#شيء من اللغة: (أَلْفَ سَنَةٍ إِلا خَمْسِينَ عَامًا)
د. هادي حسن حمّودي
خلافات متنوعة في جواب: كم كانت مدة بقاء النبي نوح في قومه؟ ذلك أن القرآن قال: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ)( سورة العنكبوت 14) فقال قوم: السنة هي العام، فهو لبث في قومه 950 سنة. وقال قوم: لا بد أن يكون قد لبث في قومه قبل الطوفان ألف سنة ولبث بعده خمسين عاما. وذهب كثيرون إلى أنّ السنة تعني الجدب والعسر، والعام يعني الخصب واليسر. فهل هذا صحيح؟
جوابي:
على الرغم من أنّي أرى أن الاهتمام الأكبر يجب أن ينصرف إلى فهم رسالة النبي نوح وأهدافها، والأخذ بمبادئها، لأن هذا أجدى من الاختلاف في المدة التي قضاها نوح بين قومه، فإني أرى أن أجيب من تفضل فسأل:
1- لم يثبت، أبدا، أن كلمة سنة مرتبطة بالجدب والعسر، ومن أقرب الأدلة على ذلك الآيات التي قيل إنها دالة على الجدب والعسر وهي: (قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تَأْكُلُونَ. ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تُحْصِنُونَ. ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ)( سورة يوسف 47-49) فالقائلون بالجدب والعسر لم ينتبهوا إلى أنّ السنين السبع الأولى كانت خصبة لا جدب فيها ولا عسر، بحيث مكّنتهم من أن يُحْصنوا ما سيسدّ حاجتهم للسبع اللاحقات. ثم يأتي عام يغاث فيه الناس. ولا نراه دالاّ إلاّ على مدة منفسحة.
2- كما لم يثبت أن كلمة (عام) مرتبطة بالخصب واليسر. بل بالعكس تماما. ذلك لأن العرب غالبا ما كانوا يطلقون كلمة (العام) على السنة المجدبة العسيرة. وهذا ما تراه في لسان العرب لابن منظور. وعام الرمادة في السنة الثامنة عشرة للهجرة هو العام الذي ضرب القحط والجدب فيه الجزيرة العربية بما لم تشهده من قبل حتى قيل إن عقوبة السرقة قد عُطلت في ذلك العام. ولم يقل أحد إنها سنة الرمادة. وإنما عام الرمادة لأنهم استطالوها. وقل الشيء نفسه عن (عام الفيل) لا سنة الفيل.
3- السنة تختلف عن العام. فهي تخضع للتقويم القمري وهو أقدم تقويم في العالم. وعليه التقويم الصيني والهندي والعبري والهجري وتقاويم أخرى. ويبدو أن المعنى المعروف لكلمة (العام) ظهر إثر بداية التقويم الشمسي. وأصل كلمة (العام) من (ع و م) ثم ألحق بها هذا المعنى. واستعمل الناس الكلمتين لاحقا تعبيرا عن معنى واحد.
4- إنّ (أَلْفَ سَنَةٍ إِلا خَمْسِينَ عَامًا) تحدد الزمن الحقيقي لبقاء نوح مع قومه، وبملاحظة الفرق بين السنة القمرية والعام الشمسي الذي هو أطول من السنة القمرية بأحد عشر يوما ونصف يوم تقريبا. وبإجراء عملية حسابية بسيطة، نرى أن خمسين عاما ستساوي حوالي اثنتين وخمسين سنة وبضعة أيام أو أسابيع. والقرآن الذي لم يحدد المدة التي قضاها أي نبي في أداء رسالته، لم يخرج، في هذه الآية، عن نسقه البلاغي في تحديد الأزمنة، فالتعبير (إِلا خَمْسِينَ عَامًا) أكثر جمالا وفصاحة من أي تعبير آخر. وهذه طريقته في المواضع المشابهة كما في: (وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا)(الكهف 25). لاحظ تنوين الكسر في (مائةٍ) وكلمة (سنينَ) وفتحها. إن أداء هذا المعنى بأي تعبير آخر يزيل جمال هذا التركيب اللغوي الساحر.
5- نصل الآن إلى الاستثناء بـ(إلاّ) تقول قضيت في مدينة كذا عشرين سنة إلا ستة أشهر ثم رحلت. فأنت قضيت، إذن، تسع عشرة سنة وستة أشهر. كذلك في هذه الآية فالنبي نوح لبث في قومه (1000 سنة – 50 عاما) فالخمسون عاما جزء من الألف سنة، والآية نفسها بعد أن حددت تلك المدة قالت: (.... فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ). فلا سبيل للقول إن الخمسين عاما كانت بعد الطوفان..
والله الهادي للرشاد.
المصدر