اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أ.د رياض الخوام
بسم الله الرحمن الرحيم
أثار هذا الحديث الشريف عند العلماء خلافا فقهياً يتمثل في تحديد أول يوم من رمضان وتحديد أول يوم من شوال أيضاً، وقد خطر لي أن هناك تفسيراً يمكن أن يلتقي العلماء الفقهاء عليه أو على الأقل يمكن الإفادة منه في هذه القضية المختلف فيها , تتمثل هذه الخاطرة أن تحمل الرؤية هنا على المعنى العلم واليقين إذ من المعلوم أن ( رأى) في العربية تأتي بمعنى العلم , قال ابن مالك : ومن المستعمل للظن واليقين : (إنهم يرونه بعيداً ونراه قريباً ) أي يظنونه ونعلمه , وأنشد أبو زيد :
تقوه أيها الفتيانُ إني ********** رأيت الله قد غلبَ الجدودا
رأيت الله أكبر كل شيء ********** محاولة وأكثرهم جنوداً([1])
وقال الخضري معلقاً على الآية الكريمة : أي يظنون البعث بعيداً , أي ممتنعاً , ونراه أي نعلمه قريباً , أي واقعاً , لأن العرب تستعمل البعد في النفي , والقرب في الوقوع ففي الآية الظن واليقين معاً .([2])
فإذا حملنا الرؤية الواردة في الحديث على معنى العلم , كان المعنى صوموا بعد العلم به , ومنافذ العلم كثيرة،وطرقه متعددة ، منها رؤية البصر ومنها الرؤية عن طريق المجاهر الفلكية المؤدية إلى العلم بميلاد الهلال أو عدمه , لعل هذا التفسير مقبول عند العلماء الأفاضل , إنها خاطرة خطرت فربما نفعت .
[1] - شرح التسهيل 2/81
[2] - الحاشية 1/148
|
نعم الرؤية ليست فقط ما يكون بجارحة العين، بل هي العلم أيضا. والاستعمال اللغوي القديم والحديث يؤكد ذلك. وفي اعتماد معنى العلم مخرج من مشاكل عويصة يعاني المسلمون في العالم منها. مثلا: صام مسملو أوربا (عددهم عشرون مليونا) هذا العام كما يلي: الأتراك يوم السبت، والآخرون يوم الأحد! وهذا يتكرر كل عام ويخلق عقيلة جدل وشقاق لا حدود لها. إذن ليس هذا من الاختلاف الذي هو رحمة للأمة، بل مما هو نقمة عليها وشر مستطير. وأمثل على ذلك بأن الإمكساك والإفطار وصلاة العشاء والتروايح في الغرب أصحبت حسب المذهب والقبيلة ورأي رئيس المسجد. فالمغرب في بروكسيل على العاشرة ودقيقتين مساء، والعشاء عند قبيلة على الحادية عشرة ونصف، وعند أخرى على الثانية عشرة، والإمساك عند قبيلة على الثانية صباحا، وعند قبيلة أخرى على الثالثة صباحا وعند الأتراك على الرابعة صباحا. وأنا لا أقصد مذاهب مخالفة، بل مذاهب أهل السنة والجماعة من سلفية وحنبلية وشافعية ومالكية وحنفية بالإضافة إلى التلفية وهم رهط من مسلمي أوربا يزعمون بأنهم يسيرون على خطى السلف الصالح وهم أبعد الناس من سيرة السلف الصالح، وأجرأهم على الدين وأهله، واشدهم جرأة في تكفير المسلمين لأتفه الأسباب. وكل هذا نتيجة لغياب العلم بالدين واللغة وغياب الأخلاق والفضيلة وطغيان عقلية الجدل حتى أنك إذا رأيت اليوم مسلمين اثنين يتناقشان في قضية ما فإنهما يخرجان منها على الناس بثلاثة آراء فيها!
هذا زمان الفتنة، وأقبح وجوهها هو تخطئة الآخر بناء على فهم إما أعوج للنص، أو فهم حرفي يخطئ الدلالة الحقيقية لمعنى النص. وكلمة الدكتور الخوام - حفظه الله - قمينة بأن تكتب بماء الذهب لأهميتها في هذا السياق، ذلك أن الرؤية هنا هي العلم. والأتراك يعملون بها على أنها العلم. وتركيا دولة إسلامية يقوم عليها نظام إسلامي. وإذا اعتمدنا معنى العلم حللنا مشاكل كثيرة تعاني الأمة منها في التنظيم والتخطيط والدراسات المستقبلية.
تحياتي الطيبة.