#شيء من اللغة: العرب والأعراب والاستقراء الناقص
د. هادي حسن حمّودي
(لعديد من الاستفسارات من أفاضل وفضليات أعيد هذه الحلقة)
كتب لي صديق عزيز أنه كان حائرا في معنى الآية (الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا)( سورة التوبة 97) حتى وقع على قول للدكتور الشيخ (...) نقله لي وطلب رأيي:
سأضع بعض ما قاله الشيخ بين قوسين:
قال: (ماذا تعني كلمة عرب؟ عربي تعني التمام والكمال والخلو من النقص والعيب وليس لها علاقة بالعرب كقومية، فـ(قرآنًا عربيا) (سورة يوسف 2) وغيرها. تعني قرآنا تاما من النقص والعيب. و(عُرُبًا أَتْرَابًا) (سورة الواقعة 37) فوصفت الحور بالتمام والخلو من العيب والنقص.... إلخ).
أقول، متجاوزا عن أمور عديدة وأخطاء لغوية في النص، طلبا للاختصار:
أ- ليس من معاني كلمة العرب الصفات التي ذكرها. ومعانيها مفصلة في معجمات اللغة. ولم تُذكر كلمة (عرب) في التنزيل العزيز، لا بالصفة القومية ولا بغيرها.
ب- (قُرْآنًا عَرَبِيًّا) نعم هو يخلو من النقص والعيب، ولكن الخلوّ من النقص والعيب لم يأتِ من كلمة (عربيّا) فهذه تعني اللغة أو قل اللسان فحسب: (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا) وإذا تجرّأ أحد المتقوّلين بأن (عربيا) في الآية تعني التامّ من النقص، أو المبين، فماذا سيقول في الآية: (بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ)( سورة الشعراء 195)؟ هل سيتجرأ فيقول بلسان مبين مبين؟ أو بلسان تامّ مبين؟
أما خلوه من النقص والعيب فثمة آيات أخرى دالة عليه، كقوله، تعالى: (أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اختلافا كَثِيرًا)(سورة النساء 82) وقوله: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا)( سورة الكهف 1). وغيرهما.
ج- (عُرُبًا أَتْرَابًا): رأى أن عُرُبا تعني الخلو من النقص والعيب. وكان عليه أن يلتفت إلى أن العَروب، بفتح العَين، هي الحسناء المتحببة لزوجها، وجمعها عُرُب. مثل: رسول ورُسُل. وخلوهن من العيب والنقص لا تؤديه لفظة (عُرُبًا). كما أن ليس من المؤكد أن المقصود بها الحور العين.
د- أخطأ في فهم الهمزة في (الأعراب) حين سماها ألف التعدي التي تقلب المعنى إلى ضده، مثل: قسط: ظلم، وأقسط: عدل. وبنى على هذا أن همزة (الأعراب) قلبت معنى العرب من الأوصاف الحميدة التي ذكرها إلى نقيضها.
فناقض الشيخ نفسه. لأنه لم ينتبه إلى أنها همزة وليست الفا، وإلى أن تلك الهمزة تدخل على بعض الأفعال فتقلب معناها. وأما في سائر الأفعال فتأتي لتطوير في المعنى، من اللازم إلى المتعدي ومن المتعدي إلى مفعول واحد إلى متعدّ إلى مفعولين.. وهكذا. ومن أمثلته: كرُم هو، وأكرم غيره. وتأتي مع الأسماء للمبالغة في المعنى ذاته: هذا عالم وذاك أعلم. وهذا كريم وذاك أكرم. فأين هو انقلاب المعنى إلى ضده هنا؟
هـ- إذا كان قوله إن الألف في الأعراب هي للتعدي وتعني النقص فيهم والعيب.. إلخ.. فكيف سيفهم قوله تعالى: (وَمِنَ الأَعْرَابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَاتٍ عِندَ اللّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَّهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ)( سورة التوبة 98)؟
الأعراب، كغيرهم، منهم مَن علم وعرف وعمل صالحا، ومنهم الجاهل بما كان عليه أن يعلمه ويعرفه ويعمل به.
*** فقليلا من التواضع أمام لغة آيات القرآن، أيها الأفاضل.
المصدر