يُجمعُ "مُخّ" على مِخَاخ ومِخَخَة
د. عبد الرحمن بودرع
ولَم يَردْ "أمخاخ" جمعاً لمُخّ، وهو ما عليه أغلب مصادر اللغة والمعاجم العربية القَديمَة. أمّا ما وردَ على لسان الحجاج في خُطبةٍ لَه ونَقَلَه عنه الجاحظ في "البيان والتبيُّن" ونَقَلَه عن الجاحظِ الوزيرُ الكاتبُ أبو سَعد الآبيُّ في نثر الدّرّ، وابنُ حَمدون في التذكرة الحَمدونيّة، فهو قليلٌ جدا محدود في بابه لا يُقاس عليه ولا يُؤخذ إلا سماعاً.
ولعلَّ تفرُّدَ الحَجّاج في ابتداع أبنية غير قياسيّة يدخُلُ في يَرِدٌ عن العَرَبيّ مخالفاً لِما عليه الجمهورُ، وفي ذلكَ قال ابنُ جنّيّ: إذا اتّفقَ شيءٌ من ذلك نُظِرَ في حال ذلك العربيِّ وفيما جاء به. فإن كان الإنسان فصيحاً في جميع ما عدا ذلكَ القَدْرِ الذي انفرد به، وكانَ ما أوْرَدَه ممّا يَقبَلُه القياسُ، إلا أنه لم يرد به استعمالٌ إلا مِن جهةِ ذلكَ الإنسان، فإنّ الأوْلَى في ذلك أن يُحْسَنَ الظَّنُّ به، ولا يُحمَلَ على فَسادِه... لأنّه يُمكنُ أن يكونَ ذلكَ وَقَعَ إليه من لغة قَديمةٍ قد طالَ عَهدُها، وعَفا رَسْمُها، وتأبَّدَت مَعالمُها.
فقَد كانَ الشعرُ علمَ القوم، ولم يَكنْ لهُم عِلْمٌ أصَحُّ منه، فجاءَ الإسلامُ فتشاغَلَت عنه (عن الشعر) العَربُ بالجهاد وغزو فارسَ والروم، ولَهِيَت عن الشعر وروايته، فلمّا كَثُرَ الإسلامُ وجاءت الفتوحُ واطمأنت العربُ في الأمصارِ، راجَعوا روايةَ الشعر، فلم يَؤولوا إلى ديوانٍ مُدَوَّن، ولا كتابٍ مَكتوب، وألْفَوْا ذلكَ وقد هَلَكَ مِن العربِ مضن هَلَكَ بالموت والقتل، فحَفظوا أقلَّ ذلك، وذهب عنهم كثيره.
ومن أنفَسِ النصوص ما جاء في الخصائص عن ابن جنّيّ في تفسيرِ هذا الخُروجِ عن القياس: «فإنّ الأعرابيَّ إذا قَوِيَت فصاحتُه، وسَمَت طَبيعتُه تَصَرَّفَ وارْتَجَلَ ما لَم يَسْبِقْه أحدٌ قَبْلَه به؛ فقد حُكِيَ عن رؤبةَ وأبيه أنَّهُما كانا يَرتجِلانِ ألفاظاً لم يَسْمَعاها ولا سُبِقا إليها... فما قيس على كلام العرب فهو من كلام العرب.
والله أعلَم