إسهامات أهل المغرب في علوم النحو والبلاغة
د. محمد الحافظ الروسي
قبل سنوات قلائل، وبالتحديد سنة: 2018 للميلاد نشرنا في الرابطة المحمدية للعلماء كتابا نفيسا تحت عنوان: معجم علماء اللغة والنحو بالمغرب الأقصى، صنعة الدكاترة: الحسين زروق، وعزيز الخطيب، وعبد اللطيف الخلابي(1).
وقد ترجم السادة المؤلفون في هذا الكتاب لسبعة وعشرين وسبعمائة وألف عَلَم من أعلام النحو واللغة في المغرب الأقصى. وهذا عددٌ كبيرٌ يدلك على أن الأمر لا يتعلق بمجرد إسهامات في الدرس اللغوي والنحوي بل يتعداه إلى كون هذه الجهة من جهات العالم الإسلامي كانت ركنا ركينا في الدرس اللغوي العربي. وإن كان هذا العدد أيضا لا يدل على الإحاطة والحصر، فقد بين المؤلفون "أنه يستحيل الإحاطة الحقيقية بعلماء اللغة والنحو بالمغرب الأقصى في مرحلة من مراحله، فضلا عن تاريخه كله، بسبب معضلة المكتبة المغربية وعزوف المغاربة عموما مدة طويلة عن التأليف في التراجم"(2).
ومعظم ما ألفه المغاربة في اللغة دائر حول عدد من المصادر اللغوية المشرقية، وهي المصادر الأمهات. "وفي مقدمتها: القاموس(3)، والفصيح(4)، ومثلث قطرب(5)، والصحاح(6)، والمزهر(7) "(8).
ودورانها حولها يكون بالشرح، والنظم، والترتيب. فكانت مداخلَ لها تشرحها، وتيسر حفظها، وتبين ما استغلق منها، وكتبا يغلب عليها طابع التدريس والتعليم. "وقد ارتبط التأليف في اللغة، في الغالب، بحركة التدريس، إذ نلاحظ أن الكتب التي دَرَسَ بها المغاربة اللغة أو دَرَّسوها بها هي تقريبا الكتب التي ألَّفوا عنها، ولا سيما ما يتعلق بالمصادر المشرقية"(9).
وليس ذلك بمانع من الإبداع، فإن شأن اللغة لا يمكن أن يخرج عن هذه الأصول. وإنما يقع التمكن بإدراك ما فيها على وجهه، وتنزيله على النصوص. وهو فعل القاضي عياض، مثلا، في كتابه: بغية الرائد لما تضمنه حديث أم زرع من الفوائد. وهو كتاب دال على تمكن صاحبه من علوم اللغة والبلاغة كما هو دال على تمكنه من علوم الشريعة(10).
ويُضم إلى القاضي عياض (ت: 544 هـ) ممن هم في طبقته من الإمامة في اللغة أو ممن هو قريب منها جملة من العلماء منهم: "عيسى بن عبد العزيز الجزولي (ت: 607 هـ)، ومحمد بن علي الأنصاري الفاسي الأندلسي المعروف بابن العابد (ت: 662هـ)، وعبد الرحمن بن علي المكُّودي (ت: 807 هـ)، وعلي بن الزبير السجلماسي (ت: 1035 هـ)، وعبد الله بن علي السجلماسي الشريف الحسني (ت: 1042 هـ)، ومَحمد بن عبد الرحمن ابن زَكري الفاسي (ت: 1144 هـ)، ومحمد بن الطيب الصميلي الشركي الفاسي (ت: 1170 هـ)، وأحمد بن عبد العزيز الهلالي السجلماسي المدغري (ت: 1175 هـ)، ومحمد بن هاشم بن أحمد العلوي (ت: 1190 هـ)، ومحمد بن عبد السلام الفاسي (ت: 1214 هـ)، ومحمد بن عبد السلام ابن ناصر الدرعي (ت: 1239 هـ)"(11). ومحمد بن الطيب الشركي (ت: 1170هـ).
وقد وقعت عنايتنا في مركز ابن أبي الربيع السبتي للدراسات اللغوية والأدبية بسفر نفيس ألفه هذا العلم الجليل تحت عنوان: إضاءة الراموس وإضافة الناموس على إضاءة القاموس. فقمنا بتحقيقه مجموعا، بعد أن حُققت أجزاء منه مفرقة في البلاد، وسوف نقدمه للطبع، إن شاء الله تعالى، بعد مراجعة العمل وتنقيحه وتجويده.
ولابن الطيب ـ رحمه الله تعالى ـ تآليف أخرى غير هذا نذكر منها:
"ـ تحرير الرواية في تقرير الكفاية، المشهور باسم (شرح كفاية المتحفظ)(12).
ـ حواشي الروض المسلوف فيما له اسمان إلى ألوف(الذي علق به على كتاب للفيروزآبادي بعنوان: الروض المسلوف فيما له اسمان إلى ألوف).
ـ ضوء القابوس في زوائد الصحاح على القاموس.
ـ المسفر عن خبايا المزهر.
ـ موطئة الفصيح لموطأة الفصيح(13).
ـ نظم فصيح ثعلب"(14).
ووقعت عنايتنا أيضا برسالة في علم الصرف لمعاصر لابن الطيب الشرقي هو العلامة أبو العباس أحمد بن عبد العزيز الهلالي (ت: 1175هـ) فنشرناها مع رسالتين أخريين الأولى للعلامة محمد بن التهامي الوزاني (ت: 1311هـ)، وهي كرسالة أبي العباس في الجواب عن أسئلة أبي عبد الله ابن خَميس (ت: 708هـ) في حكم الفعل المضارع المعتل الآخر، والثانية للعلامة أحمد بن المعطي الشرقي القادري التادلي (ت: 1204هـ) في شرح نظم أبي العباس الهلالي في حكم آخر الفعل المعتل اللام. وقد حقق هذه الرسائل الثلاث الأستاذ محمد صغيري السجلماسي(15).
وهذه مصادر، كما ترى، تعود إلى مراحل متأخرة، وهي مرحلة النهضة اللغوية في المغرب من جهة كثرة التأليف، ووفرة العلماء المدرسين. وتقع هذه المرحلة، على ما بينه مؤلفو معجم علماء اللغة والنحو، بين القرنين الحادي عشر والرابع عشر(16).
وإن كان هذا لا ينفي أن المغرب عرف للغة سوقا رائجة في العصور السابقة، خاصة مع استقرار عدد من علماء الأندلس به، بصفة نهائية أو مؤقتة، وذلك كالسهيلي(ت: 581هـ)، وابن هشام اللخمي(ت: 570هـ)، ورئيس النحويين بالأندلس الشلوبين(ت: 645هـ)، وتلميذه حازم القرطاجني(ت: 684هـ)، وابن خروف(ت:609هـ)، وابن عصفور(ت: 669هـ)، وابن مضاء(ت: 592هـ)، وابن مالك(ت: 672هـ)، إلى غير هؤلاء من العلماء الأعلام.
يضم إلى ذلك ما كان بسبتة من أهل العلم الذين قل اجتماعهم في مكان واحد من أمثال ابن رشيد السبتي(ت: 721هـ)، والشريف السبتي (ت: 760هـ)، وابن أبي الربيع السبتي(ت:688هـ)، وغيرهم(17).
وقد استقر الأمر بالمغرب، في العصور المتأخرة، على العناية بكتب بعينها، هي:
ـ الألفية بشرح المكودي خاصة، ثم ينتقل الطالب بعد ذلك إلى الموضح، ثم إلى التصريح. وقد يدرسها قلة من الناس بشرح ابن عقيل، أو الأشموني، أو المرادي، أو الصبان(18).
ـ الآجرومية بشرح الأزهري خاصة، وقد تدرس بشرح الكفراوي أو غيره(19).
ـ لامية الأفعال لابن مالك (ت: 672هـ) بشرح بَحْرَق خاصة(20).
ـ لامية المجراد لأبي عبد الله محمد بن محمد بن محمد بن عمران السلاوي المعروف بابن المجراد (ت: 778هـ). وأكثر قراءتهم لها بشرح علي بن أحمد الرسموكي(ت: 1049 هـ)(21). المسمى: مبرز القواعد الإعرابية من القصيدة المجرادية(22).
وكل هذه الكتب نفيس جليل، شديد النفع في تدريس النحو والصرف، غير أن أثر الآجُرومية(23) امتد ليشمل الجانب التربوي والروحي، وذلك عن طريقين:
ـ أولهما: نظمها والتمثيل لها بأمثلة تربوية نافعة. وذلك من مثل ما فعله الشيخ الخديم ـ رحمه الله تعالى ـ (ت: 1346 هـ/1927م) في "سعادة الطلاب". وقد وفقنا المولى، عز وجل، فكتبنا مقدمة للشرح الذي وضعه أخونا الدكتور شعيب تياو لهذه المنظومة تحت عنوان: فتح الوهاب في شرح سعادة الطلاب(24). على سبيل التبرك لا غير.
وقد أغنانا عن بيان هذا الأمر أخونا شعيب تياو فيما كتبه من مقالات على موقع الرابطة المحمدية للعلماء تحت عنوان: نظم المقدمة الآجرّومية للعلامة السّنغاليّ الشيخ الخديم أحمد بمبا البكيّ وأبعادُهُ التربوية.
ـ وثانيهما: شرحه بالإشارة بعد شرحها بالعبارة، وهو فعل العارف بالله تعالى سيدي أبي العباس أحمد ابن عجيبة الحسني (ت: 1224هـ) ـ رحمه الله تعالى ـ في كتابه الذي سماه: الفتوحات القدوسية في شرح المقدمة الآجُرومية(25).
والجامع بين الشرحين كونهما نحوين، فأحدهما للسان، والآخر للقلب. وفي ذلك يقول: "..فالنحو على قسمين، نحو لسان الفم، ونحو القلب، ومعرفة نحو القلب عند العقلاء آكد وأنفع من معرفة اللسان ... والتخلق بالكتاب والسنة هو النحو القلبي، فهذا مرضي عند الله ورسوله، ويوجد نحوي لسان الفم غير متخلق بالكتاب والسنة، وهذا هو الغالب في زماننا هذا، وهذا مذموم عند الله ورسوله"(26).
ومن أجل هذه الغاية ألف هذا الكتاب، فقال مبينا ذلك، وذاكرا سبب اختياره الآجرومية دون غيرها من الرسائل والمصنفات:".. وأجلُّ ما صُنِّفَ في علم النحوِ للمبتدي وفُتِحَ به على المنتهي: المقدمة الآجرومية، المباركة الميمونة. فقد عمَّ نفعها المشارقَ والمغارب، وتلقاها بالقبول كلُّ سالك وطالب، فَدَلَّ ذلك على خلوص نية مؤلفها وصلاحه. وقد أردتُ، بعونِ الله، أنْ أضع عليها شرحا متوسِّطا، متوشحا بنكتٍ عجيبة قَلَّ أن توجد في غيره من المطوَّلات، وإشارات صوفية غريبة، قلَّ أن يغوصَ عليها من له شأن في علم الأذواق والإشارات. وسميته: الفتوحات القدوسية في شرح المقدمة الآجُرومية"(27).
وهذا معنى يدلك على أن لفظ الآجُرومية تعدى علم النحو إلى التصوف، فأمكن الحديث اليوم عن آجُرومية للسلوك. بل إن أحد أهل زماننا وسع معنى الآجرومية فنقله إلى ميدان نحو النص أو لسانيات النص، فقال: آجرومية النص. وهو الدكتور سعد مصلوح في بحثه الذي كتبه تحت عنوان: نحو آجُرومية للنص الشعري: دراسة في قصيدة جاهلية(28).
ويشبه الآُجروميةَ في شدة اهتمام العلماء بها الألفيةُ. وشجع أهل الحكم على ذلك. إذ كتب السلطان محمد بن عبد الله (ت: 1204هـ) للعلامة التاودي ابن سودة بفاس يدعوه إلى الاقتصار في النحو على كتب بعينها منها ألفية ابن مالك(29). ويقال بأن شرح المكودي (ت: 807هـ) لها كان بناء على طلب من أحد الوزراء.
والشرح المقصود هنا هو شرحه الصغير عليها، إذ لم يصلنا شرحه الكبير. وكان المكودي آخر من قرأ كتاب سيبويه بفاس. "وكان له الفضل في إشاعة شرح ابن الناظم (ت: 686هـ)، والمرادي (ت: 749هـ) على ألفية ابن مالك. وقد استفاد من شرحيهما بدليل تكرار ذكرهما من أولِ الشرحِ إلى نهايته"(30).
وبسببٍ من هذه العناية كثر الاهتمام بالألفية تدريسا وتأليفا، علما بأن انطلاقة المدرسة المغربية في النحو كانت على عهد الدولة الموحدية بالمقدمة الجزولية في النحو المسماة بالقانون. وكان من شراحها ابن مالك صاحب الألفية نفسه في: المنهاج الجلي في شرح القانون الجزولي(31).
ومن أعجب هذه التآليف التي عُقدت حول الألفية نوع يقوم على تقييد طرر مختلفة عن شيوخ مختلفين. ومثال ذلك كتاب: طرر على ألفية ابن مالك لعبد الواحد السجلماسي المراكشي (ت: 1003 هـ)، وإن كان معظم نقله عن شيخه ابنِ مَجْبَر المساري(ت: 984 هـ)(32).