استعمالُ حرفِ النفيِ في موضعِ (حَتّى) الدّالّة على الاستثناء
أ.د. عبدالرحمن بودرع
من مذاهبِ العَرَب في كَلامِها أنّها قَد تستعملُ حرفَ النفيِ في موضعِ حَتّى الدّالّة على مَعْنى الاستثناءِ، وهذا قليلٌ جداً، وتَدُلُّ بالإثباتِ على النّفيِ، وقدْ جَمَعَهما النَّمرُ بنُ تَولبٍ في بيتٍ واحدٍ مُفتخرًا:
وَلا أُسقى وَلا يُسقى شَريبي /// وَأمْنَعُهُ إِذا أَورَدتُ مائي
أرادَ: ولا أُسْقى حَتّى يُسقى شَريبي، وأمنعُه أي لا أمنعُه
ومثلُه للفَرزدَق:
بِأيْدي رِجالٍ لَم يَشيموا سُيوفَهم /// ولم يَكثُر القَتلى بها حينَ سُلَّتْ
أي لم يَغْمِدوها حَتّى كَثُرَت القَتلى بها
فالمَعْنى يُستخرجُ من مقاصد القائل، لأنه أراد أن يُقدَّمَ شريبُه في الشربِ، ولا يقصدُ نفيَ الشربِ عن نفسِه وعَن شريبِه، لأنه سيكونُ مَعنى غريباً أو لَغواً، وهو يَمدحُ صاحبَه أو جارَه فلا يَمنعُه من ارتيادِ الحِياضِ لتَرِدَ إبِلُه، فهو في مَقام فَخرٍ بنفسِه، وهذا الأمرُ مُعتَبَرٌ جدا في تأويل الشعر أي: المَقاصدُ والأغراضُ، مقاصدُ الشاعر وأغراضُ الشعر.
المصدر