جماليات الحرف
كان للخطاطين من غير العرب دور كبير في نشر اللغة العربية، خاصة عن طريق الكتابة، وذلك لما يبرزونه من جماليات حروف هذه اللغة، التي لا تقل أهمية عن جمال مضامينها، وقد كان للخطاطين الأتراك دور كبير على مر التاريخ في هذا المنحى، لما أعطوه من أهمية للغة العربية، انطلاقاً من مفهوم خدمتهم للقرآن الكريم والدين الإسلامي، فاكتسب الخط على أيديهم أبعاداً جديدة، وأسهموا في تطويره بشكل كبير، من خلال تنشئة عدد كبير من الخطاطين من داخل تركيا وخارجها منذ قرون، وهو ما لا يزال متواصلاً في بلادهم.
لقد تم طيلة الاهتمام التركي بالخط تطوير أنماط وأساليب فريدة تجمع بين العناصر التقليدية والابتكارات المعاصرة، وتعتبر تحليقات الخطاطين التركيين بين السطور والزخارف الجميلة على الورق والمعادن رمزاً للفن العربي التركي، رغم انتقاله إلى العديد من البلاد الأخرى، ويعود أصل الخط العربي في تركيا إلى الفترة العثمانية، حيث كانت الخطوط العربية مستخدمة بشكل واسع في الكتب والمخطوطات والمساجد، والمباني العامة، وكان لفن الخط العربي دور مهم في إثراء الثقافة التركية وتأثيرها في الفنون الأخرى في البلاد.
وقد اشتهر على امتداد التاريخ العديد من الخطاطين الأتراك، من أشهرهم وأغزرهم إنتاجاً، الحافظ عثمان بن علي، وكان معلماً للسلطان أحمد خان الثاني، وأحمد قره حصاري، الذي اشتهر قبل الحافظ عثمان، وهو الذي أخذ الخط عن شيوخه، وابتكر طريقةً خاصةً به في الخط، ولا تزال آثاره باقية في جامع السليمانية في إسطنبول، ومن تلاميذه النجباء محمد جلبي، إلا أن من أقرب الخطاطين الأتراك الذين كان لهم تأثير كبير في مسيرة الخط العربي بشكل عام، الخطاط محمد شوقي (1829-1887)، الذي ابتكر لنفسه طريقة استلهمها من أعمال كبار الخطاطين الذين سبقوه، فحظي بشهرة كبيرة، حيث كانت خطوطه على درجة عالية من الدقة والعناية تصل أحياناً إلى حد التكلف، ولكنها كانت رشيقة جذابة، ويعد شوقي صاحب آخر مدرسة في خطي الثلث والنسخ ولا يزال أسلوبه يجذب الكثيرين حتى اليوم، ثم شيخ الخطاطين الأتراك حامد الآمدي (1891- 1982)، الذي تعتبر لوحاته من أروع الأعمال الخطية، حيث يتميز برصانة الأسلوب وإتقان تفاصيله الإبداعية، والسيطرة على ضوابطه الموروثة، والرغبة في إحياء ما أبدعه السلف من الخطاطين القدامى، والاستلهام منه في بعض الأحيان، للخروج بلوحات فنية تعكس فخامة وعظمة فن الخط العربي الجميل، حتى عدّه بعض النقاد امتداداً لعظماء الخط العربي الثلاثة: ابن مقلة وياقوت المستعصمي وابن البواب، الذين كان لهم أهم أثر في تاريخ الكتابة بالخط العربي الأصيل.
كما اشتهرت تركيا بالعديد من المدارس التعليمية للخط، من أبرزها معهد «المهري للخط» الذي تأسس في القرن الثامن عشر على يد المعلم المعروف صالح معروف المهري، ويتميز بتدريس الخط العربي وتطوير مهارات الطلاب فيه، ما مكنها من تنمية جيل من الخطاطين الموهوبين والمهرة، ومدرسة «نزهة الخطاطين» التي تأسست في القرن التاسع عشر بواسطة الخطاط الشهير حمدي الأعظمي، تعتبر هذه المدرسة أول مدرسة خاصة بتدريس الخط العربي في تركيا، وقدمت دروساً منظمة في الخط العربي وشهدت تطوراً كبيراً في هذا المجال.
صحيفة الخليج