استيقظت مصر والوطن العربي، اليوم الجمعة، على خبر رحيل الدكتور كمال بشر، أحد أكبر علماء اللغة العربية في الوطن العربي، الذي قضى حياته في رحاب اللغة العربية دارسًا وأستاذًا ونائبًا لرئيس المجمع اللغوي، ومعلمًا لكل عشاق لغة الضاد.
ولد بشر بمركز دسوق بمحافظة كفر الشيخ عام 1921، وحفظ القرآن الكريم في الكتاب قبل أن ينتقل إلى معهد دسوق الديني، ومن ثم إلى المعهد الثانوي الأزهري بالإسكندرية، ثم انتقل إلى طنطا ليحصل على الشهادة الثانوية، حيث التحق بعدها بمدرسة دار العلوم.
وفي مدرسة دار العلوم كانت أولى معارك بشر؛ حيث كان من المطالبين بتحويل المدرسة إلى كلية، وبعد معركة شرسة مع الحكومة تجسدت في إضرابات متلاحقة، ومطاردة من الشرطة، صدر المرسوم الملكي بتحويل مدرسة دار العلوم العليا لكلية. وفي 1946، وهو العام ذاته الذي تخرج فيه بشر في الكلية، تم تحويلها إلى كلية بشكل رسمي.
كان الشغل الشاغل لبشر في أعماله التي بلغت اثني عشر عملا، خلاف الأبحاث التي تلغ العشرين، والتي ألقاها في مؤتمرات أو نشرت في دوريات، هو الحفاظ على اللغة العربية، والإبقاء على الهوية العربية التي بدأت في فقدان أبسط مقوماتها وهي اللغة المشتركة.
كانت جهود بشر تتجه بشكل واسع نحو الإعلام الذي انتقده كثيرا لغياب اللغة العربية الفصحى سواء في التليفزيون أو الإذاعة، أو حتى الصحافة التي بلغ تدهور اللغة بها حدًا مخيفًا، وعلى صفحات كتبه مثل "قضايا لغوية"، و"علم الأصوات"، و"صفحات من كتاب اللغة"، و"إذاعات لغوية"، كرس جهوده للدفاع عن اللغة المهددة.
وكما كان بشر متفردًا في الناحية العلمية، فقد كان متفردًا في المشكلات اللي يخوضها، ففي عام 2009 شهد المجمع اللغوي حادثة لم يعرف لها مثيلا من قبل، ففي مايو من ذلك العام أعلن المجمع اللغوي عن إجراء انتخابات على منصب نائب رئيس المجمع الذي كان يشغله بشر، ما أثار اعتراضه؛ ذلك أن المجمع عرف طوال تاريخه ما يمكن تسميته بالعرف بألا ينازع أي عضو أحد القائمين على المناصب العليا في المجامع سواء الرئيس أو النائب أو الأمين العام.
ورغم أن أحدا لم يرشح نفسه في مواجهة بشر، ورغم أنه حصل على اثني عشر صوتا من مجموع ثلاثة وعشرين صوتًا، هم من حضروا الجلسة ليكتمل النصاب القانوني، فإن أزمة كبيرة أثيرت وقتها بعد أن رفض فاروق شوشة الأمين العام للمجمع اعتباره ناجحا، ليصل الأمر للقضاء، قبل أن تنتهي الأزمة لصالح بشر، ليعود شوشة في 2012 ليصرح بأن هذا العرف قد انتهى، بناء على دستور الدولة الذي ينص على عدم تولي أي شخص لمنصب ما مدى الحياة.
وفي عام 2015 رشحت جامعة القاهرة د.كمال بشر لجائزة النيل في الآداب، ورغم أن كثيرين توقعوا أن يفوز بها بعد هذه العقود من الإنتاج، وبخاصة لعمره المتقدم، فإن الجائزة ذهبت لمنافسه، الأديب جمال الغيطاني الذي كان يحتفل وقتها ببلوه السبعين، لتفوت الفرصة على بشر ليرى نفسه مكرما بعد ما يقرب من سبعين عامًا في رحاب اللغة العربية.
الرابط ...