المتدارَك أم المتدارِك؟
د.عمر خلوف
من المعلوم أن دائرةَ (المتّفِق) العَروضية تتضمن بحراً مستعمَلاً واحداً، هو (المتقارِب)، الذي يقوم على تكرار التفعيلة (فعولن) أربع مرات، كما تتضمّن بَحراً مُهمَلاً، غيرَ مستعمَل، يقوم على تكرار التفعيلة (فاعلن) أربعَ مرات، أطلَقَ عليه أبو الحسَن #العَروضي اسمَ (الغَريب)، وسمّاه أبو نصر #الجوهري صاحب الصحاح (بالمتَدارك)، وأصّلَ له قواعدَه المعروفةَ حتى اليوم، تأصيلاً هَشّاً، لا يرقَى إلى متانةِ تأصيلِ الخليل لبحوره، خلَطَ بين بحرين منفصلين، في قضيّةٍ ناقشناها مطوّلاً في تأصيلنا لبحرَي (#الخبَب) و(#المتدارَك).
وقد انتشر اسمُ (المتدارَك) بفتْحِ الراء، إيذاناً من العروضيين أن البَحرَ قد (تُدورِكَ) على الخليل، وادَّعَوا أن (#الأخفشَ) هو مَنْ (تَدارَكَه) عليه! وتلك قضية أخرى ناقشناها في منشور سابق.
ولقد خَطّأ (د.عبد المنعم خضر الزبيدي) هذه التسمية، في مقال له بعنوان: "البحر المتدارك بين الخليل والأخفش" نُشر في "مجلة الثقافة العربية" الليبية (6/1981). أكّدَ فيه أنّ "المتدارِك مصطلحٌ استعمله الخليل نفسه لوزنٍ مهمل في الدائرة الخامسة، وأن نُطقَهُ بكسر الراء وليس بفتحها، كَـ (المتقارِب) سواء بسواء"!
واستدلّ على ذلك بأن الخليلَ سَمّى بحورَ كلِّ دائرةٍ بأسماء متوافقةٍ في الصيغة والدلالة.
*فأسمى بحور الدائرة الأولى: "الطويل والمديد والبسيط" على وزن: "فعيل"، وتدلّ جميعُها على الطول والانبساط.
*وأسمى بحرَيْ الدائرة الثانية: "الوافِر والكامِل" على وزن: "فاعِل"، وهما متقاربان كذلك في الدلالة اللغوية.
*وأسمى بحورَ الدائرة الثالثة: "الهزَج والرمَل والرجَز" على وزن: "فَعَل" ودلالاتها اللغوية متقاربة أيضا.
*واستثنى من ذلك أسماءَ بحور (دائرة المشتبه)، التي يدل اسمها على اشتباه الخليل أو شكّه وارتيابه في طبيعة إيقاع أوزانها! فجاءت أسماءُ بحورها على صيغ مختلفة، فهي: (المنسرح، والخفيف، والمضارِع، والمقتضَب، والمجتَث). كما قال د.عبدالمنعم!
*كما أسمَى دوائرَه الخمس: "بالمختلِف والمؤتَلِف والمتّفِق والمجتَلِب والمشتَبِه".
* كذلك فعل الخليلُ في تسمية القوافي الخمس: (بالمُتَكاوِس، والمُتَراكِب، والمُتَدارِك، والمُتَواتِر، والمُتَرادِف)، وفقاً لعدد المتحركات الواقعة بين آخر ساكنين من القافية، وفي أسمائها كما هو واضح (المتدارِكُ)، وهي: "كل قافية توالى فيها حرفان متحركان بين ساكنين [ه//ه]"، وتُمثلها التفعيلة: (فاعلن) كما قال.
*ناهيك أن مصطلحي: "المتقارِب والمتدارِك" يدلاّن على نوع من السير أو العدو يشير إلى تقارب الخطى أو تداركها فيه
* * *
ونحن لا نُماري في أن مصطلح (المتدارِك) بكسر الراء هو مصطلَحٌ خليلي، ولا ننفي أن يكون الجوهري قد ضبطَه بكسرها، ولكنه في أصله الخليلي ليسَ اسماً للبحر المهمَل المقابِلِ (للمتقارِب) في الدائرة، كما يقول د.عبد المنعم، بل هو اسمٌ لنوعٍ من القوافي، التي يتوالَى في آخرها حرفان متحركان بين ساكنين، كما رأينا. وتقَع هذه القوافي في ستّ تفاعيل، ينطبقُ عليها ذلك التعريف، هي: (متفاعلن، مستفعلن، مفاعلن، فاعلن، فعولن فعَلْ، فعولُ فلْ)، كما ذكرها الأخفش.
ولو أن الخليلَ أرادَ التفعيلةَ (فاعِلن) مقياساً للبحر (المتدارك) كما قال، فلقد كانَ عليه أن يُسمّيَ (المتقارِبَ) باسم (المتواتِر)، وهو "كل قافية فيها حرف متحرك بين حرفين ساكنين" لأن التفعيلة (فعولن) إحدى سبع تفاعيل تمثّل هذه القافية، ذكرها الأخفش أيضاً، وهي: (مفاعيلن، فاعلاتن، فعِلاتن، مفعولن، فعولن، فعْلن، فعولُن فلْ).
ولو كان الأمرُ متعلقاً بتسمية البحر (المتدارك)، وصحة ضبطها كان تعليلُ د.عبد المنعم صحيحاً، ولكنه تغاضى عن كون الخليل لم يُسمِّ أيَّ بحرٍ مهمَلٍ من مهمَلات دوائره الخمس، وجاءت أسماؤها بعد الخليل بأزمان، ولم يُراعَ فيها توافقُها مع أسماء البحور المستعملة من كل دائرة، فمثلاً: (#الممتَدّ و#المستطيل) غير متوافقين مع (المديد والطويل والبسيط) في صيغتيهما، و(#المتوفّر)؛ غير متوافق مع (الوافر والكامل) في صيغته، وهلم جرا.
ولا مشاحة عندنا في المصطلَح، ولكن يبقَى (فتحُ الراء) دليلاً على استدراكِ هذا البحر، وإن كانَ المقصود بالاستدراك هو بحر (الخبب) لا (المتدارَك) كما نوّهنا إليه في أكثر من منشور.
ومع ذلك تبقى لفتتُه إلى توافق أسماء بحور الدائرة الواحدة، وأسماء الدوائر، والقوافي، لفتة لطيفة، إن كان هو مبتدعها، وهي لفتة تدلل على عبقرية العروضي الأول، وعقليته الفذة.
هذا والله تعالى أعلم
المصدر