الفصحى والدارجة، عن أي عربية نتكلم؟
د أحمد قادم
سؤال يتكرر كلما تأزمت وضعية اللغة في المجتمع جراء التطورات التكنولوجية المتلاحقة وتلاقح الثقافات وهيمنة المصالح الاقتصادية على الثقافة والتعامل الإنساني وأصبحنا نرى كثرة المنخرطين في التخريب بالموازاة مع كثرة الداعين إلى إعادة النظر في التوجهات الثقافية واللغوية والحضارية للأمة.
وعادة ما نسمع عن اللغة والهوية واللغة الأم واللغات المحلية واللهجات والانفتاح على الآخر وإتقان اللغات الأجنبية حتى اختلط الحابل بالنابل وكثر التنظير والاستدلال لكل توجه. فسرى هذا التخبط في المدرسة والجامعة وتناقلته الأجيال.
ولقد آن الأوان أن نعترف أننا نعيش أزمة خانقة تعاني فيها اللغة العربية بين أبنائها وفي مواطنها.
وانتقلت اللغة العربية من عنوان للحضارة والتميز، إلى وصمة للتخلف تلاحق من يتكلمها في المنتديات والمحافل ووجدنا من يتجرأ على العربية ويصفها بالنعوت القدحية ويلصق بها سيمات التخلف والتقهقر ويبحث لها عن بدائل تخلصنا من الأزمة التي يعيشها المتكلمون بالعربية والمتواصلون بها.
وانبری – في المقابل – أناس يدافعون عن العربية ويبحثون لها عن مكان آمن تحت الشمس.
إلا أن الإشكال الكبير الذي لا يتكلم عنه هؤلاء، هو عن أي عربية نتكلم؟ فقد أصبحت العربية عربيات متباينة ومتفاوتة، وتكاد تكون مختلفة عن اللغة التي تعرض في الكتب القديمة والدواوين الشعرية. تلك اللغة التي كانت مصدرا لتقعيد القواعد النحوية والبلاغية وخلفت إرثا حضاريا ساهم في مدِّ جسور التواصل بين العرب والأمم الأخرى.
إن الحديث عن العربية اليوم يطرح إشكالا عن الموضوع المقصود بالضبط. هل نتكلم العربية الفصحى فعلا؟ وهل تشبه عربيتنا المتداولة اليوم لغة العرب القديمة؟ وهل نحن أمام تطور لغوي حقيقي أم أمام تدهور لغوي غير مسبوق؟ ومن يحق له أن يتكلم عن العربية؟ وهل يحق للمجتمع المدني – موضوع الندوة – أن يتكلم في لغة لها مواصفاتها وشروطها ومعجمها؟
كلها أسئلة تطوقنا ونحن نستسهل الموضوع حيث تتاح الفرصة لكل من هبَّ ودبَّ أن يحشر أنفه في العربية بدوافع مختلفة: فتارة نسمع عن التواصل وأخرى عن تبسيط اللغة وتارة أخرى نسمع عن الانفتاح ومسايرة التقدم الغربي وانتهينا إلى تقطيع أوصال العربية وتوزيع أطرافها بين من يُسَمَّوْن فرقاء المجتمع المدني كلٌّ بخلفيته وتوجهه واعتقاده. فتولد عن هذا التجاذب جرأة على العربية من أبنائها بشكل لا يطَبَّق على اللغات الأخرى، وفرضت عليها في بلدنا لغات أخرى للتواصل الإداري والعلمي بدعوى الانفتاح والاستفادة من التقدم الذي حققه الغير واتُّخِذَ ذلك سببا لنبذ العربية والتقليل من شأن من يستخدمها في المحافل والمنتديات.
ثم إننا نجد صنفا آخر من المستعملين لها يخلطون بينها وبين اللغات الأخرى بطريقة لا نجدها إلا عند العرب فلا تسمع جملة واحدة إلا وَدَاخَلتْها كلمات أخرى تضمر أكثر مما تظهر، ويُحِبُّ أصحابها أن يظهروا بمظهر المتفتحين والقادرين على التواصل بلغات أجنبية يبررون بها الطبقة الاجتماعية التي ينتمون إليها.
لكننا مع ذلك لا نريد أن نجعل المشكل منحصرا في طرائق التواصل والاسترفاد من اللغات الأخرى بل نحن على يقين أن المشكل أكبر من هذا. ومن السذاجة أن تقول إن العربية في بلدانها الأصلية تعاني من قلة الاستخدام ومزاحمة اللغات الأخرى في التواصل اليومي والإداري والتعليمي.
بل إننا مؤمنون أن المشكل اللغوي اليوم يرتبط بجملة من التحديات المتصلة بالصناعة والعلوم والتجارة والتعليم والإنتاج والتسويق والجودة وغيرها من القطاعات الحيوية المرتبطة بالغرب والمنافسة العالمية، حيث تكتسب اللغة قوتها من قوة الأمم التي تتكلَّمُها. وهذه المعادلة تقتضي أن نضع العربية في ميزان القوة.
وإذا عرفنا أن الأمة العربية تعيش أزمة معرفية وعسكرية وصناعية وتجارية، فهل يسوِّغ لنا هذا أن نتخلى عن المقومات الحضارية التي تميزنا؟ وهل يسوِّغ لنا أيضا أن نبحث عن بديل للعربية التي تشكل العنصر الذي يجمعنا أكثر من غيره؟
ولستم في حاجة إلى تشخيص أزمة العربية، وقد تكلم الكثير من الباحثين عن التحديات التي تواجهها في زماننا هذا كما أنكم لستم هنا للتباكي عن اللغة والهوية، بقدر ما يجمعنا إشكال واحد هو العربية والمجتمع المدني.
وقد ارتأيت أن أعرض عليكم وثيقة تدعو إلى نبذ العربية والتدريس بالدارجة، وهي دليل واضح على أن العربية لا تواجه التهديدات الخارجية فقط، بل تعاني من مشاكل داخلية لا تقل ضراوة وخطورة عن غيرها.
العربية في المنظومة التعليمية بالمغرب.
عندما نتكلم عن العربية في المنظومة التعليمية بالمغرب يتبادر إلى أذهاننا ما نقدمه للتلاميذ والطلاب في المدارسوالجامعات. وهي في عمومها مواد ترتبط بالنصوص والقواعد. وتتنوع هذه النصوص بين المنظوم والمنثور وهي في عمومها نصوص مختارة يشترط فيها أصحاب المختارات ما يصلح للمقررات الدراسية ويحقق مطالب الجودة والتنوع والإبداع، ثم تُبنى القواعد النحوية والبلاغية على ذلك، فتقترن تنمية الملكات الإدراكية بالوسائل المُحَصِّنَة للأداء اللغوي، ثم يرتقي المتعلم في مراحل الاكتساب اللغوي معجما وأسلوبا وتركيبا حتى يصل إلى مراحل الامتلاك اللغوي السليم حيث تكون له القدرة على القراءة والفهم والإنتاج.
وأود أن أعرض تجربة “كلية اللغة العربية” في تدريس اللغة باعتبارها الكلية الوحيدة التي تحمل هذا الاسم بالمغرب. وحيث يلقن الطالب علوماً مختلفة منها اللغويات كالنحو والبلاغة واللسانيات وفقه اللغة والأدب شعرا ونثرا قدیمه وحدیثه وعلوم القرآن والحديث النبوي الشريف لكن ما يميز هذه الكلية عن شُعَبِ اللغة العربية بكليات الآداب والعلوم الإنسانية هو تدريس النحو والبلاغة خلال سنوات الإجازة كلها وقراءة اللغة العربية في تجلياتها العليا في القرآن والحديث والشعر والنثر. أي إننا ندرس العربية في القرآن والعربية في الحديث النبوي والعربية في الشعر وغيره. فنزاوج بين التنظير والممارسة. وقد ساهمت هذه الطريقة وتساهم إلى اليوم في الحفاظ على العربية بشكل من الأشكال رغم العوائق التي لا تنقضي والتي أذكر منها:
* ضعف المستوى اللغوي لأغلب الوافدين على الكلية: وهو ضعف مُستشرٍ بين الطلاب يحملونه معهم من المراحل الابتدائية والإعدادية والثانوية.
* هيمنة العامية الدارجة على العربية الفصحى في الفصول الدراسية. وهذا المرض منتشر بنسب مخیفة ومن شأنه أن يخلق مفارقة نفسية في أذهان التلاميذ والطلاب .
* ضعف التعبير الكتابي والذي ينعكس على أسلوب الكتابة وطرائق التفكير.
* غياب عنصر التطوير اللغوي لمواكبة العصر حتى أصبحت العربية في المخيال الجمعي لغة منحطة ومتخلفة لا تساير التطور وتهتم بالماضي وتغيب الحاضر والمستقبل.
* التدريس بالطرق التقليدية وعدم الانفتاح على التقنيات الحديثة.
وكل هذه النقاط تُضعف ثقة المتعلم في نفسه وقد تجعله محبطا عندما يرى متطلبات سوق الشغل، فلا يجد للغة العربية مكانا إلا في بعض المهن الهامشية التي لا تلبي طموح الشباب ولا تجلب أنظارهم، ويستعصى الأمر عندما يُشترط على طالب الشغل في مختلف المجالات الإلمام بلغة أجنبية أو أكثر. ويزداد الأمر صعوبة عندما نصادف بعض القوانين التى بدأ تطبيقها في الجامعات المغربية والتي تطالب الطلاب باستيفاء معدل اللغات الأجنبية للحصول على الإجازة في مقابل إمكانية التكامل بين المواد الأخرى والتى تعد أساسية بقوة القانون ومعنى هذا أن من لم يحصل على المعدل في لغة أجنبية مفروضة عليه بدعوى الانفتاح ستحتجز شهادته في الإجازة إلى حين تحقيق ذلك مهما كانت العلامات المحصل عليها في مواد التخصص، وهو البند الذي يعمل عمداء كليات الآداب على تغييره لأن عواقبه ستكون وخیمة على الجميع.
ويكفي أن أقول لكم إن موارد كلية اللغة العرابية عادة ما تكون من التعليم العتيق والأصيل، وإن طلاب التعليم العتيق لا يقرؤون حسب علمي أي لغة أجنبية في مسارهم الدراسي، حتى إذا حلوا بالكلية وجدوا شرطا لا قبل لهم به.
تهافت التدريج: الدارجة هي لغة مستقبلنا …[1]
صدرت هذه الوثيقة سنة 2012 من قبل نور الدين عيوش ضمن ندوة “سياسة التنوع: كيف نجسدها في ظل الدستور الجديد” المعهد الملكي للدراسات الاستراتيجية 27 يوليوز 2012.
وقد اخترت إعادة طرحها في هذا الملتقى لعدة أسباب أهمها:
علاقتها باللغة العربية التي نحن بصددها
ارتباطها بالمجتمع المدني موضوع ندوتنا .
عدم الاعتراض عليها من الجهات الرسمية
تهافت حجتها.
خطورتها على اللغة العربية.
وسيكون الرد على ما تضمنته هذه الوثيقة ردًا حجاجيا يناقش مضامينها من الداخل ويعرضها على المنطق حتى يكون حكمنا عليها مؤسسا تأسيسا مسنوداً بالحجج والبراهين.
2-1- المقام الخطابي للوثيقة:
لا يمكن فصل هذه الوثيقة عن ثلاثة سياقات:
الربيع العربي ودستور2011.
ازمة التعليم بالمغرب
المدّ الفرنكفوني بالمغرب.
أما الربيع العربي فيمكن اعتباره حدثا تاريخيا تحركت على إثره العديد من الشعوب العربية وسقطت بعض الأنظمة الاستبدادية بفعل ما سمي “بالحراك” الشعبي. وكانت الشرارة الأولى من تونس ولم تقف عند ليبيا ومصر وسوريا حيث انهارت أنظمة وقامت بدلها أخرى.
وبلغ تأثير هذا الحدث التاريخي إلى كل الأقطار التي عرفت تغييرات عديدة بأشكال مختلفة حسب حاجة الشعوب ومطالبها وفهمها لما يجب تغييره.
ولم يكن المغاربة بمعزل عن هذه الحركة التي طالبت من ضمن
ما طلبت به بتغيير الدستور وتحقیق التناوب الفعلي وتجويد الحياة وغيرها من المطالب وأبرزها الطفرة الدستورية التي تحققت سنة 2011 حيث منح دستور المملكة المغربية هامشا كبيرًا من الحرية وتفویض المسؤوليات لحكومة صاحب الجلالة مما حقق تفاعلا مع مطالب الشعب المغربي وضمانا للمسيرة التنموية التي رسمها صاحب الجلالة نصره الله.
وكان من نتائج هذا التطور الدستوري والقانوني بروز حركات أخرى تريد أن تستثمر في القطاعات الحيوية وبخاصة “التعليم”، فبرزت إلى الوجود أسئلة أخرى لم تكن مطروحة وإن كانت مضمرة، رام من خلالها أصحابها مناقشة أزمة التعليم والهوية بوسائط لغوية قادرة على تحقيق التعلم والتواصل والتقدم. فوجدنا من يناصر الفرنسية، من يدعو إلى التخلي عن لغة المستعمر ويدعم العربية، كما وجدنا من يدعو إلى التدريس بالانجليزية بالموازاة مع من يدافع عن التدريج ويدعو إليه باللغة الفرنسية كما تدل على ذلك هذه الوثيقة التي تنظر في مستقبل العربية عند المغاربة بلغة أجنبية.
ب – أزمة التعليم بالغرب:
لا يمكن عزل هذه الوثيقة عن أزمة التعليم بالمغرب ولولا هذه الأزمة ما كنا لنسمع عن التدريج والبحث عن مستقبل للمغاربة فيه.
والواضح أن أزمة التعليم لا يمكن ربطها باللغة العربية. فاللغة أداة للتواصل وهي عنوان الحضارة وقد مكنت من نقل العلوم عبر التاريخ، وكانت مرجعا للحضارات واللغات الأخرى. بل إن أكثر كتب العربية وعلومها كانت من تأليف الأعاجم الذين دخلوا الإسلام وقعَّدوا القواعد ويسَّروا السبل إلى فهم هذه اللغة ونشرها فكانت بذلك لغة دین وحضارة وعلوم تخرج بها المؤرخون والأطباء واللغويون والجغرافيون عبر التاريخ.
لكن المغالطة الكبرى في زماننا هذا هي ربط الأزمة باللغة العربية، حتى إن الآباء لا يهتمون بشيء أكثر من اهتمامهم باكتساب أبنائهم لغة أجنبية أخرى. وقد سرى فينا هذا الوهم وقدمنا رقاب أبنائنا لتجار التعليم والمسترزقين من الأزمات، فشاع بين الناس أن الأزمة في التعليم الحكومي حيث البطالة والعقم والكساد، في طمس تام لمنجزات هذا الوطن لفائدة أبنائه. ولعل نظرة واحدة في سجل العلماء والحكام والأطباء والمهندسين لدليل قاطع على تهافت هذه الدعوى.
إن الأزمة التي يعانيها العالم العربي متعددة الجوانب والأسباب وهي بنيوية قد تكون اللغة جزءاً منها لكن بالقطع ليست السبب الوحيد. وإن كانت جزءاً منها فإن المسؤولية لاتقع عليها بل على عاتق من يتكلمونها وينتجون بها المعارف والعلوم ويستخدمونها في الترجمة والانفتاح.
ج- المد الفرنكفوني:
لا ننكر أن اللغة الفرنسية كانت سنداً لكثير من المغاربة في تكوينهم. سواء في الثانويات أو الجامعات داخل وخارج الوطن. لكننا لا ننكر أيضا أنا فئة من هؤلاء أرادوا فرض اللغة الفرنسية في الإدارة والاقتصاد والتواصل. حتى غدت العربية وهي الأصل هامشية أمام الفرنسية وهي الفرع.
وعند ما تقلب الموازين فيصبح الأصل فرعا والفرع أصلا ويستشرى ذلك في كل دواليب الدولة، فإننا سنجد حتما من يدعو إلى نبذ الأصل وترسيخ الفرع. ويقدم لنا لغة أخرى لا يشير إليها الدستور المغربي بديلا عن اللغة أو اللغات الدستورية الرسمية.
وهذا ما يبرر هجوم الفرنكفونيين على العربية وبسط سيطرتهم في المعاهد والكليات والجامعات والوزارات والإدارات. فلا نكاد نجد للمراسلات والمحاضرات باللغة العربية مكانا في البرامج وأشكال التواصل الإداري وإن حدث ذلك فبخجل. مع أن الفصل الخامس من الباب الأول الموسوم:بــ أحكام عامة من الدستور المغربي يقول: تظل العربية اللغة الرسمية للدولة. وتعمل الدولة على حمايتها وتطويرها وتنمية استعمالها.
تعد الأمازيغية أيضا لغة رسمية للدولة باعتبارها رصيداً مشتركا لجمع المغاربة بدون استثناء”[2].
وهذا الفصل يضع حدًّا لكل تأويل خاطئ للانفتاح. كما أن العربية هنا هي اللغة العربية الفصحى وليست اللهجات القبلية المسماة دارجة والتي يتواصل بها الناس في مختلف المناطق بطرق مختلفة.
2-2- أشكال المغالطة في الدعوة إلى التدريج:
كُتبت وثيقة نور الدين عيوش بلسان فرنسي مبين. ومارس فيها أشكالا ظاهرة وأخرى باطنة من المغالطة. نحاول تقريبها من منظور حجاجي يرسم الحدود بين المنطق والتهافت ويَقرأ الوثيقة من داخلها بدون تحيز.
المصادرة على المطلوب: والمقصود بهذه المغالطة التسليم بالمسألة المطلوب البرهنة عليها من أجل البرهنة عليها، وذلك بأن تفترض صحة القضية التي تريد البرهنة عليها وتضعها بشكل صريح أو ضمني فى إحدى مقدمات الاستدلال[3]. ولنأخذ هذه العبارات من الوثيقة[4]
– الدارجة لغة مستقبلنا
– الدارجة يتحدث بها 95 ./. من المغاربة.
– الدارجة لغة المستقبل.
وأول ملاحظة حول هذه العبارات أن صاحبها اعتمد الحجاج الدائري (ق إذن ق). وهذه الدعوى تفترض ما يجب إثباته، وهو نوع من أنواع المغالطــة إذ لا يمكن فصل الحجـاج الدائري عن السيــاق الذي يرد فيـه. ولا تكون “المصادرة على المطلوب مغالطة إلا إذا فشلت في تحقيق وظيفة مهمة من وظائف الحجة وهي الوظيفة البرهانية”[5].
والقصد من الوظيفة البرهانية هنا إزالة اللبس والشك من القول، وللوصول إلى هذه النتيجة لا ينبغي ألا يعيد العارض جزءاً من الدعوى لإثباتها. بحيث يجب أن تستقل الدعوى عن الدليل. “فمن شأن الحجة السديدة لإثبات دعوى معينة أن تقدم دلیلا مستقلا لتبرير الاعتقاد بهذه الدعوى”[6]
وبرجوعنا إلى العبارات السالفة نجد حديثا عن الدارجة في سياق إثبات دعوى كونها لغة مستقبلنا، وأن الأغلبية الساحقة من المغاربة 95°/° يتكلمون بها وأنها لغة المستقبل. وكل هذه المعطيات تحتاج إلى دليل يثبتها ولیست في حاجة إلى جعلها مقدمة ونتيجة في الآن نفسه. لأن صاحب هذا القول يصادر على المطلوب ويغالط بأمور لا يملك عليها دليلا. وإلا فما هي مستندات وبراهين المحاجج التي يمكنها أن تقوم دلیلا على أن الدارجة هي لغة مستقبلنا. ومن سمح له أن يتكلم باسم المغاربة كلهم؟ ولماذا كتب بالفرنسية لإقناعنا أن الدارجة هي لغة المستقبل؟
كل هذه الأسئلة مشروعة لأننا نمتلك الحق في الاعتراض على ما يدعو إليه، خاصة وأن الحديث عن الدارجة باعتبارها لغة المستقبل يضم شيئا آخر هو أن الفصحى عفا عنها الزمن ولا تصلح لبناء المستقبل. والدليل على هذا ما وجدناه في نهاية الوثيقة من كلام عن الفصحى جاء فيه: ” لیست الفصحى لغة جامدة كما يشاع، إذ تظهر الدراسات العلمية لتاريخها أنها مرت بتحولات وتغيرات مبكرة”[7]. وهذا الكلام مضلل من وجهين.
– أولهما: القول بجمود الفصحى: وإن غلفه بعبارة “كما يشاع” كي يبعد التهمة من نفسه ولا نرى هذه الكلمة الاعتراضية إلا تهربا ضریبيا يتفادى به صاحبه تحمل مسؤولیة ما يقول أمام المجتمع الذي يتكلم العربية ويعتز بها.
– وثانيهما: القول بالتغيرات التي لحقت بالفصحى وهو يتحاشى هنا أن يقول التطور، كي يجد في مقابل ذلك مكانا لقوله بالتدريج بدعوى سريان التغير في اللغة وبالتالي لا يجب أن نعترض على كلامه لانه نوع من أنواع الدفاع عن التغير وهو شيء مألوف.
وفي السياق نفسه نجد كلاما عن “اللغة الأم والتنوع اللغوي”[8] جاء فيه: “استناداً إلى أبحاث علمية وتجارب متعددة نفسية، تربوية، تاريخية، اجتماعية وجيوسیاسیه توصل المشاركون في الندوة إلى مجموعة من الاستنتاجات المهمة منها: