التراث والنبراس (1) نظرات في أعياد الضاد
محمد صادق عبدالعال
♦ طمَّ سيل العولمة، وانجرف تيار التغريب انجرافًا لا رابط له ولا ضابط، ولا حاجز ولا حابس، حتى استقرت لآلئ العربية في خِدرها المكنون وحجرها المصون، تبحث عن جند لها هم الغالبون، فصار المتمسكون بها يواجهون طواحين الهواء، وتعكير صفو الماء، حتى انبرى فريقٌ من أربابها يمارون في ديمومة العربية كلغة لها الغلبة، وحروف لها السبق والاستباق، ويعُدُّونها لغةً لم يعُدْ لها تواجدٌ، وإن جاءت، فعلى سبيل الهامش، ومن هنا تداعت أقلام الكُتَّاب الأحرار يفتشون في جواهر حرف الضاد؛ لتتكشف عظيم الأسرار لهذا الحرف المُكرَّم، والذي نزل به خير الكتب السماوية على الإطلاق، وفي عيد العربية من كل عام نستبشر بجندٍ لها يرفعون عن جمالها الحُجُبَ، ويجيِّشون لها جيش النُّجُب لمن أراد أن يجعلها على السطح والهامش، وفيما يلي من سطور وصفحات سوف نتعرض لآراء وهمزاتِ وصلٍ وقطع بها؛ منهم المُنصِف، وكثير منهم مفرطون.
ولقد حاولت جاهدًا أن تكون لي بصمة من أن تشوبَني شُبْهة المجانبة أو مجاراة تيارات العولمة الداعية والرامية في الوقت ذاته إلى إجفال العيون عن حرفنا المكنون؛ فكان الحضور إبراءَ ذِمَّة وهُوِيَّة أمةٍ هي خير أمة أُخرجت للناس، وحتى لا نُطيل كما ذكرت، فإني ما جئتُ وحدي، بل اتخذتُ ممن سبقوني نشرًا وعلَوني علمًا؛ منهم المؤيد، ومنهم المخالف، وما بين ذلك، وحتى أكون قد جعلت من هوامش مقالي توثيقاتٍ من ثِقات يرضى عنهم الناس، ويقنع بهم القُرَّاء، وفوق كل ذي علم عليم.
وسأحاول جاهدًا ألَّا أطيل؛ فمجمل الأمر محمول على الإقناع لا الاتباع، وما زلتُ مُصرًّا على تمسكي وتشبُّثي بما أنا عليه من أن العربية هي أسمى لغات الدنيا، ولم تقف يومًا كحجر عَثْرَةٍ في سبيل أي تقدم، غير أن أربابها هم المقصرون في حقها، لعدم تداركهم لجمالياتها السامية، ومقاصدها العالية.
نظرة أولى:
وفي أول إطلالة لمقال لـ(د/ إبراهيم عبدالرحمن محمد)، بعنوان: "من مشكلات اللغة العربية"، تكلم فيه أستاذنا الفاضل بصراحة مطلقة عن كُنْهِ المشكلة؛ حيث أرجع ما آلت إليه اللغة العربية الفصحى إلى اعتبارها لم تعد "لغة متحدثة"؛ بمعنى أن المثقفين وغير المثقفين يتحدثون العامية بمستويات ولهجات تختلف باختلاف البيئات، ولن أنقل عن الكاتب نقلَ ناسخ ومنسوخ، لكن الخلاصة في مقاله تتلخص في:
• يرى أن القدامى قد وضعوا للغة العربية معيارية موروثة؛ لتظلَّ على حالها دون تطور؛ مخافةَ أن يُباعَد بين صورتها الحقيقية، ولغة القرآن الكريم كعنصر مشترك.
• أوضح أن اللغويين القدامى اضطروا لذلك - يقصد معيارية اللغة - بسبب دخول عناصر من أبناء الأمم المفتوحة إلى الحياة العربية، وإحداث تغييرات اجتماعية وحضارية حادة في المجتمع الإسلامي، وهو ما كان سببًا في معاناة اللغة العربية من "اللحن"، الذي أخذ يفشو على ألسنة العامة والخاصة على حد سواء.
• ويطول الحديث بالكاتب حتى يجعل من معيارية اللغة، ووضع ضوابط النحو والصرف لها - سببًا في عدم المواكبة لعصرنا الحالي؛ إذ أرجع الأمر في ذلك إلى ثلاثة أسباب؛ هي:
1) تثبيت اللغة العربية أبنية وأساليبَ وألفاظًا ودلالاتٍ، على نحو ما تؤول إليه هذه العناصر في اللغة المعيارية، ويسميها بمقاله لغة "عصر الاحتجاج"، ويرجعها على الأرجح إلى الفترة الواقعة بين العصر الجاهلي ومنتصف القرن الأول الهجري؛ يعني: فترة سيادة الإسلام على شبه جزيرة العرب.
2) يرى أن غلبة التنظير والتقعيد على التطبيق والتحليل في دراسة اللغة، وفصل النحو والصرف عن النصوص الإبداعية ودراستهما مستقلَّيْنِ في ذاتهما، وتغليب النظر العقلي في التقنين لهما؛ يعني: جَعْل النحو كالرياضيات والمنطق.
3) قال بأن الاعتماد في صناعة المعاجم التي تضبط دلالات اللغة قامت على الشعر الجاهلي، والذي استمدوا من لغته مادة لتلك المعاجم، ويُبرِّر بأن لغة الشعر بطبيعتها "لغة مجازية"؛ تُحمل الألفاظ فيها على وجوه مختلفة حسب ما تطرحه السياقات الشعرية، فضلًا عن معانٍ تفتقر إلى الترتيب التاريخي[1].
وأرى أن الكاتب لم يتجنَّ في تلك الجزئية ولم يبالغ؛ إذ هي حقًّا موجودة ومُثبتَة بكتاب "أساس البلاغة" للزمخشري، في "تصريف الأفعال وعودتها لمصادرها الأصلية ومواقعها الإعرابية"؛ فعلى سبيل الذكر لا الحصر؛ مثال: نراه في مادة فعل (س ف ر): سافر سفرًا بعيدًا، وبيني وبينه، مسافر بعيد، وما أحسن مسفر وجهه، ومسافر وجوههم، ويستشهد بقول امرئ القيس:
ثياب بني عوف طهارى نقية *** وأوجُهُهم عند المُسافر غران
وسفر البيت: كنسه بالمسفرة، والريح تجول بالسفير، وهو ما يتحاتُّ من الورق فتسفره، وأعلف دابته السفير؛ قال ذو الرمة:
وحائل من سفير الحول حائله *** حول الجراثيم في ألوانه شُهُبُ[2]
وأرى أن دليلًا لتوثيق كلام الكاتب من القرآن الكريم في تفسير الصيغ والمصادر والمشتقات، واقرؤوا إن شئتم قول ربنا: ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ * ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ ﴾ [عبس: 38، 39].
ثم يرى الكاتب أعزه الله "أن هذه اللغة الشعرية التراثية" قد أسهمت في إقرار ظواهرَ لغوية مُضلِّلة؛ منها ما يُعرف "بالترادف اللغوي"، و"التضاد الدلالي"، وهي في حقيقتها معانٍ شعرية، كما أسهمت في طبع العقلية العربية المعاصرة بطابع تقليدي، يتمثل في معالجة ظواهر الحضارة الحديثة من خلال لغة قديمة.
هذا ما صرح به الكاتب بشأن المشكلة التي نتجت عن وضع معايير للغة العربية وضوابط نحو وصرف وبيان.
ومن البداهة أن يُبرهن المجادل والمناقش بدلائلَ تصدق قوله، حتى ولو تكهَّن بالنتائج؛ فيستطرد:
نتج عن ذلك كله "انفصام في اللغة العربية"؛ حيث صارت هناك لغتان:
♦ لغة قريبة من الفصحى يصح أن نطلق عليها اصطلاحًا "فصحى العصر الحديث"؛ تمييزًا لها عن "اللغة المعيارية الثابتة"، والتي يدعو إليها اللغويون القدامى والمحدثون.
♦ لغة عامية فَشَتْ على ألسنة العوام والخواص، من المثقفين وغيرهم، وهي لغة قد بنت لنفسها نظامًا نحويًّا وصرفيًّا وأسلوبيًّا خاصًّا، وقد اتسعت تلك اللغة لكثير جدًّا من ظواهر الحضارة الحديثة، ولكنها مع ذلك لغة مرفوضة ومطارَدة وغير مكتوبة، إلا في نماذجَ محدودةٍ من الشعر والنصوص الأدبية، ومع ذلك أصبحت تلك اللغة معمولًا بها في الشارع والجامعة ووسائل الإعلام، وتوارت الفصحى، وأضحت لغة غريبة - على حد قوله - ثم يُعرِّج الكاتب إلى حُزمةٍ من الحلول، التي يمكن أن تؤول بالفصحى إلى مُرتقاها الأعلى؛ تتمثل تلك الحلول في:
• الإفراج عن اللغة العربية بأن يسمح حُرَّاسُها لها بأن تدخل إلى محرابها المقدس مفرداتُ الحضارة الحديثة، والعلوم الإنسانية؛ أُسوةً بما حدث في أوْجِ عصور العباسيين من العلوم الجديدة؛ كالفلسفة والمنطق، والتاريخ والجغرافيا، والطب والرياضيات، والفلك والهندسة، مباهيًا بانتقال مفردات هذه العلوم للغات الأوربية الحديثة؛ مثال: "الجبر لجابر بن حيان".
•تدريس اللغة العربية في الجامعات والكليات والمعاهد العليا بوصفها اللغة القومية واللغة الأم، والتي يُحاضِر بها المتخصصون، ويؤلِّفون كتبهم الجامعية.
• العدول عن فصل النحو عن النصوص الأدبية، والعودة إلى استخلاص قواعدهم من النصوص المدروسة.
• أن تتم دراسة اللغة من خلال نصوص أدبية مختارة، تلائم الأذواق الحديثة، وتحقق مستوًى لغويًّا راقيًا[3].
♦ نقطة اختلاف:
لا أدري أأتفق معك أستاذي في بعض ما كتبت أو اختلف في بعض؟ كما فعلت مع الذي دفعني للخوض في ثنايا هذا المقال... ربما؛ لكن عذرًا أستاذي، لن أوافقك بالكلية فيما اجتهدت فيه بمقالك الكريم، وإن كانت نواياك صادقة وطيبة، وبخاصة في تلك الجزئية التي ترى فيها أن من مُسببات انزواء الفصحى، وصيرورتها لغة غير متحدثة - هي المعيارية الضابطة لها ولأسلوب كتابتها، بالتأكيد أختلف فيها كثيرًا، واسمح لي أن أُبرهِنَ بنقاط ثلاثة هن ما نما لهن علمي، وسبحان الله العليم، ولكن قبل عرضهن، أسأل سؤالًا، ولربما راود السؤال نفسه من اطَّلع على مقالك، حتى ولو يمر على دراستي المتواضعة تلك: ألم تَعتَبِر أستاذي الكريم أن: "الاعتماد في صناعة المعاجم التي تضبط دلالات اللغة قامت على الشعر الجاهلي، والذي استمدوا من لغته مادة لتلك المعاجم، وتقول: بأن لغة الشعر بطبيعتها لغة مجازية تُحمل الألفاظ فيها على وجوه مختلفة، حسب ما تطرحه السياقات الشعرية، فضلًا عن معانٍ تفتقر إلى الترتيب التاريخي"؛ هذا ما نقلت عنك، فكيف وأنت تثبت أن تلك الفقرة من ضمن معوقات سيادة اللغة العربية كلغة متحدثة، ثم تُقدِّم بعدها واحدة من الحلول؛ وهي: "العدول عن فصل النحو عن النصوص الأدبية، والعودة إلى استخلاص قواعدهم من النصوص المدروسة"، أنَّى يكون هذا؟!
♦ ربما يرى كاتبنا الجليل أن لغة الشعر الجاهلي كانت أثقلَ على ألسنة المعاصرين؛ نظرًا للهُوَّةِ الزمنية، وتناوب الثقافات، لعله يقصد ذلك، أو يعني اختفاء كلمات كثيرة من اللغة العربية، ونُفاجأ بها حين نطَّلع على قديم من أشعار العصر الجاهلي والمعلقات، وما شابه ذلك، ربما يقصد ذلك.
وأعود لسرد ما منَّ الله عليَّ به فأقول:
♦ محاور الاختلاف:
• المحور الأول: القرآن الكريم باعتباره النص الأقدس على الإطلاق، وهو المصدر الأول للتشريع، ومنه يكون التفسير للمعاني والمفردات، واشتماله على الإيجاز والإطناب والإجمال، والكناية والمجاز والتفصيل، وعلى العموم والخصوص، وعلى الإطلاق والتقييد، فضلًا عن تفسير القرآن بالقرآن كما قال بذلك علماؤنا الأجلاء؛ كقوله تعالى: ﴿ فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ ﴾ [البقرة: 37]؛ فُسِّر ذلك قوله في آية أخرى: ﴿ قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِين ﴾ [الأعراف: 23].
فلو أننا تجاهلنا "المعيارية" الخاصة بكلمات القرآن، وإعراب الكلمات وتصريفاتها، وسرَّحناها إلى حيث تشاء الألسنة والأفئدة، فكيف ستُفهم معاني القرآن الكريم أستاذي الجليل؟! ومعلوم أن التفسير للقرآن الكريم يُعوِّل على المعاني وموقف الجمل من الإعراب، وأوضاع اللغة العربية وأسرارها؛ لأنها تُعين على فَهم الآيات التي لا يتوقف فهمها على غير لغة العرب؛ [هذا ما خطه د/ محمد حسين الذهبي، في أول أداة من أدوات تفسير القرآن الكريم بالاجتهاد وقوة الاستنباط][4].
• المحور الثاني: هو سؤال كنت أود ألَّا أطرحه، لكنَّ الحاجة المُلحَّةَ هي ما فرضت طرحه علينا: هل لغات الغرب المصنوعة على أعين مبتدعيها، وباختلاف ألسنة قائليها - لا تقوم هي الأخرى على المعيارية والضوابط؟ ألَا يوجد في اللغات الأخرى ما يجعل الدارس يشقى بها، كما في اللاتينية والفرنسية والإنجليزية من "ماضٍ، ومضارع بسيط، وتام، ومستقبل تام، وبسيط، إلى غير ذلك من ضوابطَ ابتدعوها؛ ليوكبوا رَكْبَ العربية في فصاحة وبيان؟!
اسمح لي معلمي أن أخالفك فيما قرأت عنك؛ إذ عزوتَ إليه ضياع العربية، وإن كنا نحن من سخِرنا من عربيتنا كما سخرنا من عروبتنا، ورسمنا معلم اللغة العربية كهلًا يقبع تحت نظارة سميكة، منطويًا على نفسه، كأن به علة، من يهُنْ يسهُلُ الهوانُ عليه أستاذي، وما لجرح بميتٍ إيلام.
• المحور الثالث: المعجم العربي يستقبل كل عام المئات من الكلمات ليواكب ركب التقدم، واتساع الحضارة، والدليل إصدار المجمع اللغوي قرارًا بالقياس "للمصدر الصناعي"؛ لكثرة وروده عند العرب، ولحاجة العلم بعد ترجمة العلوم والتعمق في بحثها، أم أن المزيد من التنازلات لمجانبة الصدام الحضاري والفكري، والذي يؤثر بالضرورة على جوانب اقتصادية واجتماعية وسياسية - هو ما يضطرنا لذلك؟ لا والله لن يكون؛ لغتنا أسمى وأرقى من أن تُهمَّش أو تقبل التسطيح، لقد شرُفنا بها وبعزها؛ لكونها لغة القرآن الكريم.
♦ لقد شهِد الكاتب نفسه - أقصد: د/ إبراهيم عبدالرحمن محمد - في ثنايا مقاله "من مشكلات اللغة العربية" بما أنا بصدد الذَّود عنه؛ ألَا وهي شهادته الضمنية باختلاف تراث العرب، والمخزون الثقافي الذي جاء إلينا عبر كتابات ومخطوطات القدامى - عن النصوص القرآنية كنصٍّ مقدس، لا يندرج تحت مظلة التراث، فحاشا لله أن تكون كلمات القرآن ككلام العرب فيما دهاها من اندثارٍ وعدم ملائمة، وإن كان القرآن قد أورد ألفاظًا يستخدمها العرب ليبيِّنَ سموَّه، ومواكبته لكل عصر وزمان، جاءت تلك الشهادة نصًّا بقول الكاتب أعزه الله: "ولقد واكب النص القرآني العظيم كثيرًا من مترادفات العرب في التأنيث مرة، وبالتذكير مرة؛ حتى لا يقال إن القرآن الكريم نزل على قبائل قريش وحدها، بل ضمن آياته الكريمة مترادفاتهم من حيث التذكير والتأنيث في كل قبائلها، كنص أعظم مما وجد عليه العرب تراثهم وكلامهم".
♦ (الاعتماد في صناعة المعاجم التي تضبط دلالات اللغة قامت على الشعر الجاهلي، والذي استمدوا من لغته مادة لتلك المعاجم، وتقول: بأن لغة الشعر بطبيعتها لغة مجازية، تُحمل الألفاظ فيها على وجوه مختلفة، حسب ما تطرحه السياقات الشعرية، فضلًا عن معانٍ تفتقر إلى الترتيب التاريخي).
♦ ♦ ولقد ذهب د/ حسن عباس، صاحب مقال "كلمات نتحاشى استعمالها وهي صحيحة"، المنشور بمجلة العربي الشهرية في عددها (367) باب: جمال العربية، صفحات: (176، 177)؛ حيث قرر أن: الفصحى كلغة والعامية كلهجة تشكِّلان مستويَيْنِ من مستويات الخطابة، لا لغتين مختلفتين؛ فإن بينهم من الوشائج وصلات القربى ما لا يُغفَل، ثم أردف: إن الفصحى قد تهيأت لها فرصة للظَّفر بالعامية، حين عمَّ استعمال ما يمكننا أن نسميه "الفصحى الميسرة"، أو "الفصحى المعاصرة"، وعدد هيئات استخدامها؛ كوسائل الإعلام المسموع والمرئي، والصحافة العلمية والأدبية والسياسية منذ قرن ونيف، وقد ساعد هذا المستوى على اقتباس أنواع أدبية جديدة، لعل اقتباسها كان متعذرًا في ظل الأساليب التي كان يحلو لأصحابها أن يُزيِّنوها بالسجع والبديع، والجزِلِ الفَخمِ من الألفاظ، بل والغريب الحُوشِيِّ منها، مما لم يَعُدْ له وجود سوى في معاجم اللغة، وذكر الأنواع والأجناس الأدبية التي استُحدثت في أدبنا العربي من: الرواية، والمسرحية، والقصة القصيرة، والأقصوصة، والومضة، ومبتدعات العصر، ولقد وثَّق الكاتب الكريم نظريته بنماذجَ من كلمات عربية الأصل، وبكثرة استخدامها ظنَّ الكثير أنها عامية ككلمات وعبارات؛ مثل: (الطقطقة، طيب، طهارة المولود، البياع، البير، بطن الثوب، الرمرمة، العتب على النظر)، بالتأكيد تلك كلمات يحسبها الكثير منا عامية، لكن الكاتب قد أوضح لكل مفردة وعبارة جوازَ اعتبارها فصحى.
• ولنا أن نقر بأن د/ حسن عباس في مقاله الذي تخطَّى نشره ربع قرن من الزمان أو يزيد - قد طبَّق المثل القائل "نصف العمى ولا العمى كله"، ولعل استحضاره نماذجَ لكلماتٍ ظنَّ الغالب بكثرة تداولها أنها عامية، وهي فصيحة كان معينًا له، لكن سيدي الكريم - أدعو الله أن يمد له في عمره إن كان حيًّا - لو أنه عاصر الآن الدخيل من الألفاظ والعبارات، والاندثار الساحق للخطاب الفصيح، ولا أعني الذي دعا للتخلي عنه - كالمُزركَش بألوان البديع والسجع، وكثرة المترادفات - بل اللغة المبسطة أو كما أسماها "الميسرة"، والتي أصبحت التائهة المنهكة المبعثرة - لَما كتب هذا المقال ليطمع ويطمح كل ذي قلم دعاه الاختيال لكتابة قصة، أو نسج رواية، أو ما ابتدع من أجناس أدبية اختلط فيها الفصيح بالعامي، فتشابكت وتشابهت اللغة مع اللهجة السائدة، والأمثلة كثيرة، ولو ذكرنا أسماءً لأربابها، ما نَجَونا من مقارع التوبيخ والإهانة، ولربما امتد الأمر لحد الإيذاء.
• ولو علِم أستاذي الكريم ما آلت إليه اللغة الأم من تردٍّ وتهتُّكٍ، وما ذُبح منها على نُصُبِ ومِنصات التواصل والنقاش من سَلْخٍ لكل من أراد أن يعود بالبلاغة لجمال اللفظ، وانتقاء الكلمات - لقيل له كما قيل لأشياعه: تلك لغة العصور الوسطى، والعولمة قد فرضت، ومتطلبات العصر تستدعي، وما إلى ذلك من المفردات التي سكنت رؤوس كُتَّابٍ أفاضلَ أشاوسَ، لهم في الفكر والأدب باعٌ وباع.
♦ ولي أن أطرح سؤالًا أكثر جرأة، أو قد يعتبره البعض تطاولًا على ثوابت رسخت في أذهان الكُتَّابِ والقُرَّاء معًا، ولا أعني الكل، بل لطائفة منهم، وإن أعجبتهم كثرتهم، وإليك أستاذي هذا المثال البسيط للغة المبسطة السهلة كيف آل بها الحال إلى ما لا يجب أن تكون عليه، والكارثة من وسائل الإعلام التي تعد وسيلة من وسائل التوعية اللغوية.
♦ إعلان لشركة من شركات الصيانة للأدوات الكهربائية يُذاع ويمر على أسماعنا ليل نهار:
تحذر شركة... من عدم التعامل مع أي أرقام عدا الرقم كذا، ولعل الغَيور على لغتنا الفصحى المنتبه لقيمة القواعد اللغوية يرى الخطأ في قولهم: "من عدم التعامل"، فالتحذير يكون من التعامل، لا من عدم التعامل، والخطأ الثاني: "أي أرقام"، فالصواب أن يُقال: أية أرقام؛ لكونها مؤنثة، وما زال العرض مستمرًّا، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.