أصالة المعيار الإيقاعي اللغوي، كتابي الجديد هدية العيد السعيد
https://mogasaqr.com/2023/06/21/%d8%...7%d8%a8%d9%8a/
كنت كلما استصعب تلامذتي من مسائل علم الصَّرْف شيئا، أسألهم: ألا تحبون علم العَرُوض؟ فيقولون: بلى. فأقول لهم: من يحب علم العروض يحب علم الصرف، ومن يحب يجتهد في طلب ما يحب ويصبر عليه حتى يلين له! أنبههم على ما أراه من أثر تنسيق الصيغ الصرفية في بناء الأنماط العروضية وزنًا وقافيةً، الذي فصلته بكتابي "ظاهرة التوافق العروضي الصرفي"- وأنهم كان ينبغي لهم أن يوقنوا بمقدرتهم على التحليل الصرفي، لأنها كامنة في مقدرتهم على التحليل العروضي!
ذكر ابن عصفور -المتوفى عام 669 (1270)- في مقدمة كتابه "المُمْتِعُ الْكَبِيرُ فِي التَّصْرِيفِ"، أنه إنما أراد بتأليفه في هذا العلم العنايةَ بما هابه النحويون فأهملوه، وأن هذا العلم عندهم أغمض شطري علم العربية -شَطِيرُه علم النحو- وأنه لا أدلَّ على غموضه عليهم من كثرة سقطاتهم فيه! ثم نبه على أن حقه كان التقديم على شطيره، وأنهم إنما أخروه عنه للطفه ودقته! نعم؛ ولكنني أظن أنه أراد بذلك غير مُحِبّي علم العروض منهم، فأما محبوه -وهو أحدهم- فقد اشتغلوا بعلم الصرف ، مثلما اشتغلوا بعلم العروض!
ولقد كان من احتيالي على لجنة ترقية أساتذة اللغة العربية المساعدين، التي تَضجَّرَتْ بما أكثرتُ عليها من أعمالي العروضية، وألزمتني أن أعمل لها عملين زائدين، على أن يكونا غير عروضيين -هكذا نصًّا، عَلِمَ الله!- أنْ عملتُ لها مقاليّ الصرفيَّيْن "صِيْغَةُ فِعْلٍ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ اسْمُ مَصْدَرٍ" -وهو القسم الثاني من كتابي هذا- و"نَحْتُ الْأَفْعَالِ بَيْنَ صِيْغَتَي فَعَّلَ وفَعْلَلَ" -وهو القسم الثالث- فكنت كأنني بعلم العروض لم أَبْرَحْ!
أما المقال الأول "صِيغَةُ فِعْلٍ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ اسْمُ مَصْدَرٍ"، فقد نشر عام 2012م، بالعدد36 من مجلة دراسات عربية وإسلامية (د.حامد طاهر). وفيه تَوْقِيعٌ طَروبٌ، يُقَلِّب شؤون هذه الصيغة بين الصِّيَغ مبنًى ومعنًى، ويستشكل بقاءها في العَراء الصَّرفي، وينتهي في تصنيفها إلى ما يدعي أنه القول الفصل .
وأما المقال الثاني "نَحْتُ الْأَفْعَالِ بَيْنَ صِيْغَتَيْ فَعَّلَ وَفَعْلَلَ"، فقد نشر عام 2012م، بالعدد 64 من مجلة كلية دار العلوم (جامعة القاهرة). وفيه تَوْقِيعٌ طَروبٌ كذلك، يُقَلِّب أمثلة نحت الأفعال المعتبرة، وينقدها، ويوازن في اختصار الجمل بين دعوى نحتها بـ"فَعَّلَ" ودعوى نحتها بـ"فَعْلَلَ"، حتى تَرجَح لديه إحداهما الأخرى، ويقع على نص نادر فذٍّ، للخليل بن أحمد -المتوفى عام 175 (791)، رضي الله عنه!- يؤيد الدعوى الراجحة، فيعرضه، وينقده، وينتهي في نحت الأفعال إلى ما يدعي أنه القول الفصل.
هذان المقالان قسما كتابي هذا الثاني والثالث على ترتيب ذكرهما آنفًا، أما القسم الأول فكلمتي "أصالة المعيار الإيقاعي اللغوي"، التي ألقيتها في احتفال جامعة ظفار العُمانية، بيوم اللغة العربية العالمي . وفيها تَوْقِيعٌ طَروبٌ كذلك، يُقَلِّب أفكارا لغوية طريفة لطيفة (صرفية، وغير صرفية)، وينقدها، وينبه في معايرتها (قياسها)، على نظرياتٍ ثلاثٍ معتبراتٍ، ثم ينقطع لتفصيل إحداها، وينتهي إلى ما يدعي أنها مظاهرُ سيطرةٍ إيقاعية واضحة، على الأصوات والكلمات والجمل. وقد قدمت هذه الكلمة على ذين المقالين وهي متأخرة عنهما، لما فيها من شمول تحليلي وأولية فلسفية؛ ومن ثَم كان حقًّا على الكتاب كُلِّه أن يَتَسَمَّى اسمَها!
لقد خطر لي أن أعيد صياغة أسلوب كلمتي هذه الآتية أولا ، لتكون من طبقة أسلوب مقاليَّ اللاحقَيْها، ولكنني أهملت هذا الخاطر، لما فيه من تكلف.
ولا ريب في طرافة أن يتردد القارئ في كتاب واحد، بين أسلوبَيْ كاتبِهِ الشفاهيِّ والكتابيِّ؛ فربما يقول:
- الحمد لله، ما أَبْعَدَ ما بين مَشْرِقَيْ مُكاتبةِ هذا الكاتب ومُشافهتِه؛ لقد كَذَبَ مَن ادَّعَى في أدباء مدرسة البيان العربي الرفيع، وهو من نِصف تعبيرهم بَراء!
أو لعله يقول:
- سبحان الله، ما أَقْرَبَ ما بين مَشْرِقَيْ مُكاتبةِ هذا الكاتب ومُشافهتِه؛ لقد صَدَقَ مَن أَثْبَتَ أثرَ قراءة القارئ وكتابته في استماعه وتحدثه!
وإذا أفضى الكتاب إلى هذا المدى، كان حريا أن يشتمل من شأن كاتبه نفسه، على سيرته العلمية والعملية المفصلة، قسمًا رابعًا، يعين القارئ على ترجيح إحدى الكفتين المذكورتين آنفا (كفة "الحمد لله..."، وكفة "سبحان الله...")، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم!