تَوالي حَرْفَيْ جَرّ أو ظَرْفَيْن من جنس واحد أو مُتَقارِبَيْن أو متجانسَيْن
أ.د. عبدالرحمن بودرع
تَوالي حَرْفَيْ جَرّ أو ظَرْفَيْن، من جنس واحد، أو مُتَقارِبَيْن، أو حُروفِ جرّ أو ظروفٍ متجانسةٍ أو مختلفَة، نَوعٌ من التَكرار اللفظيّ أو الشبيه بالتَّكْرار، مع اختلاف في المعنى والتعلُّق، وهذه المتواليات تُعربُ عن هندسةٍ بديعةٍ بليغةٍ في توزيع مظاهر تعلق الجوارّ والمجرورات، وعَن شبَكَةٍ تعليقيّة مُنظَّمةٍ يأخذ فيها كلُّ فعلٍ أو مشتقٍّ أو ما شابهه، نصيبَه من التقييد بحروف الجرّ، ولولا وظيفةُ التقييد في حروف الجرّ لَما أفاد التركيبُ إلا معانِيَ مُطلقةً لا تنفذُ إلى شِعابِ المعنى ومَسالِكِه. فالتقييد النّحويُّ مسؤولٌ عن التنويع الدّلاليّ:
"اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ"، منها الأولى متعلقة بالفعل (تركبوا) والثانية متعلقة بالفعل بعدَها (تأكلونَ).
"قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ"
فيها الأولى متعلقة بـ (تحيون) وفيها بـ (تَموتون) ومنها بـ(تُخرَجون).
"مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى"
منها الأولى متعلقة بـ(خلقناكم) وفيها بـ(نُعيدكم) ومنها بـ(نُخرجكم).
"وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ"
لكم متعلقة بـ(خَلَقَ) وفيها باستقرار محذوف هو خبر مُقدَّر مُقدَّم، ومنها الأخيرة متعلقة ب(تأكلون).
"فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ".
تَعَلَّقَ الجارّان والمجروران لكم وبه ب(أنشأنا) ومِن بصفة مقدّرة من النخيل، وتعلَّقَ كلٌّ من الجارَّيْن والمَجرورَيْن لكم وفيها باستقرار محذوف هو خبر مقدر مُقدَّم، وتعلَّق منها بالفعل (تأكلون).
"وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ"
تعلَّق كلٌّ من الجارَّيْن والمَجرورَيْن لكم وفي باستقرار محذوف هو خبر مُقدَّر مُقدَّم لإن، وتعلّقَ مما بالفعل (نسقيكم) وفي باستقرار محذوف في صلة الموصول ما، وتعلقَ كلٌّ من لكم وفيها باستقرار محذوف مقدَّر هو خَبَر مُقدَّم، وتعلق منها ب(تأكلون).
"وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ".
تَعَلَّق الجار والمجرورُ لهم بـ(ذلَّلِنا) وتَعَلّق منها باستقرار محذوف هو خبر مقدَّم للمبتدإ رَكوب، وتَعلَّق منها بـ(يأكلون).
"يَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ".
"وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ".
تَعلقَ الظرفُ "يومئذ" بالفعل "يتفرقون" أو "يَخسَر"، وهو بدل من ظرف الزمان السابق "يوم" والتقدير: يتفرقون يوم إذْ تقوم الساعَةُ، أو يخسر المبطلون يوم إذ تقوم الساعة.
"وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ"
تعلقَ الظرفُ يومئذ بالفعل وَقَعَ، وتعلقَ الظرفُ الثاني باسم الفاعل واهية، وتعلقَ الثالثُ بالفعل يحمل، وتعلقَ الرابعُ بالفعل تُعرَضون.
"وَجيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى"
تعلقَ الظرفُ الأولُ بالفعل جيءَ، وتعلقَ الثاني بالفعل يتذكّر.
فالظّروفُ تتكررُ لفظًا ودلالةً، ولكنها تختلفُ تعلُّقًا، إذا يتعلقُ كلّ واحدٍ منها بفعل أو مشتقٍّ يَعملُ فيها وتُقيِّدُه.
المصدر