#شيء_من_اللغة: (يارب) و(يا ربي)
د. هادي حسن حمّودي
الاستقراء الناقص خطير. وإذا كان في بحث عن القرآن فقد يؤدي إلى الخطيئة لا الخطأ فحسب.
من ذلك تخطئتهم لمن يقول (يا رب) أو (يا ربّي) دعاءً أو تأمينا على دعاء بحجة أن القرآن منع ذلك.
ولقد سبق أن نشرت حلقة لإثبات خطأ المنشور وخطيئة مَنْ نشره. ولكنّه ما زال في مواقع التواصل، فيحار فيه من لم يطلع على الجواب. ويضطر للسؤال. ونتيجة أسئلة عديدة في الأيام القليلة الماضية، ومناقشات، أعود فأقول:
لقد ورد لفظ الرب في الدعاء مرارا وتكرارا في القرآن، كما في:
(رَبِّ اجْعَلْ هَـَذَا بَلَدًا آمِنًا) – (قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً) – (قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا).
فهل في هذه الآيات وما ماثلها تحريم قولك (يا ربّ) أو (يا ربّي)؟
وعلى الرغم من أن الجواب هو (لا تحريم فيها) فإني لم أستغرب أنّ مِنْ وعّاظ مواقع التواصل مَنْ حرم استعمال (ياربّ) مرتكزا على سببين هما:
ا- إن الله أجلّ من أن تناديه هكذا وكأنه صديقك.
2- إنّ (يا) حرف نداء للبعيد، والله أقرب إليك من حبل الوريد، فلا يصح مناداته أو دعاؤه بالحرف (يا) وإلا عُدّ تكذيبا لتلك الآيات الدالة على القرب.
** الرد:
ما قولكم في هذه الآية: (وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا)؟ ألا ترون فيها (يا ربّ) فلماذا تمنعون الناس من قول: يا ربّ أو يا ربّي؟ ولماذا لا تحذفون الخطأ الذي نشرتموه؟ أم الهدف إشغال الناس وإرباكهم؟
أمّا ما ورد في رقم (2) من أن (يا) هو حرف نداء للبعيد فقد قاله النحويون القدماء، من أمثال ابن مالك، في قوله: (وللمنادى النّاءِ أو كالناءِ (يا)/ وأيّ و....// والهمز للداني و(وا) لمن نُدب....) واستشهد النحويون بقول امرئ القيس (أفاطمُ مهلا) على المنادى القريب، وكأن (فاطم) هذه كانت شخصية حقيقية واقفة قرب امرئ القيس!!
وهم حين جعلوا (يا) لنداء البعيد أو كالبعيد، و(أ) للقريب، لم يحددوا معنى البعيد والشبيه بالبعيد. كم من الأشبار أو الأمتار أو الكيلومترات؟ وقد استشهدوا بآيات على أن الله تعالى قريب: (فإنِّي قَرِيْبٌ أُجِيْبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إذا دَعانِ).
لن أناقش مفهوم القرب هنا، هل هو قرب ماديّ أم تعبير مجازيّ أم غير ذلك، وسأكتفي بسؤال: إذا كان هذا هو الدليل، فلماذا أجازوا (يا الله) أو (يا إله العالمين) وهو نفسه القريب الذي يجيب دعوة الداعي إذا دعاه؟ ولماذا فسروا (اللهمّ) بأنها تعني: يا الله أُمّنا بخير. أي: أجازوا الدعاء والنداء بـ(يا): يا الله. (وإن وهموا في تفسير اللهمّ).
ثم هل كان يوسف بعيدا عن أبيه حين خاطبه: (إِذْ قَالَ يُوسُفُ لأَبِيهِ يَا أَبتِ)؟ وهل كان أبوه بعيدا عنه حين: (قَالَ يَا بُنَيَّ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ)؟ الأوفق أن يكونا قد تحاورا من قرب لا عن بُعْد، لئلا يعلم الآخرون فحوى الحلم وتفسيره.
وكثير مثل هذه الحوارات، في التنزيل العزيز.
وإذا كانت الهمزة لمخاطبة القريب، والرّبّ قريب، فهل ورد في القرآن: أربِّ، أو: أ ربّي؟
أمّا لماذا لم تذكر أداة النداء مع كلمة (رب) في الآيات الأخرى؟ فالجواب يتضمن احتمالات عديدة، غير أنها تبقى احتمالات دلالية أسلوبية، ولا نراها ترقى إلى درجة اليقين النهائيّ الذي لا يعلمه حقّ العلم إلا من أنزل القرآن. فلا ضرورة للحديث عنها هنا.
(وَقُل رَّبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ)
فيا ربِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ,
المصدر