فُصُولُ النُّصُوصِ الشَّرِيفَةِ (2/2)
فُصُولُ النَّمُوذَجِ المُثَلَّثِ الْخَامِسِ (أَصْوَاتِ التَّخْيِيلِ)
وإن صوت الإسلام في نص سورة "إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ" القرآنيّ، صوت متملك متحكم، في يده مقاليد كل شيء، يعطي ويمنع، وله في كلا عطائه ومنعه حكمة، ويصل ويقطع وله في حالي وصله وقطعه حكمة، فله الحكم والأمر، يقول لنبيه -صلى الله عليه، وسلم!- بعدما نُبز بانقطاع نسله من الذكور، هذا مُلْكُنا وكما ابتليناك نعوضك، أما من نبزك فعلى رغم اتصال نسله من الذكور نقطعه من الأخلاق والذكر الحسن. صوت يملك كل شيء، فيقضي في كل شيء بما شاء، ثم يأمر من شاء بما شاء.
وهذه رسالة مفردة بفكرة واحدة في فصل واحد:
- إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ
هي فكرة الإغناء.
وإن صوت الإسلام في نص حديث " أَيْنَ الْمُتَحَابُّونَ بِجَلَالِي" القدسيّ، صوت متحبب وَصول، يجزي بلا حَدٍّ ولا يكافئ، ولكنه يجعل الجزاء من جنس العمل؛ فكما كان المحبُّ يبحث في الدنيا عن حبيبه ويبحث عنه حبيبُه، يبحث الحق -سبحانه، وتعالى!- عنهم وهو أعلم بمكانهم، ولكنه تمييز مكان ذوي المكانة عنده، الذين جازوا حد المحبين إلى حد المحبين المحبوبين، وفعلوا ذلك بتوسيط الحق -سبحانه، وتعالى!- والاعتماد عليه؛ فمثلما استظلوا في بناء تَحابِّهم بجلاله يظلهم في الموقف العظيم بظله، ومثلما خلطوا به تَحابَّهم يستغرقهم ظله استغراق الظرف للمظروف!
وهذه رسالة مفردة بفكرة واحدة في فصل واحد:
- أَيْنَ الْمُتَحَابُّونَ بِجَلَالِي الْيَوْمَ أُظِلُّهُمْ فِي ظِلِّي يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلِّي
هي فكرة التكريم.
وإن صوت الإسلام في نص حديث "يَدْخُلُ الْجَنَّةَ أَقْوَامٌ" النبويّ"، صوت متعجب سعيد، كيف استطاع أقوام من البشر أن يحفظوا على أفئدتهم فطرتها الأولى والناس من حولهم تتخطفهم الأحوال الجديدة! ومثل هذا الحديث النبوي دليل أن الحديث كله سواء؛ فهو أشبه بالأحاديث القدسية، كأنه عُرضت عليه الجنة في مجلسه لصحابته، فهو يصف داخليها ظاهرا وباطنا، فهم يدخلون يتحركون الآن قليلا قليلا حركة مستمرة، وهو أقوام متعددو المنتمَيات، لا تحدهم قبيلة واحدة كان رجالها في الدنيا يقومون قومة رجل واحد، بل هم أقوام، ربما لم يخطر لبعضهم أن يكون هو أو غيره في جمهور الداخلين معا! وأفئدة الطير مثال التوكل، والتوكل من أحوال القلوب، والقلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف شاء!
وهذه رسالة مفردة بفكرة واحدة في فصل واحد:
- يَدْخُلُ الْجَنَّةَ أَقْوَامٌ أَفْئِدَتُهُمْ مِثْلُ أَفْئِدَةِ الطَّيْرِ
هي فكرة التأديب.
فُصُولُ النَّمُوذَجِ المُثَلَّثِ السَّادِسِ (أَصْوَاتِ الْمُوَازَنَةِ)
وأما صوت الإسلام في نص سورة "قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ" القرآنيّ، فصوت محاجّ منصف، حريص على استقرار حياة آمنة، يتحمل فيها كلا طرفي المحاجَّة عاقبة اختياره، دون تعويق ولا تنغيص، حتى إنه يلقِّن نَصيره ما يقوله لخَصيمه، لأنه لا سبيل له إلى أن يقوله لخصيمه مثلما يقوله لخصيمه نصيرُه. صوت محيط بالسرائر، وما كان وما يكون، ومع ذلك يقضي لخصيمه بمثل ما يقضي لنصيره، حرصا على الحرية المكفولة التي تجعلهما على سواء، لكل منهما ما للآخر، وعليه ما عليه.
وهذه رسالة مفردة بفكرة واحدة في فصل واحد:
- قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ
هي فكرة الإنصاف.
ثم إن صوت الإسلام في نص حديث "إِذَا أَرَادَ عَبْدِي أَنْ يَعْمَلَ سَيِّئَةً" القدسيّ، صوت حليم كريم، يحيط عبده بحلمه وكرمه حتى إنه إذا سلمت له فطرته لم يجد مفرا منه إلا إليه؛ ففي أربعة أحوال من المتاجرة مع الله لا يخرج العبد خاسرا إلا في حال واحدة محدودة بحدها، أما في ثلاثة الأحوال الغالبة فيخرج رابحا، بل في حال من هذه الثلاث يتزايد ربحه زيادة مطلقة لا يعرف لها أحدٌ حدًّا.
وهذه رسالة مركبة بفكرتين في فصلين:
1) إِذَا أَرَادَ عَبْدِي أَنْ يَعْمَلَ سَيِّئَةً فَلَا تَكْتُبُوهَا عَلَيْهِ حَتَّى يَعْمَلَهَا فَإِنْ عَمِلَهَا فَاكْتُبُوهَا بِمِثْلِهَا وَإِنْ تَرَكَهَا مِنْ أَجْلِي فَاكْتُبُوهَا لَهُ حَسَنَةً
2) وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْمَلَ حَسَنَةً فَلَمْ يَعْمَلْهَا فَاكْتُبُوهَا لَهُ حَسَنَةً فَإِنْ عَمِلَهَا فَاكْتُبُوهَا لَهُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِئَةِ ضِعْفٍ
استقل الفصل الأول منهما بفكرة إرادة السيئة، والفصل الثاني بفكرة إرادة الحسنة.
ثمتَ إن صوت الإسلام في نص حديث "مَثَلُ الْمُؤْمِنِ كَمَثَلِ الْخَامَةِ" النبويّ، صوت فَنيّ إيحائيّ، يريد للمستمع أن يكون الأفضل، ولكنه لا يباشره بالتوجيه -فما أكثر من يكره ذلك!- بل يصور له مثال المؤمن ومثال الفاجر -وكان المتوقع الكافر، ولكنه أراد الترهيب من الفجور- حتى إذا ما تَمَلَّأَ بالمثالين نفر من أحدهما إلى الآخر؛ فالأول كالخامة من الزرع والثاني كالصماء من الأرز، يوحي للمستمع بأثر رطوبة الإيمان في تطويع حياة المؤمن لكل ما يصيبه، وأثر جفاف الفجور في تجميد حياة الفاجر عن كل ما يصيبه!
وهذه رسالة مركبة بفكرتين في فصلين:
1) مَثَلُ الْمُؤْمِنِ كَمَثَلِ الْخَامَةِ مِنَ الزَّرْعِ مِنْ حَيْثُ أَتَتْهَا الرِّيحُ كَفَأَتْهَا فَإِذَا اعْتَدَلَتْ تَكَفَّأُ بِالْبَلَاءِ
2) وَالْفَاجِرُ كَالْأَرْزَةِ صَمَّاءَ مُعْتَدِلَةً حَتَّى يَقْصِمَهَا اللَّهُ إِذَا شَاءَ
استقل الفصل الأول منهما بفكرة تمثيل حال المؤمن، والفصل الثاني بفكرة تمثيل حال الفاجر.
فُصُولُ النَّمُوذَجِ المُثَلَّثِ السَّابِعِ (أَصْوَاتِ التَّهْوِينِ)
وإن صوت الإسلام في نص سورة "إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ" القرآني، صوت رضيّ حفيّ، يعرف معالم النصر ولا يخفيها، بل يبدو مبشرا بها، ولكنه يعلق المبشر بالمبشر، ويؤثر له الآجل على العاجل، فيدله على طريق الآجل دلالة في طيها دلالة لا يعرفها إلا من أَهَّله لمعرفتها!
وهذه رسالة مفردة بفكرة واحدة في فصل واحد:
- إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا
هي فكرة التبشير.
ثم إن صوت الإسلام في نص حديث "أَيُّمَا عَبْدٍ مِنْ عِبَادِي" القدسيّ، صوت صديق رفيق، يخرج مع رفيقه من موطن الأمن إلى موطن الخوف، ويشهد على معاناته مثل معاناة خصمه، وعلى لزومه أدب القتال، وعلى شدة طلبه لأسمى الرضا، ويتلطف به مثلما يتلطف الصديق النظير؛ فيؤوب معه كما خرج، ويخفي سلطانه عليه في طوايا ما يتحفه به عاجلا وآجلا!
وهذه رسالة مفردة بفكرة واحدة في فصل واحد:
- أَيُّمَا عَبْدٍ مِنْ عِبَادِي خَرَجَ مُجَاهِدًا فِي سَبِيلِي ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي ضَمِنْتُ لَهُ أَنْ أُرْجِعَهُ بِمَا أَصَابَ مِنْ أَجْرٍ وَغَنِيمَةٍ وَإِنْ قَبَضْتُهُ أَنْ أَغْفِرَ لَهُ وَأَرْحَمَهُ وَأُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ
هي فكرة ضمان الفوز.
ثمتَ إن صوت الإسلام في نص حديث "رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ" النبويّ، صوت عليم حكيم، يعرف قيمة الدنيا وقيمة الآخرة، ويعرف كيف يدل أصحابه على أحسن مدخل إلى عز الدنيا والآخرة، أن يجاهدوا في سبيل الحق -سبحانه، وتعالى!- وألا يحتقروا شيئا من أعمال الجهاد. إن أقرب ما يخطر لمثل هذا المجاهد ممن يتوقعون الموت، الخوف على ضياع الدنيا؛ فمن ثم التزم هذا الصوت تفضيل أقل أعمال الجهاد على الدنيا وما فيها -وليس له فيها إلا ما لا يقاس- فكيف بالاجتهاد في الجهاد؛ إنه لمن الحكمة أن يعلم المسلم هذا العلم في وقت الحرب أو توقي الحرب أو حراسة البلاد.
وهذه رسالة مفردة بفكرة واحدة في فصل واحد:
- رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا وَمَوْضِعُ سَوْطِ أَحَدِكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا وَالرَّوْحَةُ يَرُوحُهَا الْعَبْدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ الْغَدْوَةُ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا
هي فكرة الاستنفار.
والآن يمكننا تقسيم هذه النماذج المثلثة بحسب فصولها على ثلاثة أقسام:
1) نماذج تامة التفصيل (كلُّ نص من نصوصها القرآنية والقدسية والنبوية، ذو رسالة مركبة بأكثر من فكرة في أكثر من فصل)، وليس في هذا القسم غير النموذج المثلث الثالث (أصوات التدريج)، بنسبة 14.28%.
2) نماذج ناقصة التفصيل (أحد نصوصها القرآنية والقدسية والنبوية، ذو رسالة مفردة بفكرة واحدة في فصل واحد)، وفي هذا القسم النموذج المثلث الأول (أصوات الجزاء)، والثاني (أصوات الولاية)، والسادس (أصوات الموازنة)، بنسبة 42.85%.
3) نماذج غير مفصلة (كلُّ نص من نصوصها القرآنية والقدسية والنبوية، ذو رسالة مفردة بفكرة واحدة في فصل واحد)، وفي هذا القسم النموذج المثلث الرابع (أصوات الترغيب)، والخامس (أصوات التخييل)، والسابع (أصوات التهوين) ، بنسبة 42.85%.
إذا تأملنا نصوص القسم الثاني الثلاثة التي أخلت بتمام التفصيل، وجدناها نصوصا إطارية مركبة، استولى على أولها (نص الحديث النبوي من النموذج المثلث الأول)، أسلوبُ الإجمال والتفصيل- وعلى ثانيها (نص الحديث النبوي من النموذج المثلث الثاني)، تعديدُ المعطوفات على جملة الحال- وعلى ثالثها (نص السورة القرآنية من النموذج المثلث السادس)، تركيبُ مقول القول؛ فلم يمتنع علينا جمع هذا القسم الثاني إلى الأول، لترجح نسبة التفصيل التي دل عليها من قبلُ متوسطُ ما في النص الواحد من الفصول، وتتجلى مكانة ظاهرة التفصيل المكينة من أبنية النصوص العربية الشريفة على وجه العموم؛ فإنها إذا ظهرت على غيرها هنا في النصوص القصيرة كانت في النصوص الطويلة أظهر؛ وهذا شعار البُنْيانيّة التي يتصف بها النص العربي، فيشتمل على فصول متفاصلة متواصلة، تتيح للأفكار أن تتعدد وللرسالة أن تتركب فتتحمل الحكمة وفصل الخطاب. أما القسم الثالث (نماذج غير مفصلة)، فلا يخلو في مقام التنويه بالتفصيل من إشكالٍ إذا أزيل فيما يأتي لم يمتنع علينا جمعه إلى الفصل الأول كما جمعنا إليه الثاني!
لقد اجتمعت أصوات الترغيب والتخييل والتهوين كلها قرآنيةً وقدسيةً ونبويةً، على عدم التفصيل، حتى لقد خطر لي فيها أنها جرعات شديدة التكثيف والتخصيص، لا تتحمل رسالة كل منها غير أن تكون مفردة بفكرة واحدة في فصل واحد، ولكنني وجدت من النصوص المفصلة ما يزيد تكثيفه على بعض هذه النصوص غير المفصلة؛ فأعرضت عن هذا الخاطر، وأمعنت النظر؛ فوقفت على أن كل نص من هذه النصوص غير المفصلة حُذف منه ما استغني بالمذكور عنه -والمحذوف المفهوم كالمذكور- ولو ذُكر لتعدَّدت الأفكار والفصول: ففي أصوات الترغيب استغنى النص القرآني بما ينبغي للإنسان عمله عما ينبغي له تركه، واستغنى النص القدسي بإنصاف المبتلى المحتسب عن عذل المبتلى المتضجر الشاكي، واستغنى النص النبوي بتفضيل عاقبة هداية الناس عن تفضيل عاقبة جمع المال الحلال- وفي أصوات التخييل استغنى النص القرآني بالإغناء عن الاستغناء، واستغنى النص القدسي بتكريم المتحابين عن إهانة المتباغضين، واستغنى النص النبوي بتأديب السالكين عن تأنيب الشاذِّين- وفي أصوات التهوين استغنى النص القرآني بالتبشير عن الإنذار، واستغنى النص القدسي بفوز المجاهدين عن خسران القاعدين، واستغنى النص النبوي باستنفار الوعي عن استنكار الغفلة!