لولا مُخاطَبَتي إيّاكَ لم تَرَني...
أ.د. عبدالرحمن بودرع
أبو الطيب ضحية فَهم قاصر. اتُّهِم بالمدح والذّمّ لبلوغ رضا الممدوح أو بلوغ المَجد، ولم يكُ همُّه في التقرب إلى الممدوحينَ لبلوغ الغايات ولا في هجو مَن خَذَلوه، ولكنّه كانَ أعمقَ من ذلكَ، وأقوى وأشعرَ، وقوّتُه في كلمته:
أبلى الهوى أسَفاً يَومَ النّوى بَدَني /// وفرّق الهَجْرُ بين الجَفْنِ والوَسَنِ
روحٌ تَرَدَّدُ في مثلِ الخِلالِ إذا /// أطارَت الريحُ عنه الثّوبَ لم يَبِنِ
كَفى بجسمي نُحولأً أنّني رجلٌ /// لولا مُخاطَبَتي إيّاكَ لم تَرَني
شعرُه قويٌّ يرفعُهُ ويُظهرُ شخصيتَه لأنّه به يُحاججُ وبه يَسمو فوقَ الأنامِ فلولا قولُه الشعريُّ لم يُرَ ولم يُسمَعْ. وقد أبلغَ وبالغَ مُبالغةً مُستحسنةً وهو يُعرّفُ بنفسِه ليُصحّحَ وهمَ الناسِ فيه.
غلَبَت على شعرِه المُقابلاتُ والأضدادُ، والتقابُلُ منطقٌ مهيمنٌ على شعرِه مازَه عن كثيرٍ من الشعراء، فكَسَبَته بلاغةُ التّقابُلِ طابعاً عُرِفَ به وأنموذجاً متفرِّداً ينبغي الاحتكامُ إليه لفهمه:
قال في مدح سيف الدّولَة:
رأيتُ في الذينَ أرى مُلوكاً /// كأنّك مُستقيمٌ في مُحالِ
فإن تَفُق الأنامَ وأنت منهم /// فإنّ المِسكَ بعضُ دَمِ الغَزالِ
من غرائب شعره في المُقابَلات أنّه حَوّلَ تأخُّرَه في مدح سيف الدّولَة إلى مدح بليغٍ:
وقد تَقْبَلُ العُذرَ الخَفِيَّ تكرُّماً /// فما بالُ عُذري واقفاً وهو واضحٌ
وما كان تركُ الشعرِ إلا لأنّه /// تُقصِّرُ عن وَصفِ الأميرِ المَدائحُ
ومن المُقابلاتِ أيضًا، عندما قدَّمَ الخليفةُ غيرَه عليه:
... فيكَ الخِصامُ وأنت الخَصمُ والحَكَمُ
وقد بلغَ الغايةَ في بلاغة التقابُل في قولِه:
أنا الذي نظرَ الأعمى إلى أدبي /// وأسمعَت كلماتي مَن به صَمَمُ
فهذه نهايةٌ في التقابُل، يريدُ بها أنّ قوّتَه في شعرِه وفي كلمَتِه.
ـــــــــــــــ
- ديوان الصبابة لابن أبي حجلة التلمساني
- معجز أحمد لأبي العلاء المعري
- شرح ديوان المتنبي لابن جني / للواحدي
المصدر