مقدمة: نعلم أن التقدم في العلوم مطلب بالغ الأهمية، وأن تطويرها بما يخدم الأهداف المقصودة ضروري لمواكبة العصر، وأن طريق التقدم والتطوير هو إعمال الفكر في طُرق الإنتاج والإنجاز العلمي، ولا يمكن لفكرة علميةٍ أن تنهض ولا أن تصل إلى الأفهام إلا عبر اللغة، فاللغة الواصفة للفكر وإعماله هي أداة تطويره، وهي مصباح دقائقه التي يحتاج الإنسان إلى معرفتها والتمكن من التصرف فيها.
بناءً على هذه المقدمة نُدرك وجوب الاهتمام بالألفاظ التي وُضِعَت إزاءَ كل جزء من أجزاء المعرفة العلمية، لأن كل لفظ سيقود إلى معرفة عَيْن الشيء، ومعرفة طُرق استعماله، ومعرفة كيفيات التصرف فيه، والأغراض التي يؤديها، وسأضرب على ذلك مثالا:
عندنا جهاز "الجوَّال" وهو مكوَّنٌ من أجزاء كثيرة، وكثير منها شديد الدقة، وأجزاء متنوعة العناصر والأغراض، فمنها مثلا حديد، وبلاستيك، ونحاس، وزنك، وألمنيوم...إلخ. ومنها أسلاك، ووصلات، ولواصق، ومغناطيس، ورباطات، وحساسات، وسماعات....
هذه المكوِّنات وغيرها مما لم أذكره على كثرتها ودقتها وتنوعها وتعدد أغراضها، كل شيء منها له مصطلحٌ لغويٌّ يدلّ عليه ويُعرَف به، ويميزه عن غيره لدى أهله، ويتطور هذا العنصر المادي المستعمل في الآلة بأطوار كثيرة، وفي كل ذلك يواكبه تطوُّر اللفظ الدال عليه، وإذا جاء المهندس الذي عنده علم بهذا الْمُنتَج وأراد أن يشرحه أويعلمه فستجده يستعمل تلك الألفاظ والمصطلحات للتدليل على كل عنصر ماديٍّ ليفهمه الدارسون ويستوعبوا غرضه ويحددوا وظيفته ومكانه وتأثيره، ويتمكنوا من تطويره بأي طريقة شاؤوا.
وعلى هذا نقول إن نقل المعرفة لا بد له من لغة راقية دالةٍ، لتدل على كل جزء منها، ولتكون آلة للعمل مع الفكر العلمي، ولتسهل على الدارسين والمستعملين الاستفادة من المعرفة، وتطويرها والارتقاء بها وفق أغراضهم ومتطلبات عصرهم.
بناءً على هذا كله نرى أهمية تأليف معجمات لغوية للمصطلحات العلمية، وما يتبعها من ألفاظ وظيفية، لتسمية كل شيء يقود إلى الإنتاج العلمي وتطويره، ويعين على الفهم والإدراك الصحيح لوظائف المنتجات وتأليف المرَكَّبات، على أن تكون آلية، للتسريع في مواكبة عصر السرعة الآلية، وتقديم الدعم اللغوي لكل دراسة نظرية في عصر العولمة والتقانة، ولِتُسهمَ فيما يخدم المتعلِّم وينمي قدرته على الإنتاج والابتكار والإنجاز.
وطريق إنتاج هذه المعجمعات المصطلحية يجب أن يتنوع، وتتعدد مصادره، ولا يُكتفى فيه على المعتاد من المدوَّنات التي لا تغطي كل شيء موجود أو يراد إيجاده، وأعني بذلك ابتكار الألفاظ الدالة على المنتجات في المجالات العملية، والتعليمية، والمستقبلية، ووسائل ذلك سيكون منها ـــ على سبيل التمثيل ــــ :
1. الترجمة والنقل اللغوي.
2. التعريب.
3. التوسيم(إيجاد الألفاظ المناسبة لِما لَمْ يُسمَّ)
4. التطوير (تطوير الألفاظ الغريبة والصعبة بما هو معروف وسهل)
5. الترميز.
6. الربط (ربط اللفظ الدال بمدلوله عن طريق الغرض)
7. التمثيل (توسيم الشيء بما يشبهه مما هو معروف، مثل: كرويّ الشكل، رنّان"لآلة تصدر الرنين"........)
8. تسمية الشيء بوظيفته.
عبد الله بن محمد المهدي الأنصاري