مُكابدَةُ الكتابَة ...
كلَّما كتبتَ حرفاً أو سطرتَ في أوراقك القديمة والأبكارِ منها عن حَياتكَ سطراً، أو نقرتَ في المذكِّراتِ ممّا فاضَ عن المَشاعرِ الدّافئاتِ نقراً ،
أو قطفْتَ من ثمارِ القَراطيس التي نشرْتَ منها ما نشرْتَ قَطْفاً، أو لمستَ بأناملِ الرّفقِ شغافَ القلبِ المُفعَمِ بذكرى الأحبّةِ لمساً،
وأسبلْتَ من دُموعِ الحزنِ على فائتٍ ، وتجرَّعْتَ من كأسِ الأسى على أمنيات كاذباتٍ مَضت أشباحُها بعدَ تخيُّلٍ زائفٍ، ورَوَيْتَ في صفحاتكَ
ما طويْتَ منه وما نشرْتَ، من مرويّاتٍ طوالٍ، وخطوتَ في بيداءِ حياتِك خُطواتِكَ البطيئةَ والسريعَةَ، وما تشعّبَ منها من سُبُل الضّياعِ السّحيقِ،
كلّما فعلتَ ما فعلتَ لم تجدْ ما اشتهيْتَ؛ فما أكثرَ الغرائبَ التي حكَيْتَ وتَخِذْتَ منها فنّاً تسردُ منه للسّامعين مَسروداتكَ لتملكَهُم، فإذا نَفِدَ منك
الزّادُ وأنْهِك القلبُ ألفْيَت نفسكَ تَدورُ حولَ نفسكَ وتجري بَحثاً عن زادٍ جديدٍ، فلمّا لم تجدْ عُدتَ إلى صخوركَ القديمةِ تَطْحَنُها طَحْناً، وتُعاودُ نحتَها
عَسى أن تستخلصَ منها عُصارةً وفنّاً، لكنّك لم تجنِ من جَلاميدِك الصّمِّ إلاّ الوهمَ والسّرابَ في أرضِكَ اليَباب...
طالَما رَكَضْتَ وراءَ الشُّذور الخُلَّبِ اللاّمعاتِ، لكنَّكَ لم تَجْنِ يَداكَ سوى حصيٍّ وبضعِ عِبـراتٍ مَرويّةٍ، وجريْتَ خلفَ البلاغَةِ السّاحرَة فلَم تظفر بغيرِ غَرائِبَ
مَحكيّةٍ، و زَفراتٍ صاعدَةٍ، وقِطَعٍ من حبّاتِ الحَياةِ مُتفرِّقات، نَظَمْتها في نسقٍ زُيِّنَ إليكَ وحبّبْتَه إلى نفسِكَ، وتوهَّمْتَ أنّكَ بضمِّها ستبعثُها من مَرْقدِها،
وتبذلُ لغايتِكَ مُتاركةَ الشواغِلِ ومُسارَقةَ الأوقاتِ، طمعاً في عَيْنِ الرِّضا وسعياً وراءَ طرفٍ كَليلٍ تكفيه مَزاعمُ فضلٍ تدّعيه لنفسِك، وأنَفَةٍ من رَذائلَ تزعُمُ
أنّ صحائفكَ تخلو منها، وإفادَةٍ من مُناصَحاتٍ وتَجارِبَ، واسْتِمْتاعٍ بنَوادِر...، ثمّ لم يكفِكَ السعيُ وراءَ قارئكَ فطمعتَ في أن تُسعدَه ليُحسّ لكلماتكَ وقْعاً
وَصَدىً، إذا اقْتَحَمَ منكَ البُعدَ والمدى، وجعَلْتَ من جَفْنَيْه متّكأً ولحرفِك مَهْداً و مُنْتَدى.