ينقصنا لانطلاق مسيرة البناء والتشييد اللغوي في بلدنا وتجسيد مجتمع المعرفة في أرض الواقع؟.
وإجابة على هذا التساؤل، يمكننا أن نجيب على ذلك بأن عوامل بناء مجتمع المعرفة وتنمية اللغة موجودة أو متوفرة، ولكن إرادة العمل بطريقة عقلانية ومدروسة تكاد تكون غائبة. والمشكل في رأيي يكمن في عناصر جوهرية ومسائل أو صعوبات يمكن التغلب عليها إذا توفرت الإرادة الحسنة.
1. الصعوبة الأولى تكمن في قلة الإلمام بمنهجية البناء اللغوي ونقصد بذلك أنه لا يوجد منهج علمي مدروس لتدريب التلاميذ والطلبة على تفعيل اللغة الصحيحة وجعلها لغة التعليم وكفاءة العملية التعليمية. المشكل هنا أن طريقة التعليم تتم بطريقة بدائية بسيطة لا تحمل في طياتها البعد الحضاري للمجتمع، والأفراد المشرفون عل التعليم لا يدركون أو غير مقتنعين بأن مجد الأمة وعزتها وكرامتها لا يمكن أن يعود ويقف هذا المجد على قدميه إلا بالعودة إلى سيادة العربية على أرضها. إذا قال لك أحد بأن هناك أمة نهضت باستعمال لغة غير لغتها، فهذا كلام مغاير للحقيقة.
إنه لمن الواضح أن كل أمة أحرزت تقدما ملموسا ونهضة علمية، لابد أنها تكون قد اعتمدت المنهج العلمي الصحيح والمتمثل في تدريس المناهج العلمية والتقنية بلغة الأم وليس باللغات الأجنبية التي تستعمل كأدوات اتصال مع الثقافات والحضارات الأخرى.
لقد لاحظت عندما كنا نناقش برنامج إصلاح المنظومة التربوية في بداية القرن الحالي، والتي كنت عضوا بها، بأن مناقشات وتدخلات الزملاء كانت تنصب على تكثيف التعليم بلغة أجنبية أوروبية معينة ولا تنصب على تحسين نوعية التعليم والارتقاء به إلى مستوى أعلى، وفي قناعتهم أن تقديم اللغة الأجنبية إلى السنة الثانية ابتدائي، بدلا من السنة الرابعة، هو السبيل الوحيد إلى ملاحقة العصر بعلومه وتقنياته ومتطلبات حاجات السوق العالمي من خلال إتقان مهارات لغوية. وقد قال لي أحد الزملاء في لجنتنا الفرعية أنني مخطئ إذا كنت أظن أن بداية تعليم اللغة الأجنبية في السنة الثانية ابتدائي سيضر بالتلاميذ، بل بالعكس سيعطيهم فرصة لتعلم لغة أجنبية وتحسين فرص توظيفهم في المستقبل ويلتحقوا برجال النخبة الذين يعلمون أبناءهم في المدارس الأجنبية ببلدنا. وبما أنه كان مصرا على فكرة مزاحمة اللغة الأجنبية للغتنا العربية في هذا البلد العربي اللسان، أجبته بأنني تعلمت في أكبر دولة متقدمة في العالم، وأجبرت على تعلم اللغة الإنجليزية لمدة سنتين كاملتين، مثل أهل البلد، لأن منهجهم يقوم على أساس ترسيخ قواعد اللغة في ذهن كل طالب، ومن لا يتقن لغة وطنه ويوظفها بكفاءة عالية يعتبر إنسانا خائبا في مهنته وفي وظيفته.
وباختصار، فإن الخطأ الذي نرتكبه في حق تنمية لغتنا هو أننا لا ننتقي لها المعلمين الأكفاء والقادرين على جعل التلاميذ والطلبة يحبونها ويتعلقون بها، ثم إننا لا نقوم بتدريس اللغة في الجامعة لجميع التخصصات. فالمفروض أن تكون مبرمجة وإلزامية في السنة الأولى والثانية في الجامعة، وتبدل مجهودات لتحفيز الطلبة، لتذوق النصوص العربية والتعبير بها بطلاقة، كل في مجال تخصصه. وعليه، فإن هناك خطأ في منهجية تعليم اللغة بالجامعات في جميع التخصصات ، وإذا رأيت ذات يوم شخصيا يتكلم ويخاطب الناس، وعنده معلومات غزيرة، لكنه غير قادر على التعبير عن أفكاره بدقة وبلغة سليمة، فاعرف أنه ينقصه التدريب وإتقان اللغة وذلك بسبب حرمانه من استكمال برامج تعليم لغته الوطنية في الجامعة.
2. الصعوبة الثانية التي تواجهها برامج التعليم، على جميع المستويات، تتمثل في النقص الملحوظ في الحوافز المادية والمعنوية. إن الإستراتيجية الخاطئة المطبقة في مؤسسات التعليم قائمة على أساس أن المربي أو المعلم هو موظف عادي، وغير معترف به بأنه يقوم بمهمة نبيلة. لقد لاحظنا في الأعوام الأخيرة أن مؤسسات التعليم لا تلتجئ لاستعمال العصا لمن عصى وقصر في أداء واجباته المهنية ولكنها تستعير العصا من العدالة وتضرب بها المربين الذين يطالبون بحقوقهم في الحصول على رواتب مالية تضاهي مجهوداتهم ومؤهلاتهم العلمية. إن هذه الظاهرة مؤسفة، لأن من يربي أبناءنا، يجب علينا أن نحترمه ونحفزه للعمل ونمنحه تقديرنا واعتزازنا بما يقوم به، حتى يتوفق في مهمته ويساعدنا على بناء جيل متخلق ومؤهل للمساهمة في بناء الوطن.
ولكي لا يبقى كلامي عبارة عن شعار براق، أجزم بأن الدول المتقدمة تكافئ المربين والمعلمين بحصولهم على زيادات تفوق 40% عن المتخرجين الآخرين الذين يحملون نفس الشهادة لأن المبدأ الثابت هو أن قطاع التربية والتعليم لابد أن يستقطب أحسن وأذكى وأكفأ المتخرجين من كل جامعة. وعليه، ينبغي أن نكون واضحين بأنه في تحليلنا للوضع الحالي بأن قطاع التربية والتعليم قد هبط مستواه ومستوى خريجيه وذلك بسبب قلة الحوافز فيه، من جهة، ومن جهة ثانية، بسبب إقبال الباحثين عن الوظائف للحصول على مناصب بسلك التعليم بأية طريقة كانت حتى ولو لم تكن لهم ميول للتعليم والتدريس ، لأن الغاية هي العثور على منصب عمل.
ومن أراد أن يتأكد من ذلك، فليسأل لماذا لا يوجد إنتاج علمي؟ ولماذا هبط مستوى التعليم؟ إن الجواب على ذلك أن هذا النوع من الأشخاص دخل إلى ميدان التعليم بحكم الضرورة للحصول على الخبرة وليس بقصد ممارسة هواية التعليم والإبداع فيه.
3. الصعوبة الثالثة التي تواجهها مسألة تنمية اللغة هي الغياب التام للبحوث الجيدة ذات المستوى الرفيع. أريد أن أكون صريحا معكم وأقول لكم الحقيقة المرة بأنني أصرف جزءا كبيرا من ميزانيتي لاقتناء الكتب والبحوث العلمية من الخارج وذلك نظرا لغياب المادة الخام من المعرفة والتقنيات الحديثة في مجال تخصصي داخل الوطن. وبصراحة تامة، إن حقل المعرفة في داخل الوطن يعاني من التصحر وكثرة الأعشاب الضارة والتربة المغمورة، ولا توجد أية فرضية في الوقت الحاضر تشير إلى إمكانية أن ينبت العلم في تربة مغمورة. وعليه، فإن غياب المجلات والكتب العلمية، يعني غياب إنتاج الباحثين من رفوف المكتبات والأكشاك أو السوق المحلية، و ذلك يشكل ضعفا في سد الفراغ الموجود في مجال المعرفة بحيث يتعذر على القارئ باللغة العربية أن يكون ملما بآخر التطورات في الميدان العلمي دون أن يلجأ إلى المؤلفات والمنتوج العلمي المتوفر في الخارج.